يرى شارلس كولي Charles Cooley صاحب نظرية الإنسان في المرآة (أن الإنسان يرى نفسه في عيون أفراد المجتمع الآخرين).. كما تتطلب اللوحة قليلًا من الغموض، وبعض الخيال، فعندما تجعل من المعنى الخاص بك دائمًا سهلًا تمامًا ينتهي بك الأمر إلى الشعور بالملل.

وعلى ضوء ما سبق، نشير إلى سوسيولوجيا التحديث والتغير، كترجمة التغير في موازين القوى إلى نظام إقليمي جديد تتجلى نماذجه من خلال السياسة التعليمية استراتيجيات تطوير التعليم على ضوء العلاقة بين الكتاتيب والمساجد والمدارس والمؤسسات التربوية والاجتماعية الأخرى، لحقبة/فترة زمنية، محددة وأثرها في الظواهر الاجتماعية والطبيعية ومسألة التعددية وتأثيرها في التوازنات السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات العربية والإسلامية بغرض إبراز جدارته في ما يمكن أن نطلق عليه صراع النماذج الدائر في الشرق الأوسط.

فلم تعد المنافسات الإقليمية تجرى فقط على صعيد الشعار السياسي – الأيديولوجي أو التقدم الاقتصادي – التكنولوجي، وإنما امتدت إلى ساحة نزال جديدة هي ساحة النماذج المجتمعية التي يقدمها كل لاعب إقليمي في المنطقة على ضوء المعطيات التالية: التصورات الثقافية المقيدة للهوية الإقليمية في ماو راء الدولة القومية، والعلاقة التكافلية بين الدولة كوعاء سياسي للسلطة، وبين الأمة كمصدر للهوية الثقافية، والتحولات الثقافية المفاجئة التي تُميز العولمة في مرحلتنا الحالية عن الحداثة، وبذلك تبحث عن حدود إنتاج المعرفي في وضع استعماري وما بعد كولونيالى، وأنماط مختلفة من تحديد الهوية الثقافية من خلال عملية أنثروبولوجية توضح كيف تتحرك أنماط الخطاب في الثالوث الديني، الثقافي، الاجتماعي حول الحقائق الملحة المعقدة الخاصة بالجنس والطبقة والنوع. إذ يُمكن أن تكشف عن أنماط جديدة من الحوكمة والخبرة والمعرفة الاجتماعية التي حددت حقبة مميزة من السياسة القومية في فترة ما بين الحربين وما بعد الحرب العالمية الثانية.

فكيف يمكن لنا بناءً على ذلك أن نوجد مساحة للبحث في ماهية علمانية الدولة في ظل محيطها الدولي والإقليمي من أجل إيضاح الدور الاستعماري (الإرث الكلاسيكي) في عمليات التحول، التبدل في مساقات المناهج والقيم والمعايير في إطار الارتباطات الزائفة بين (الشكل) و(الجوهر)، نتيجة الالتباس بين الفعل والقيمة (المعيار)؛ مما عطَّل آلية النقد والمراجعة، ويتضمن ذلك فهم التحولات البراجماتية التي تحدث خطابين مهمين هما الخطاب الديني والخطاب السياسي في محاولة الهيمنة على الضمير الجمعي، وهو إشكال معرفي أكثر من كونه إشكالًا إنثروبولوجيًا، وهما متداخلان بشكل عميق.

فقد تحدث المفكر العالمي إدوارد سعيد عن مسألة السلطة، واستعان في إيضاح ذلك بنظرية ميشيل فوكو عن السلطة/المعرفة، والتي أكد أنها تقدم تصورًا في صياغة جديدة، وبناء جديد نتاج معرفة استعمارية، حتى يُفهم في ضوئها حتمية الاختلاف. والذي قد يعبر عن مزاج رومانسي معلنًا ابتداء مرحلة جديدة أو استمرارية منظومة اجتماعية – اقتصادية تعمل على إيضاح مفهوم التنمية الشاملة من حيث كونه مفهومًا ذا مضمون، ومحت ترجمة الإمكانات المادية والبشرية إلى أرقام وبرامج ومشروعات، وإنشاء شبكة جديدة من التفاعلات بين الأطراف الغنية والأطراف الفقيرة واستيعاب ماهية إعادة توزيع الثروة لتبيان العلاقة الجديدة بين القومية والقُطرية، وتحديد الحلقات الوسطية للانتقال بينهم على ضوء مراجعة السياسات التعليمية في عدد من الدول.

ودراسة جدوى استمرار البرادغم الطائفي، الإعلامي، الاقتصادي في تبيان التفاوت الاجتماعي والاقتصادي بين الدول، الأفراد، المجتمعات؛ ودراسة الجدوى تلك تتضمن مقاربة لدراسة جدوى اقتصادية لبعض النماذج الإرشادية (المشاريع، البرامج)، والتي ساهمت في إنتاج اللاجئين، وأرجعته إلى البنى الطائفيّة التي تحكم الصّراع العربيّ. بيد أنّ ثمّة قصورًا كبيرًا يعتري هذه المقاربات التي تنطلقُ من فكرة الطائفيّة كمعطى جاهز، ومنفصل عن الأشخاص الذين يشتبكون على الأرض، من أجل مكوّن غير مرئيّ، يُسمى الطائفة. فعلى هذا الأساس، يُمكن الإجابة على التساؤل الآتي:

كيف يمكن للأسواق التي ينبغي أن تدار بشكل أخلاقي، أن تزيد من معدلات التنمية الاقتصادية، وتقلل الفجوة بين الأغنياء والفقراء؟!

ولذلك فقد أشار جان بول سارتر بالقول لقد جاءَ فوكو للنّاس بما كانوا في حاجةٍ إليه (…) أي بناء أيديولوجيّة جديدة، هي آخر حاجز يمكن أن تحتمي به البرجوازيّة ضدّ ماركس. فهل لقد حان الوقت لإعادة استعمار الشرق الأوسط. على حد تعبير المفكر الأمريكي روبرت كابلان؛ باعتبار أنّ الاستعمار قسَّمَ العالم حسب اللون، ورأى فانون أنّ المثقفين ذوي البشرة السمراء تقنّعوا بالأبيض لتبنّيهم ثقافة الاستعمار. وبالتالي، إنّ الاستعمار يتبدّل دائمًا وتتبدّل معه منتجاته ومثقّفوه ومروّجوه في الخارج والداخل.

من هنا تتضح محددات المرحلة الراهنة في العالم العربي والإسلامي لتبيان أهمية الدور الذي تلعبه النخبة في أي مجتمع ولاسيما النخبة السياسية (Political Elites)، ويعود السبب في ذلك على حقيقة أن الممارسة السياسية في أي مجتمع تقوم بها أقلية صغيرة تشكل أشخاص محترفين للعمل السياسي، ومعرفة طبيعة هذه الأقلية من حيث الآلية التي تحكم بها والثقافة التي تتبناها تجعلنا نتعرف على طبيعة النظام السياسي في الدولة.

وبالتالي، طبيعة النظام الاقتصادي المتبع فيها.

وهكذا نجد أن الدول الإسلامية والعربية على الرغم من تتعدد الثقافات فيها والديانات والبنى الاجتماعية واللغوية غير أن بعض الدول منها حافظت على مسافة مع ماضيها القريب، بهدف خلق مجتمعات سياسية متجانسة، وشعور بالولاء للأمة يقوم على قاعدة الهوية المشتركة والثقافة والأساطير والميراث المشترك.

وكانت معظم الإصلاحات تتصل بالعلاقة بين الدين والدولة، ذلك أن الإصلاحات التحديثية غيرت الطابع الإسلامي لبنية الدولة.

بالإضافة إلى النظام القانوني والمؤسسات التعليمية والثقافة السياسية ومنظومتها الإدارية في بعض البلدان، طالما ظلت تحافظ على قوتها العسكرية والاقتصادية، كمحاولة لتقوية الدولة المركزية ضد التهديدات الداخلية والخارجية.

ومع ذلك فقد تطورت العلاقة بين الدولة والدين وبين القانون.ومن ناحية أخرى أدت إلى تحليل المسارات الأيديولوجية والدينية والقانونية في أية دولة علمانية تقطنها أغلبية مسلمة.

ففي تونس، يواصل مجلس النواب نقاشه حول إعداد لائحة تنظم عمل الكتاتيب والمدارس القرآنية، وفي سياق متصل، أعلن البنك الدولي عن تقديم ما يقارب نصف مليار دولار من الدعم على أساس المنح لمساعدة بنغلادش في تلبية احتياجات اللاجئين الروهينجا في مجالات مثل الصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي وإدارة مخاطر الكوارث والحماية الاجتماعية.

وفي هذا الاتجاه،أشار البعض بالقول إن الحرية أهم من الخبز، وهذا ما لا يفهمه دراويش عبد الناصر، عن اشتراطات البنك الدولي والمنظمات الدولية المانحة ما بين القومية العربية والقومية العرقية عن طريق عمق استراتيجي يستند إلى تحليلات تاريخية وجغرافية.

وفي ظل تلك السياقات، نجد أنها قد تعبر عن تحول البندول السياسي والثقافي بشكل كبير في الشرق الأوسط.
أما في السياق الغربي، يمكن للمرء أن يتفهّم قيام شاب مصريّ «مثقّف» بمساءلة مفهوم الإمبريالية، وبالتشكيك في كون روسيا وقوّتها على الساحة الدولية تختلف نوعيًّا عن نمط الهيمنة الأمريكي، نقاشات غريبة حين تكون أمريكا هي القوّة الّتي صنعت تاريخ الشاب.

فلنا الحقّ دائمًا في كراهية إنجلترا. فبالإضافة إلى أسباب نيتشه الخاصّة به لكراهيتها، وعدم إنتاجها شيئًا جديًا في الفلسفة، فهي أعتى دول الاستعمار. لا نحذفُ شيئًا عن السياسة. قِسمة مُستعمِر ومستعمَر لن تنتهي. نحن استُعمرنا، ولا نزال. وهذا منظورنا في رؤية كلّ ما يدور حولنا. أمّا أعداء العروبة، والذين يظنون أن العرب والعربيّة سينقرضوا، فهم الأعداء مهما صدّرهم الربيع العربيّ كثوار ونقّاد.

وفي هذا الاتجاه، الذي قد ينتج عنه تبادل إلقاء اللوم الملامة كل على الآخر فيما يتعلق بدور كلًّ منهما بتوثيق العلاقة بين (المدرسة) و(الأسرة)، وما نتج عنها من اتجاهات العلاقة بين (التربية) و(المجتمع)؛ حيث نجد أن أصحاب القبعات البيضاء المخابرات البريطانية تعمل في المرحلة الراهنة على إذابة الجليد break the ice بين (أمريكا) و(روسيا) في إطار فلسفة الوجد والكبرياء؛ فلسفة التاريخ والديالكتيك التي تنتج عنها ظواهر مبنية على الصراع والتناقض والتغير والصيرورة!

ومن هذا المنطلق فقد اهتم علم اجتماع التنمية بتشكيل نماذج إرشادية وتعميمات مقارنه تدمج خبرة المجموعات الديناميكية من المجتمعات بصفة خاصة بالنظام العالمي.. أم أن هذا العلم مازال يفتقد إلى تجارب يمكن من خلالها الاستدلال على مظاهر تطوره، ومدى ملائمته لاستيعاب الأفكار المناسبة لتلبية احتياجات المجتمع وفقًا لمتطلبات الضرورة المجتمعية بحسب المراحل المتعددة لعملية التطور الاجتماعي والثقافي في مجالات متقاربة حول قيم التنمية الاجتماعية ومدى تأثيراتها ما بين الاختيار الفردي أو المجتمعي وعلاقتها بالسوق الحرة، وآليات سوق الإنتاج بحسب قاعدة 80/20 أم أن القاعدة السائدة في العالم العربي مازالت إما أنا، أو أنت، التي يمكنها دراسة دور التدخل الحكومي والشعبي في مواجهة تحديات تلك الآليات إذا ما كانت نماذجها تتطلب دراسة جدوى حول إمكانية تعزيز دورها أو إيجاد سبل كفيلة بإتباع المعايير اللازمة والاشتراطات المحددة من قبل الجهات المخولة بذلك، بناءً على سوسيولوجيا التحديث في مجتمعات متنوعة في ثنائية تتأرجح ما بين آدم سميث، وأمارتيا سن، إذا ما تم مراعاة دور السلوك الإنساني والتنظيمي ضمن موجهات تلك الثنائية في ضوء برامج نوعية كخدمات فيسبوك وتويتر وواتس آب أو أي رهان تكنولوجي جديد.

فهل نحتاج إلى نظام ثقافي أو ثقافة نظام؟

هل يُمكن في هذا السياق أن نشير إلى رواية سقوط الإمام للكاتبة د. نوال السعداوي.

للتأمل

صفوا المشانق للخيول العابرة، ودعوا البنادق فالطيور مُهاجرة، أحلامُنا تحت النعال مهانةٌ، فالحقّ بغيٌ والحقيقةُ داعرة. *الشاعرة تقى المرسي