ذكر طه عبد الرحمن عدة نقاط تتعلق بمشكلات الحداثة الغربية التي نشأت فيها، وكذلك طرح كيفية تلافي تلك المشكلات التي أسماها «آفات الحداثة الغربية»، ومنها:

1- الآفة النسبية

يعد الحداثة اختزلت مفهومًا مهمًا جدًّا، وهو الاستقلالية في التخلص من قيود الدين، والوصايا التي يمارسها رجال الكنيسة على المجتمع، وصار هذا تخلصًا من الدين المسيحي نفسه، بل كان الإنسان محتاجًا إلى استقلال من كل القيود التي تحد من تفكيره، سواء أكانت قيودًا دينية أم مجتمعية، أم خارجية، مما يقوده إلى أن يبدع، ولكن الحداثة الغربية اختزلت تلك الاستقلالية في مفهوم ضيق جدًّا، وهو التخلص من الدين فقط، وتركت قيودًا أخرى، مما أعاق حركة الحداثة في الغرب وأدخلها في إشكاليات، وهكذا بدوره سيظل الإنسان فقيرًا جدًّا إلى المطلق، ويظل مقيدًا بالنسبي فقط.

يقترح طه مفهومًا جديدًا إلى معضله الآفة النسبية ويلخصها في الآتي:

طرح قيمه إسلامية سماها «الإخلاص»، هي التي توجه القيمة إلى المطلق، المؤمن كلما ازداد إخلاصًا لله في أعماله، بذلك بمعنى لا ينسب أشكالها وأقدارها إلى نفسه، استغنى بالله وتحرر مما سواه، فالإخلاص لله هو وحده الذي يورث الحرية الحقة، وهذا يوكد أن الحداثة الغربية لها إشكالية ظنت أن إبعاد الدين يفضي إلى الحرية، في حين أن الإخلاص فيها هو الذي يفضي إلى الحرية، ظنت الحداثة أنها تحرر الإنسان فأصبح أسير النسبي من دون التحقق إلى المطلق.

2- آفة الانفصالية

يرى طه أن الحداثة الغربية اختزلت مفهوم «الإبداع» في الانفصال عن قيمه التراث، ففصلت التراث في حين أن التراث لا يجب أن نفصله، وبه يمكن الارتقاء بالإنسان، وقد يوجد انفصال ولا يوجد ارتقاء معه، أو قد يوجد ارتقاء دون انفصال معه، يرى أن الحداثة ارتكبت خطأ مهمًا، وهو فصلها للتراث وظنها أنها تنتج، مما أوقعها في إشكاليات عديدة، ويرى أن الحداثة هي مواصلة نهضة الأمم بتراثهم والتحديات التي تواجهه.

يقترح طه مفهومًا جديدًا لحل إشكالية الآفة الانفصالية ويلخصها في الآتي:

مصطلح «الكمال»، وهو أن المؤمن كلما ازداد طلبًا للكمال في صنعه ازداد إبداعًا، ويذكر أن القدرة الإبداعية يجب أن تبقى موصولة بتراثه، وهنا الحالة الإبداعية في التكامل، الحداثة الغربية فصلت التراث فظنت أن الإنسان سوف يبدع، ولكن وقعت في فصلها عن الإبداع في حالة «آفة الانفصالية».

3- آفة التجزئة

يرى طه أن الحداثة الغربية اختزلت مفهوم «الفصل»، واتسمت بمبدأ الفصل أو قل التجزئة ما بين الدنيوي والأخروي، وعملت على فصل الأشياء، وتقلب الوظائف المختلفة على البنية الواحدة، وكذلك تقوم البنية المختلفة بالوظيفة الواحدة، كل الأشياء عملت على تجزئتها وفصلها بعضها عن بعض؛ مما أعاق حركة الحداثة والتقوقع.

يطرح طه مفهومًا جديدًا لحل معضلة آفة التجزئة، ويلخصها في الآتي:

يطرح مفهوم القيمة الإسلامية «التكامل»، هي القيمة التي تنظم لنا آفة التجزيئية، وهي قيمه تعمل على التكامل ما بين العالم المرئي وغير المرئي، وفي مجالات الإسلام تكمل بعضها بعضًا، وأن الدين يصل جوانب الإنسان الدنيا والآخرة، والذي يعمل على التكامل في جميع جوانب الحياة، هذا التكامل كفيل أن يزيل لنا الاستغراق في التفاصيل البنيوية في الحداثة الغربية «آفة التجزيئية».

4- آفة الأداتية

يرى طه أن الحداثة الغربية اختزلت مفهوم «الاستدلال» في ممارسة العقل أداتيًّا، فأصبحت منشغلة بالوسائل والتقنيات، وتحديد نجاحها ومردودها، وأصبحت لا تعي بالغالية السامية، وهي إنسانية الإنسان، مادية كانت أم معنوية؛ لأن الوسائل تقف على أعتاب المقاصد، حيث ظهر أن عقلانية الوسائل تحتاج إلى عقلانية المقاصد.

ويطرح حلًّا لتلك المعضلة، وهي الآفة الأداتية، ويلخصها في الآتي:

القيمة الإسلامية «الإيمان»، العقلانية الإيمانية، كفيلة أن تقي الحداثة آفة الاستغراق في الفكر الآلي الضيق، أو قل العقل الآلي، وترتقي به إلى أفق فكر عقلاني أوسع؛ لأن الإيمان محلة القلب، وهو محل لكل المعاني الباطنية، ومن هذه المعاني الخفية القلب نفسه، وهو كفيل بمعالجة «آفة الأداتية».

5- آفة المادية

الحداثة الغربية اختزلت مفهوم «التأثير في مجالات الحياة» اتسمت بالتأثير المادي فقط في مجالات الحياة، جعلت جميع مجالات الحياة مادية، سواء أكانت مادية أم معنويها، جميعها صبغتها بالتأثير المادي فقط، مما أدى إلى الإخلال بتوازنها وفساد مكوناتها كذلك.

وهو يطرح مفهومًا لحل تلك المعضلة، ويلخصها في الآتي:

القيمة الإسلامية «الروحانية»، قيمة الروحانية هي البؤرة التي تنطلق منها باقي قيم الإنسان نحو رحاب أوسع، حيث الروحانية قوى يرتقي منها الإنسان إلى مستوى الكمال، إذا خالطت الماديات تنطلق منها قوى إلى غايات أخرى لتحقيقها في الحياة، وتصبح الماديات وسائل لغايات أخرى «آفة المادية».

6- آفة الفردانية

الحداثة الغربية اختزلت مفهوم «التأثير في المجتمعات»، قصرت مفهوم التأثير في المجتمعات، إذ طابقت مفهوم «الفرد» ومفهوم «الإنسان»، وساوت بين مفهوم «المجتمع العالمي» الذي يعمل الجميع في بنائيته، ومفهوم «الفرد» الذي يعمل كل فرد في تحقيق فردانيته الخاصة، على هذا الأساس يكون مفهوم شمول الحداثة الغربية هو تعميم الصبغة الفردية على مجموع البشرية.

يطرح طه حلًّا لتلك المعضلة ويلخصها في الآتي:

القيمة الإسلامية «الرحمة» دفعت مفهوم الفردية إلى قيمة الرحمة، وهي المظهر الذي تتجلي فيه عناية الفرد بالآخر بقدر اهتمامه بنفسه؛ لأن إنسانيته لا تتم إلا بوجود الغير في وجدانه، وأن يوصل المنافع إليه كما يوصلها إلى نفسه «آفة الفردية».

يتبع.