ما مصير قطاع الإسكان بلبنان بعد الأزمة الخطيرة التي تدرجت منذ أواخر 2017؟

أولًا تجمدت القروض السكنية التي يدعمها مصرف لبنان حيث كان يقوم بتمويل جزء من الفائدة وإعفاء المصارف الممولة من جزء من متطلبات الاحتياطي الإلزامي على الودائع، وذلك بغرض تمكين المواطن من تحمل أعباء القسط السكني الشهري.

بعد ذلك بدأت الأوضاع تسير نحو الأسوأ شهرًا بعد آخر حتى توقفت قروض مصرف لبنان نهائيًا. ومؤخرًا أعلنت المؤسسة العامة للإسكان عن توقفها عن إمداد المصارف بالقروض، وهي المؤسسة التي عنيت بإقراض الفئات الأقل دخلًا لتأمين مسكن لائق، وذلك على مدى عشرات السنين.
‏ومع اتساع رقعة أزمة الإسكان وتحولها سريعًا إلى هم وطني ضاغط على رؤوس الشباب والمواطنين بدأت تتكشف جوانب مذهلة لهذه الأزمة:
‏كشف وجه إعلامي بارز عن أن هناك أثرياء أخذوا قروضًا إسكانية مدعومة، قيمة كل قرض منها بملايين الدولارات الأمريكية علمًا بأن هذه القروض صممت أساسًا لدعم ذوي الدخل المحدود.

بعض المصارف حجزت الأموال لديها لتلبي فقط حاجة المطورين المرتبطين بهذه المصارف، أما كزبائن مدينين أو حاملي الحصص. بعض المصارف حجزت الأموال واستعملتها بقروض دفترية وهمية، واستخدمت الأموال لشتى أنواع المضاربات المربحة والتي قد يكون جزء منها قد تحول إلى سوق القطع.

‏شباب خططوا لزواجهم بناء على قرض الإسكان، ويتجمد مستقبلهم الآن. مواطنون دفعوا الدفعة الأولى للمطور بانتظار قرض الإسكان، وعسى أن لا يطول انتظارهم. مطورون ينتظرون قروض الإسكان للوفاء بالتزاماتهم مع المشترين. مشكلة الإسكان ليست فقط مالية، بل أهم وجه فيها هو الوجه الاجتماعي!

كان الشباب اللبناني يتنفس اجتماعيًا من خلال ثلاث قنوات:
فرص العمل للشباب وحديثي التخرج، وهي اليوم متوفرة في حدود ضيقة جدًا بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة.
تصدير العمالة إلى بلدان الخليج العربي، وهي تقلصت سنة بعد أخرى لأسباب متنوعة، منها انخفاض سعر النفط.
وثالثًا القروض السكنية التي شكلت متنفسًا لأجيال بكاملها على مدى عشرات السنين، وهي اليوم على ما هي عليه.

قنوات التنفس الثلاث في أزمة إذًا!

فما هذه المعادلة التي نطرحها على جيل الشباب اليوم؟

تعقلوا ولا تكابروا! لبنان يتجه إلى انفجار اجتماعي واسع إذا لم يتم وضع سياسة إسكانية شاملة وبدء تفعيلها فورًا؛ لأن السكن جزء مكون من كرامة الشعب، وجزء من أحلام الشباب بتكوين أسر، وجزء من الانتماء الوطني. والزواج والإنجاب هو جزء أساسي من القيمة الاجتماعية للفرد.

‏لا كرامة ولا قيمة اجتماعية ولا فرص عمل؟
‏هكذا تدحرجت دول عربية كثيرة نحو الخراب: انعدام الأفق، البطالة، الإحساس بالمهانة الاجتماعية.
‏الطريق نحو المستقبل يبدأ بالتدقيق والمحاسبة الفورية: تسييل كافة القروض التي استحوذ عليها الأثرياء زورًا، تغريم كافة المصارف التي تورطت في تزكية مجموعات مصالح خاصة لتوزيع انتقائي للقروض ومحاسبة وتغريم واستعادة الأموال من كل مصرف استخدم القروض الإسكانية لغير غرضها.
‏إن إعادة هذه اأموال والغرامات كفيلة بإعادة إطلاق تسهيلات الإسكان ريثما تستكمل الاستراتيجية الوطنية للإسكان.

هذا المدخل هو الطريقة الوحيدة المتوفرة لعدم الانزلاق إلى انفجار اجتماعي واسع؛ لأنه يبعث رسالة قوية للمواطنين أن الدولة لا تستهين بطموحهم ومستقبلهم وحقوقهم.  أوقفو الاستهانة بالناس وتوقفو عن الافتراض أن الشعب اللبناني أبله (وعذرًا على التعبير).

إن النظام الطائفي في لبنان قد عاش كل هذه السنين واستعصى على الفهم، رغم عنف الأزمات التي ضربته؛ لأنه قائم على المقايضة مع الشعب: لنا السلطة ومنافعها ولكم الفتات.

 حتى الفتات أصبحت في مهب الريح، فاحذروا!