عهد التميمي مناضلة فلسطينية، ومن المعيب أن يُطعن فيها بسبب طريقة لبسها وشقارها، فضلا عن التشكيك بأن ثمّة “مؤامرة” وراء تقديمها. وعلى الجانب الآخر، ليست عهد هي المناضلة الأبرز فلسطينيا، وعيبٌ على من يحاول أن يختزل صيرورة النضال الفلسطيني فيها.

حتى شهادات المقاومة أصبحت توزّع على أساس الانتماء الإيديولوجي والسياسي! إلى هذا الحد، وصل الانحدار الفكري والأخلاقي، فلسطينيا وعربيا. العجيب أن أغلب من يزعم احتكار شهادات المقاومة أناسٌ لم يقاوموا احتلالا أو ظلما يوما، وبالتالي لا يستحقون شرف المقاومة، دع عنك احتكار إسباغ شهاداتها.
عهد التميمي، ابنة السبعة عشر ربيعا، الفتاة الفلسطينية الشقراء، أصبحت اليوم، شئنا أم أبينا، من أيقونات الثورة الفلسطينية. واهمٌ من يزعم أن “رمزيتها” اليوم، خصوصا عالميا، مرتبطة، وحسب، بكيفية مقاومتها التي وصفها الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، بـ”نموذج المقاومة الشعبية السلمية”. لا تتعلق المسألة بآلية المقاومة وحدها، بل ثمّة اعتباراتٌ أخرى، تتمثل بصفات الفتاة الخَلْقِيَّةِ والمظهرية. ولكن ما المشكلة في ذلك؟ الشعب الفلسطيني متنوعٌ في خلفياته الدينية والإيديولوجية والسياسية والفصائلية. وليست المقاومة حكرا على طرف دون آخر، وعلى لونٍ دون لون، وعلى وسيلة دون أخرى. في تاريخ الثورة الفلسطينية، وحاضرها، مقاومون، رجالا ونساء، من كل الفصائل والمشارب الدينية والفكرية والمظهرية والسلوكية. إنك تجد المسلم والمسيحي، المتديّن وغير المتدين، والمحجّبة وغير المحجبة. قدّمت هذه الثورة الحاج أمين الحسيني، كما قدمت جورج حبش. وعلى مستوى الفصائل، قدمت إسلامية وعلمانية ويسارية. وفيها دلال المغربي وليلى خالد، كما فيها مريم محسين (فرحات) وأحلام التميمي. أيضا، ليس كل الثوار ثوار سلاح، بل هناك ثوار كلمة ورسم. هناك إبراهيم طوقان وفدوى 
“ليست عهد المناضلة الوحيدة، ولا هي المناضلة الأبرز فلسطينياً”

طوقان، وهناك غسّان كنفاني ومحمود درويش، كما أن هناك أمية جحا ولمى خاطر. هذه قصة الثورة الفلسطينية، والشمس لا تغطى بغربال، والحقائق المعاشة والمدونة لا يمكن تزييفها.
ضمن المعطيات السابقة، ليست عهد بدعا في صيرورة النضال الفلسطيني. ولم تعد “المقاومة السلمية الشعبية” حكرا على قوى دون أخرى. حتى حركة المقاومة الإسلامية (حماس) منخرطة فيها، وبقوة، في قطاع غزة، عبر مسيرات العودة السلمية، وإنْ لم يعن ذلك تراجعها عن الكفاح المسلح. أيضا، لا يجوز هنا التقليل من قيمة الدعم الذي يلقاه الفلسطينيون في كثير من أجزاء العالم، ومن ذلك في الغرب، من شرائح شبابية وثورية ويسارية وليبرالية. يشكل هؤلاء جزءا معتبرا في كتلة “المقاومة الشعبية السلمية” في فلسطين المحتلة، وهم عنصرٌ أساسٌ وفاعلٌ في تنظيم القوافل البحرية لكسر الحصار عن قطاع غزة، وهم من يتصدّرون حملات مقاطعة إسرائيل في أوروبا والولايات المتحدة وبقية أجزاء العالم. أبعد من ذلك، لم تتردّد تلك الشرائح الغربية في خلط دمائها بالدم الفلسطيني الذي تسفكه إسرائيل، وما مثال الفتاة الأميركية العشرينية، راشيل كوري، عنا ببعيد، والتي فاضت روحها، عام 2003، تحت جنازير جرّافة عسكرية إسرائيلية، وهي تحاول منعها من هدم مبان لفلسطينيين في مدينة رفح في قطاع غزة. تلك الشرائح الغربية والدولية المتضامنة مع فلسطين، تجد في مظهر عهد وبعض أساليبها، اختلفنا معها أم اتفقنا، في التعبير عن رفضها الاحتلال الصهيوني، أقرب إلى ثقافتهم ومزاجهم. أيضا، بالنسبة لهم، فإن عهد، بصفاتها الخَلْقِيَّةِ وأساليبها الأقرب إلى منطقهم في المقاومة الشعبية، تعد نموذجا قابلا للترميز والتسويق عالميا. هذه حقائق، ولا أفهم ما هي مصلحتنا في محاولة نقض نموذج عهد، بدل محاولة إثرائه، وتصويبه، واستثماره استثمارا صحيحا!
ذلك على الصعيد الدولي، أما على الصعيد الفلسطيني، فثمّة مشروعية لغضب كثيرين من طريقة تَرْميزِ أنموذج عهد التميمي. المشكلة أن ذلك الغضب وجه صوب الهدف الخاطئ. الذين هاجموا عهد، بسبب لباسها وطريقة تسريح شعرها، وبعض حركاتها ضد الجنود الصهاينة أساءوا للقضية الأساس التي أثارت غيظهم. نعم، ليست عهد وحدها أيقونة النضال فلسطينيا، إنما هي لبنة فيه. الذين يحاولون إلغاء عهد أنموذجا للمقاومة مسيئون، والذين يحاولون إلغاء غيرها أيضا مسيئون. لا الشعب الفلسطيني، ولا تاريخ الثورة الفلسطينية، محتكران من نمط إيديولوجي وسلوكي واحد.
الآن، هل من حق كثيرين أن يغضبوا أن فتيات فلسطينيات لم يحصلن على الاهتمام الفلسطيني الرسمي والإعلامي نفسسه كما عهد، على الرغم من أنهن ضَحيْنَ أو قدمن، مثل عهد أو أكثر منها؟ قطعا. علا مرشود، ياسمين أبو سرور، ودارين طاطور.. إلخ، لم يحظينَ بأي اهتمام من محمود عباس، والسلطة الفلسطينية. تلكنَّ الفتيات مقاوماتٌ بالكلمة، سلميا، كما عهد، وربما

“تاريخ الثورة الفلسطينية جَمَعِيٌّ، شارك الجميع في صياغة صيرورته”

 أكثر، لكنهنَّ محجبات، فلم يتمَ ترميزهنَّ دوليا، وبالتالي تمّ تجاوزهنَّ على المستوى الرسمي فلسطينيا! حتى الممرضة الشهيدة، رزان النجار (21 عاما)، التي أثار استشهادها مطلع يونيو/ حزيران الماضي، غضبا دوليا عارما على إسرائيل، لم تحظَ باهتمام رسمي فلسطيني يذكر. استشهدت، بزيِّ التمريض الأبيض، وهي تسعف جرحى فلسطينيين، كانوا يتظاهرون سلميا عند حدود قطاع غزة. ذلك نموذج كان قابلا للترميز دوليا وعربيا وفلسطينيا، لكنها لم تجد الاهتمام نفسه الذي وجدته عهد. أكان ذلك لأنها محجبة؟ يصعب الجزم هنا، ولكن هذا شعورٌ يعبر عنه بعضهم، وإنْ بطريقة خاطئة، وهو الهجوم على عهد، بدل المطالبة بالمساواة بين كل المناضلات الفلسطينيات في المعاملة والتقدير والاحترام. وكما أن من يهاجمون عهد، ويشكّكون بنضالها وخلفياتها وارتباطاتها مخطئون، فإن من يختزلون النضال الفلسطيني فيها اليوم أيضا مخطئون. الجريمة الأكبر هنا أن يسارع عباس إلى استقبال عهد، في الوقت الذي أهمل فيه الأسيرة ياسمين أبو سرور (المحجبة ابنة العشرين عاما)، والتي أطلق سراحها من السجون الإسرائيلية في اليوم نفسه الذي أفرج فيه عن عهد، وقضت في السجن ثمانية أشهر كما عهد! أدهى من ذلك أن تكون المخصصات المالية للأسرى والأسيرات الفلسطينيين ورقةً تخضع للمزاجية والموقف السياسي والانتماء الفصائلي والإيديولوجي. أما ثالثة الأثافي فأن لا يتم الاهتمام، خصوصا فلسطينيا رسميا، بقضية أسيرةٍ كالمقدسية إسراء الجعابيص، المحكومة بأحد عشر عاما سجنا، في قضيةٍ مشكوكٍ بملابساتها، وها هي تعاني الأمرّين في سجون الاحتلال، منذ قرابة ثلاث سنين، تحت ظروف غاية في الوحشية، إذ التهمت الحروق نصف جسدها.
باختصار، عهد التميمي مناضلة فلسطينية، ومن المعيب أن يُطعن فيها بسبب طريقة لبسها وشقارها، فضلا عن التشكيك بأن ثمّة “مؤامرة” وراء تقديمها. وعلى الجانب الآخر، ليست عهد المناضلة الوحيدة، ولا هي المناضلة الأبرز فلسطينيا، وعيبٌ على من يحاول، فلسطينيا، أن يختزل صيرورة النضال الفلسطيني فيها وفي أساليبها. تاريخ الثورة الفلسطينية جَمَعِيٌّ، شارك الجميع في صياغة صيرورته، ولن يتمكّن تيار أو فصيل أن يخصم من عطاء الآخرين، أو نسفه، مهما بلغ حجم المحاولات هنا.