لا أدري ما الخطيئة الكبرى التي ارتكبها المصريون، ويعاقبون عليها إلى الآن بسيل من المسئولين الفشلة، الذين يتولون المناصب القيادية والمهمة في الدولة! المسألة فاقت التصورات، أو كونها صدفة عابرة إلى ما غير ذلك، أصبح الفشل هو القاعدة، وأي نجاح هو استثناء عن تلك القاعدة، مسألة تحتاج إلى دراسة نقدية من المتخصصين.

قبل أيام انتظر المصريون والعالم الكشف الأثري العظيم «تابوت الإسكندرية»، وتحدثت الصحافة العالمية عن الحدث، وانتظر الجميع اللحظة الفارقة التي سيفتح فيها التابوت للكشف عن محتوياته، صدق أو لا تصدق، لم يحضر علماء آثار من الخارج، ولم يسمح للصحافة بتصوير هذا الكشف التاريخي، بل استعان المسئولون الأجلاء بفراشة الحاج عويضة! لإحاطة التابوت من كل جانب، وكأن التابوت سيصاب بنزلة برد لو تعرض لهواء الإسكندرية الصيفي!

حالة من الفشل المركز، لا تعرف هل أولئك المسئولون فطروا على الفشل؟ أم أنهم اكتسبوه بمرور السنوات؟ أم ماذا؟ هل هذا طبيعي؟ لا أظن.

ناهيك يا سيدي عن الإجراءات العجيبة التي صاحبت الكشف عن محتويات التابوت، والتي لن تراها إلا عندنا، انظر إلى تصريحات المسئولين الوطنيين الأعزاء، هناك من يتحدث عن هيبة ورجولة الجماجم المكتشفة! طبعًا فالجماجم لعسكريين أشداء، كل شيء في مصر جميل وذو معنى، ما دام يخص الصفة العسكرية أو يتمسح بها.

الحالة الميؤوس منها في قطاع الآثار لا تقل شأنًا عن حالة قطاع الصحة، وتحديدًا القائمين على الصحة، وهنا أخص بالذكر الوزيرة المبجلة التي فور ساعات من حلفها اليمين الدستورية هرولت لتقديم فروض الطاعة، وإرسال إشارة إلى القيادة السياسية بـ«أنني الشخص المعبر عن فكركم الثمين».

قررت وزيرة الصحة عزف السلام الوطني في المستشفيات صباح كل يوم، وكأن هذا هو الحل السحري لشفاء المرضى! في نظر الوزيرة كل قضايا نقص الأجهزة الطبية، وتدني مستوى الخدمات بالمستشفيات، وتكدس المرضى على الأرض وفي ممرات المستشفى، ونقص العلاج ليس مهمًا، بل هي مشكلات فرعية، أما المشكلة الرئيسية فهي انعدام الحس الوطني! مأساة كبرى والله.

المدهش أن نائبًا برلمانيًّا برتبة لواء، ظهر في لقاء مع الإعلامي وائل الإبراشي يهلل ويثمن من القرار التاريخي هذا، وهاجم الفنان عادل إمام الذي سخر من القرار حينها.

هل الأمر ينتهي عند هذا الحد!؟ بالطبع لا، فالرئيس لا بد له وأن يشارك في تورتة الخزعبلات شبه اليومية، فتجده يخرج على الملأ وبكل ثقة ليعلن أن أجهزة الدولة رصدت 21 ألف شائعة في ثلاثة أشهر، وبحسبة رياضية بسيطة فإن 21 ألف شائعة على ثلاثة أشهر، إذن فكل شهر 7 آلاف شائعة، وفي اليوم الواحد 233 شائعة، وفي الساعة حوالي تسع شائعات! أرقام «سهلبيسة سهلبيسة»؛ لأن لا أحد يراجع أو يدقق أو يقول للمتكلم ماذا تقول! ولو افترضنا أن هناك شائعات فعلًا فليس بهذا القدر، ولو افترضنا أنها بهذا القدر فهذا ليس نتاج مؤامرة كونية داخلية وخارجية لهدم الدولة، بل هي نتاج للقبضة الأمنية، وهوس عدم تداول المعلومات وتجييش وسائل الإعلام وتحويلها إلى إدارات للعلاقات العامة والشئون المعنوية.

وقبل الختام لا يسعني إلا أن أوجه رسالة تقدير لرئيس البرلمان علي عبد العال أفندي، هذا الرجل الذي لم يأت قبله ولن يأتي بعده، هو مجرد شيء تعجز الكلمات عن وصفه، لا تعرف حقيقة هل هو رئيس برلمان، أم ناظر مدرسة، أم شيخ في كُتّاب يمسك بالعصا لتلاميذه! قرأت قبل إغلاق دور الانعقاد الثالث لمجلس المآتة أن عبد العال قرر من تلقاء نفسه، أو ربما تنفيذًا لأوامر جهات سيادية، أن بعض النواب المعارضين لن يكون لهم مكان في دور الانعقاد المقبل، هذه حقيقة وليست شائعة، يحدث في مصر، بؤس.