في الجزء الأول تحدثنا عن نشأة ابن الرومي، واليوم نواصل الحديث حول سيرة هذا الشاعر، ويطيب لي التعريج على بعض مظاهر تعاسة ابن الرومي. نظر ابن الرومي في كتب المنجمين؛ فتركت في نفسه بصماتها بقوة، وكان شديد الحساسية والطيرة والتشاؤم، وامتدت مسحة التشاؤم إلى من كتبوا عنه أو تناولوا سيرته. أصابت الكثيرين لعنة ابن الرومي؛ فمن أشهر هؤلاء؟ وهل هذه اللعنة قوية المفعول إلى هذا الحد؟

الانطباع السائد عن ابن الرومي له مبررات، وليس معنى ذلك أنني أؤمن بالطيرة والتشاؤم. التشاؤم خلقٌ ذميم، والمؤمن لا يتطير ولا يتشاءم، والأستاذ العقاد لم يؤمن بلعنة ابن الرومي، ولم يعترف بالتشاؤم في حياته لدرجة أن رقم منزله 13، وكان يضع على مكتبه الصغير بومة، وهي رمز للتشاؤم كما هو معلوم، وفوق هذه وتلك كتب عن ابن الرومي كتابًا من أروع ما كتب.

 بعد أن كتب عن ابن الرومي سُجن العقاد، وإن كان سجنه جاء على خلفية الاتهام بالعيب في الذات الملكية، لكنه كان في قرارة نفسه يبتسم وهو يسمع من حوله يتهامسون به: «أصابته لعنة ابن الرومي». الواقع أن ابن الرومي بريء من ذلك براءة الذئب من دم ابن يعقوب، ويبدو أن النحس يلازم ابن الرومي رغم أنفه. العقاد لم يدخل السجن بإيعاز من ابن الرومي، لكنه دخل السجن سنة 1930 لأنه قال في البرلمان: «إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس يخون الدستور أو يعتدي عليه»، وكان يقصد بذلك الملك فؤاد. أقول لك ذلك كي لا يختلط عليك الأمر، وحتى لا نبالغ في انتقاص ابن الرومي قدره ومكانته التي يستأهلها.

 كثُر الحديث عن لعنة ابن الرومي وشؤمه وبؤسه ونحسه، وكان إبراهيم عبد القادر المازني قد كتب فصولًا عن ابن الرومي، وبعدها بأسبوع واحد كُسِرت ساقه، وفي الأسبوع الذي تلاه ماتت زوجته. أما كامل كيلاني فقد أصيب بالروماتيزوم وتوفي ولده. وفي سنة 1945، كان وزير المعارف عبد الرازق السنهوري، أصدر قرارًا بتشكيل لجنة لتحقيق ديوان ابن الرومي، لكن النحس رمى الوزارة بعدها بساعات، وفي اليوم التالي استقالت الوزارة عن بكرة أبيها! لا تعجب؛ فالعجائب لم تنقضِ بعد، وأعيد تشكيل اللجنة على يد الأستاذ علي أيوب؛ فاستقالت الوزارة في اليوم نفسه، وعرضت إجراءات الشروع في طبع الديوان على الأستاذ مرسي بدر؛ فوافق عليها وبعدها قدمت الوزارة استقالتها.

وكان حضور ابن الرومي قويًّا في جامعة الإسكندرية وله قصة أخرى؛ فقد شكلت لجنة بالجامعة بالترتيب مع وزارة المعارف لتحقيق ديوان ابن الرومي، وعقدت اللجنة اجتماعًا واحدًا، ثم حلت بهم الرزايا من كل حدب وصوب. أجريت جراحة لنجل الدكتور محمد حسن الزيات وقد ابتلع دبوسًا! وتوفي صهر الدكتور محمد حسين في حادث سيارة، وتلقى الأستاذ محمد خلف الله نعي صهره من إنجلترا، ومرض الأستاذ عبد السلام هارون ثلاثة أشهر، وأصيبت قرينة الدكتور طه الحاجري بمرضٍ شديد. هذه لعنة ابن الرومي في جامعة الإسكندرية، نزلت بساحتهم ولم يقصدوا إلا الإحسان إليه فأساء إليهم بما سمعت، وهذه اللجنة ليست الأولى التي يرميها ابن الرومي بلعنته المريرة.

وحاول الأديب توفيق البكري تحقيق الديوان فاعتل ومات، وكلف وزير المعارف كلًّا من الشيخ محمد شريف وجورجي زيدان بطبع الديوان فمات الثلاثة. ونظر صديقي لي نظرة المصارع الأسطورة الحانوتي، وقد أيقن أنه أجهز علي وأحبط أي محاولة لي للاتصال بابن الرومي مرة أخرى، لكنه لم ينتهِ بعد من عدائه لابن الرومي.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، إنما اتسعت الدائرة وبلغ السيل الزبى؛ فكتب الأستاذ أنيس منصور أن أديبًا شابًا كتب دراسة عن ابن الرومي وأهداها للأستاذ العقاد؛ فدهسه الأتوبيس وهو يعبر الشارع! الغريب العجيب المريب والكلام لصديقي أن هذا الشاب أخبر والديه وأساتذته بأنه سوف يغيِّر نظرة العالم لابن الرومي، وأنه سيجري تجربة فريدة ليتأكد إن كان ما أشيع عن ابن الرومي صحيحًا أم أنه تحامُّلٌ على ابن الرومي الوديع!

هذا الأديب فسخ خطوبته وترك حبيبته، وزهد في حبه لها دون مقدمات، ولما سئل قال: لا أعرف السبب حتى الآن! هو لم يعرف السبب، لكن أمة لا إله إلا الله عرفت السبب؛ فاللعنة المزعومة لابن الرومي قد طالته! أما عبد الحميد محمد جيده فله مع ابن الرومي واقعة أخرى، كان جيده يتأهب لتقديم رسالة الماجستير وهي في الهجاء عند ابن الرومي، فسأله بعض الشيوخ يومًا: ماذا تكتب الآن يا بني؟ فقال: عن ابن الرومي؛ فدُهِشَ الرجل ووضع يده على رأس جيده، وقرأ بعض آيات الذكر الحكيم وقال: حماك الله من كلِّ أذى.

على النقيض فإن العلامة الدكتور حسين نصار حقق ديوان ابن الرومي في ستة مجلدات، ولم تلحق به اللعنة المزعومة، وحدث ذلك مع غيره، لكن السبب الذي دفع بعض أهل الأدب لإلصاق اللعنة بابن الرومي حاضرة، وتعزى إلى أن ابن الرومي كان رجلًا مصابًا بالوسوسة نتيجة إفراطه في التعلُّق بأقوال المنجمين.

لسان ابن الرومي السليط دفع صاحب الأغاني لإسقاط اسمه عمدًا من كتابه الأغاني، كما لم يذكره ابن المعتز ولا المبرّد، ولا غيرهم من كبار رجالات الأدب في عصره الذين نعرفهم اليوم، وثمة علاقة بين تشاؤم ابن الرومي ولسانه، وعدم ذكره في مصنفات أعلام عصره؛ فإفراطه في العبوس والتشاؤم جعله ساخطًا وناقمًا على كل من حوله، وقد زاد من درجة اكتئابه وحنقه على الدنيا بما فيها موت أهله في حياته؛ فمات ابنه الأوسط ثم بقية أبنائه، ولحقتهم زوجته، ومن بعدها أمه وأخوه، وقد نازعه جاره على بيته واغتصبه منه؛ فقال في ذلك شعرًا رائقًا وطلب نجدة أبي الصقر ابن بلبل:

ولي وطنٌ آليتُ ألا أبيعهُ .. وألا أرى غيري له الدهر ساكنا
عهدِتُ به شرخَ الشبابِ ونِعْمَةً .. كنِعمَةِ قومٍ أصبحوا في ظلالِكا
قد ألفته النفسُ حتى كأنه .. لها جسدٌ إن بانَ غُودِرْتُ هالِكا
وحبَّبَ أوطانَ الرجالِ إليهِمُ .. مآرِبُ قضاها الشبابُ هنالِكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم .. عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
وقد ضامني فيه لئيمٌ وعزَّني .. وها أنا منه مُعْصِمٌ بحبالِكا

لم يساعده ابن بلبل في محنته؛ فتضاعف شعوره بالوحدة وزادات كراهيته للحياة، وأطلق لسانه يسب الشعراء ويهجوهم، حتى أنه هجا البحتري لا لشيءٍ إلا لأنه وصل إلى بلاط الخلفاء، وفي قصيدته الشهيرة أفحش في هجاء البحتري، وأسند ارتفاع شأن البحتري إلى الحظ فقال:

الحظُّ أعمى ولولا ذاك لم نَرَهُ .. للبحتريِّ بلا عقلٍ ولا حسبِ
وَغْدٌ يَعافُ مديحَ الناسِ كلّهمِ .. ويطلبُ الشَّتْمَ منهم جاهدَ الطلبِ
داءٌ من اللْؤم يستشفي الهجاءَ لهُ .. كَذَلِكَ الحَكُّ يَستَشفيه ذو الجَرَبِ

ولم يبادله البحتري الهجاء، بل تفهم ما يدور في نفسه من مشاعر؛ فأرسل إليه بهدية واكتفى بالصمت. في هذا الوقت كان البحتري نديمًا للخلفاء والوجهاء، بينما كان ابن الرومي يدور على بعض صغار المسؤولين يسألهم العطايا والهدايا. أما صاحب الأغاني فلم يذكر ابن الرومي في كتابه لأسبابٍ لا علاقة لها بلعنة ابن الرومي؛ فقد كان ابن الرومي يمتدح الدولة الأموية ويقذع السب للعباسيين، وأبو الفرج الأصفهاني رجلٌ فطن يعيش في ظل الدولة العباسية، وهو إن لم يمتدح العباسيين فلا أقل من أن يحفظ لسانه عن هجائهم، والتاريخ يُكتب بلغة المنتصر؛ فكان عليه أن يشتري نفسه بإماتة الحديث عن ابن الرومي.

أما ابن المعتز فأمره مغاير؛ فالرجل خليفة -حتى وإن جلس على كرسي الخلافة ليومٍ وليلة ثم قُتِل بعدها- وابن خليفة، وقد هجا ابن الرومي أباه، وكذلك هجا الدولة العباسية؛ فلم يكن منطقيًّا أن يضمه ابن المعتز في سلك الشعراء الذين جمعهم في كتابه. في حين أن المبرِّد قد ناله من ابن الرومي قسطًا ليس بالكبير من الهجاء؛ فغض المبرّد طرفه وقلمه عن الخوض في سيرة ابن الرومي.

أكثر ما يخيف في هجاء ابن الرومي أنه امتلك براعة فائقة في التصوير الفني (الكاريكاتير)؛ فكان يرسم الصورة الشعرية التي تفوح بروائح السخرية اللاذعة من كل جانب، ويجعل صاحب الصورة موضع التهكم والاستخفاف، وقد نبغ في الهجاء وبرز؛ فانظر إليه يهجو ابن حرب:

لك أنفٌ يا ابن حربٍ .. تأنفُ منه الأنوفُ
أنتَ في البيتِ تُصلي .. وهو في السوق يطوفُ

أو في هجائه لآخر ويدعى عيسى:

يقتِّرُ عيسى على نفسِهِ .. وليس بباقٍ ولا خالدِ
فلو يستطيع لتقتيرهِ .. تنفسَ من منخرٍ واحد

والهجاء عند ابن الرومي مدرسة خاصة، وسنقف في الجزء الثالث مع تفاصيل ذلك، وكيف تأثرت حياة ابن الرومي العامة والخاصة بتفوقه في الهجاء، ومن أبرز من تصادم بهم من الشعراء وأصحاب الكراسي، وما مخرجات هذه التصادمات.