926ea0b9-4d20-4dfb-b213-5ce734f9952e.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

سيف الدين عبد الفتاح

يذكّرنا الحكم أخيرا في مصر، طلب الإعدام في قضية ميدان رابعة العدوية بأنه لا يزال للنظام الانقلابي الفاجر معارك انتقامٍ مستمرة، مارسها مرة في ساحة ميدان رابعة، وها هو يمارسها هذه المرة في ساحات قضاءٍ تابع لنظام فاجر.

سيظل ما حدث في فض الاعتصام في ميدان رابعة  العدوية في القاهرة من مجازر تمّت في الميدان يوم 14 أغسطس/ آب 2013، حدثا فارقا في تاريخ الأمة المصرية. وحينما تقترب ذكراها فإن حديث المطالبة بالاعتذارات، وسيل إخراج المبادرات والكلام عن المصالحات، يخرج من كل جانب في جلبةٍ كبيرة، يبدو أنها تثير الغبار على مجازر ميدان رابعة وأخواتها، وتكتمل الحلقة بأحكام قضائية صدرت قبل أيام، فقد أحالت محكمة جنايات القاهرة أوراق 75 متهما، بينهم قيادات في جماعة الإخوان المسلمين إلى المفتي، في إشارة تمهيدية إلى البت في إعدامهم، وذلك في قضية فض اعتصام ميدان رابعة العدوية التي تعود أحداثها إلى هذا التاريخ الذي اقتربت ذكراه، بينما حدّدت المحكمة نفسها جلسة 8 سبتمبر/ أيلول المقبل للنطق بالحكم. وقد وجهت النيابة إلى المتهمين في القضية عدة اتهامات محفوظة ومكرّرة، منها “التجمهر المسلح بميدان رابعة العدوية، وقطع الطرق وتقييد حرية الناس في التنقل، والقتل العمد مع سبق الإصرار للمواطنين وقوات الشرطة، والشروع في القتل العمد، وتعمد تعطيل سير وسائل النقل”. وعلى الرغم من أن هؤلاء جعلوا من تلك الاتهامات غطاءً لقتلهم واستخفافهم بالنفس البشرية، وفي إطار إعدادات واستعدادات سبقت بخطابٍ من الجهات التنفيذية والأمنية لتبرّر مقدما تلك المجزرة، وما قام به بعض هؤلاء المسمين نخبا، على الرغم من أنهم لا يستحقون معنى الإنسانية أصلا، حينما برّروا سفك الدماء، واستحلال النفوس والتحريض على القتل، من دون أدنى اعتبار لحرمة النفس البشرية. وحدث ذلك كله أمام أنظار شعب مصر، وأنظار العالم أجمع، ومر الحدث، ووعد النظام بالتحقيق، وأعلن تشكيل لجنةٍ لتقصّي الحقائق.
تسير هذه الأمور وبهذه المناسبة، فيما يحمله من شعار لئيم وخيم “من لم يمت في الفضّ مات 
“النظام الفاجر يمارس، في عرضه المستمر، مجزرته وفجوره بالقتل والإعدام في ساحات القضاء”

بإعدام القضاء وإقرار المفتي”، إنها قصة الاستخفاف بالنفس الإنسانية، حينما تتحرّك كل نوازع الاستبداد، فيستبيح المستبد وزبانيته وجوقته ومنافقوه والمنتفعون به وبطغيانه، يستبيح كل هؤلاء كل شيء، ولا يقيمون لتلك الدماء وزنا ولا حرمة. نستطيع التأشير على تلك المشاهد بأنها تمارس “طمس ذاكرة المجزرة”، سواء ما تعلق ذلك بهؤلاء الذين وقعوا ضحايا في ميدان رابعة العدوية، وما بين هؤلاء الذين لفقت لهم الاتهامات والقضايا، ممن خرجوا ونجوا من قلب تلك المجزرة، لكن النظام الانقلابي الفاشي المستبد لا يزال يمارس مطاردةً قميئةً للمجزرة وذاكرتها، يُراد أن يئد كل أمر يتعلق بالمجزرة (وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت).
إنها معركة الذاكرة الكاشفة، تميط اللثام عن مدى فجر هذا النظام الانقلابي، حينما لا يتوقف عند حد، ليتابع تلك المجزرة الكبيرة، ويستكمل تلك المجزرة بمجزرة إعدام من القضاء، مستكملا هذا المشهد الفاجر، فبدلا من أن يُحاكم هؤلاء المسؤولون عن تلك المجزرة إعدادا وتنفيذا، وعن قيامهم بالقتل خنقا وحرقا، وسحق الجثث بالمدرعات، وكل المحاولات التي قتلوا فيها الحقائق حول تلك المجزرة الكبرى وأخواتها، سواء سبقتها أو زاملتها أو لحقتها. هنا تكون المعركة بحق “معركة ذاكرة”، يجب أن نعي خطورتها، حيث يحاول النظام الفاجر دفن كل ما يتعلق بتلك المجزرة، حتى من تبقوا منها، فإنهم في عرف هذا النظام الفاجر ملاحقون بمحاكماتٍ وإعدامات.
لو أردنا أن نذكر الجميع بهذا الجناح الذي مثّل فكرا ليبراليا مغشوشا، وتسمّوا زورا القوى المدنية، فتمسكوا بالحكم العسكري فاستدعوه، وجاءوا إلى الحكومة على ظهر الدبابة، لينقضوا كل ما يتعلق بحرمة النفس حياة وكيانا، فهذا رئيس الوزراء آنذاك، حازم الببلاوي، يتخذ هذا القرار، وفق ما عبر عنه عن قيامه بما اقترف في الفض بضمير مطمئن. وهذا أستاذ القانون، حسام عيسى، يقرّر مشروعية القيام بعملية الفض، وها هو مجلس الوزراء آنذاك، بكامل زمرته، يتخذ القرار ببجاحة منقطعة النظير، مدّعيا أنه سيلتزم المعايير الدولية التي تتعلق بالفضّ، فكانت تلك المعايير المدّعاة في عرفه قتلا بلا حساب، وإراقة دماء وقطع رقاب وخنقا وحرقا بلا جريرة أو أسباب، وجرّافات تحمل الجثث بكل استخفاف، وطرقا آمنة ادّعوا فتحها، ولم تكن إلا كمائن يقتنصون فيها الضحايا، ويقتلونهم فردا بعد آخر، فهي ساعة الانتقام والعقاب، وبدعاوى كاذبة وملفقة، يحاول هؤلاء أن يقيموا بعد ذلك قضيةً لبقية الضحايا، وليست لمحاسبة القاتلين، أو هؤلاء الذين استباحوا الدماء، واستهدفوا حرمة النفوس، ثم يشكّلون لجان تقصّي الحقائق، وحينما تصدر بياناتها التي راجعها القتلة أنفسهم. والرئيس المؤقت الذي تندّر عليه الناس، وسموه “الطرطور”، لما قام به دور بائس، فقد كان رئيسا للمحكمة الدستورية، وهو من عطّل الدستور، وقطع الطريق على مسار ديمقراطي، وصار الأداة والألعوبة في يد وزير الدفاع آنذاك، حينما أتاه تقرير لجنة تقصي الحقائق لم يجرؤ على إخراجه، إلا بعد أن يمر على عبد الفتاح السيسي، والذي لم يعجبه التقرير، على الرغم من أنه نافق وطمس حقائق كثيرة تتعلق بالجرائم التي ارتكبت، والمجازر التي اقترفت. وخرج الأستاذ الجامعي الذي ترأس هذه اللجنة، ليعلن، في حديث صحافي، أنه شطب المطلوب منه في هذا التقرير. وبذلك صار جاهزا للعرض. هكذا فضح هذا الرجل شأن هؤلاء السفاحين، حينما قال إنه حذف كل أمر يتعلق بالجيش في هذا التقرير كما طُلب منه.
هكذا تبدو الأمور، تتعلق بمعركة الذاكرة، ومحاولات طمس حقائقها، وهو ما يعني ضرورة 

“معركة الذاكرة لا تقل أهميةً عن أي معارك أخرى تخاض في مواجهة هؤلاء الانقلابيين القتلة”

توثيق كل ما يحيط بهذا الحدث، ذلك أن معركة الذاكرة لا تقل أهميةً عن أي معارك أخرى تخاض في مواجهة هؤلاء الانقلابيين القتلة، وهؤلاء الذين تحالفوا معهم وساعدوهم، وهؤلاء الذين رسبوا في اختبار الدماء وحرمتها بسقوطهم الكبير. لقد شكلت مذبحة ميدان رابعة العدوية زلزالا ما بعده زلزال، إنه زلزال الإنسانية. وقام الحكم الأخير في قضية ميدان رابعة بتذكيرنا بأنه لا يزال للنظام الانقلابي الفاجر معارك انتقامٍ لم تزل مستمرة، مارسها مرة في ساحة ميدان رابعة، وها هو يمارسها هذه المرة في ساحات قضاءٍ تابع لنظام فاجر. إنها المعارك التي سنواصل التعامل معها، معارك الذاكرة ومعارك المعنى ومعارك تتعلق بخط الإنسانية، معارك كثيرة تكشف عنها مجزرة ميدان رابعة التي لا تزال تحرّك، بذكراها وذاكرتها، معاني أنها لا تزال مستهدفة، وأن المجازر التي لا تزال ترتكب تتعلق بحقائق هذا الحدث، ومجزرة الظلم الذي يمارسه قضاء الجور، فيحيل من على ذمة هذه القضية إلى المفتي، لأنه مأمور يريد أن يميت معنى المجزرة التي ارتكبها، والبربرية والإبادة التي اقترفها من شرطة، ومن تنفيذيين، ومن عسكر، ومن كل هؤلاء الذين أسهموا في تلك المجزرة، ولو بشطر كلمة. لا تزال “رابعة” تبوح بأسرارها، وتئن من أجل ضحاياها وشهدائها، لكن النظام الفاجر لا يزال، في عرضه المستمر، يمارس مجزرته وفاشيته وفجوره بالقتل والإعدام في ساحات القضاء.

إعجاب تحميل...