تعيش الوضعية الصحية بالمغرب خللًا واضحًا وجليًا تؤكدها جل المؤشرات الوطنية والدولية، ولعل من أهم تجليات هذه المعضلة تدني مستوى الوعي والثقافة الصحية في البلاد، رغم أهمية هذا الموضوع كأحد أهم محاور منظومة صحية فعالة في أي بلاد كان. وتعرف الثقافة الصحية على أنها إدراك الفرد لكل ما هو مرتبط بصحته، الجسدية، العقلية أو الاجتماعية سواء من كل أمر قد يفيد في تحسينها والعناية بها، أو إلحاق الضرر بها. ناهيك عن درايته بكيفية عمل النظام الصحي في بلده وكيفية الإستفادة منه. وهو واقع مر يدركه كل فاعل صحي، من تفشي أو تفاقم أمراض يمكن السيطرة عليها مسبقًا.

ضعف الثقافة الصحية في البلاد يرجع بالأساس إلى فشل المنظومة التعليمية كركيزة أساسية تعمل على خلق وتطوير الوعي الصحي لدى المواطن عبر إعداده إعدادًا جيدًا منذ نعومة أظافره، فالطفل الذي يعد جيدًا ويتم إطلاعه على أسس الصحة السليمة، الجسدية والنفسية، يعد استثمارًا مهمًا على المدى القريب والبعيد، يقلل من التكلفة الإجمالية للصحة، خاصة إذا تمت المواكبة طيلة المراحل العمرية، كل حسب خاصياتها. فمن منا لا يعرف الحكمة العميقة والشهيرة التي تفيد بأن الوقاية خير من ألف علاج. كما يرجع هذا الضعف أيضًا إلى مشكل الأمية المستعصية والمنتشرة لدى فئة عريضة من المواطنين، تتراوح نسبتها حسب تقرير المندوبية السامية للتخطيط في 34% من المغاربة؛ ما يجعل كل مجهود تجاه تحسين الثقافة الصحية يشكل تحديًا صعبًا يلزمه مجهود وضبط خاص لمستلزمات الشعب المغربي. إضافة إلى الخلفية الاجتماعية والنمط الغذائي، وتفشي ثقافة الشعبذة وأساليب التداوي التقليدية التي مازالت حاضرة في الواقع الشعبي للمغاربة. كما أن الفاعل الصحي يجد نفسه أمام تحد كبير في هذا المجال في ظل ضعف الموارد البشرية وعدم ملائمة التكوينات وغياب القدرات التواصلية الفعالة التي من الممكن أن تحسن وأن تقرب الثقافة الصحية إلى ذهن المواطن.

إن الرفع من منسوب الثقافة الصحية يحتاج تضافر جميع الجهود واتحاد عزائم ذوي النفوس من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من منظومة صحية تتهاوى يومًا بعد آخر، ولا يستطيع أن ينفي أي شخص وجود مبادرات في هذا الجانب، من قبيل البرامج الإعلامية المتعددة ومبادرات وزارة الصحة، لعل آخرها منصة «صحتي» على موقعها الإلكتروني. غير أن ما يعاب عليها هو الأسلوب المتبع من حيث نمطيته وابتعاده عن الشرح المبسط ولغة بعيدة عما يستطيع إدراكه أي مواطن بسيط. ما يعقد مرور الفكرة بشكل سلس إلى المتلقي.

على الفاعل الصحي أن يعمل على ملائمة المعارف الصحية، المتشابكة والمعقدة أحيانًا، مع خصوصيات المواطن المغربي عبر برامج صحية شاملة ترتكز على العقلية الابتكارية عبر استعمال وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الحديثة مع استعمال وسائل ديداكتيكية ولغوية تبسط الأمور وتوصل المختصر المفيد حول أمراض الصحة العمومية المنتشرة بكثافة مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري والسرطان وغيرها. وقد أصبح من اللازم والضرورة خلق مادة تعليمية خاصة بالثقافة الصحية تواكب جميع المستويات التعليمية يتكلف بتدريسها الأطر الصحية المؤهلة لذلك. وربط المدارس بالمستشفيات من خلال زيارات سنوية تثقيفية وإشراك المتمدرس في الفعل الصحي من خلال أيام دراسية وتوعوية، لكسر الصورة النمطية عن الخوف من المرض، والصورة السلبية عن المستشفيات رغم كل الإكراهات التي تعيشها.

بطبيعة الحال الثقافة الصحية تعد جزء من منظومة صحية معقدة تتشابك فيها الكثير من المتداخلات، ولعلها جزء مهم رغم أن البعض قد يصنفه ثانويًا، إلا أن أهميتها تكمن في كونها حاضرة في فعلنا اليومي، وتحدد بشكل كبير مسار صحتنا المستقبلي، وأن كل استراتيجية للنهوض بالقطاع وجب عليها التركيز على هذا الجانب.