إذا لم يتفق المثقفون، وتجتمع أهدافهم وجهودهم على المشتركات التي تصب في خدمة الوعي العام في سورية، والمساهمة في تبرئته مما أصابه في سنوات الحرب والتضليل، فإن العلل ستترسخ أكثر، ولن يكون هناك مجتمع يقرأ أو يبني.

“مجتمع يقرأ مجتمع يبني”. هذه ليست حكمة اليوم التي كنا نروّس بها واجباتنا المدرسية، عندما كنا صغارًا نتلقى العلم “بالتلقين”، بل هي عنوان معرض دمشق للكتاب في دورته الثلاثين، والذي تم افتتاحه في 31/7/2018، وتشارك فيه أكثر من مئتي دار نشر، كما صرح رئيس اتحاد الناشرين، هيثم حافظ، ومدير مكتبة الأسد الوطنية، صالح الصالح، في حلقة تلفزيونية عن المعرض، وراهن رئيس اتحاد الناشرين على أن زوار المعرض سيبلغون المائة ألف زائر يوميًا.
تدفع هذه الفعالية المتابع إلى خضم الأسئلة التي ما فتئت تتراكم في البال، منذ انطلاقة الحراك الشعبي وتطوراته ومآلاته الكارثية التي خلفت بلدًا مدمرًا وشعبًا منقسمًا وأرضًا مقسّمة وراياتٍ ما زالت ترفرف فوق بعض أقسامها التي لا يمكن لأي مراقب التكهن بما يمكن أن تصبح حالها في المستقبل. فهل انتصرت سورية؟
البلدان التي تنتصر ينصرها شعبها، وليست أنظمتها، فالأنظمة التي ينتفض الشعب ضدها لا يمكن أن تصنع انتصارات، إذا ما تكلمنا بمنطق الثورات. ولكن في سورية، انتهى الحراك إلى حرب، بدلاً من أن يكون ثورةً حقيقيةً تحقق طموحات الشعب وأحلامه، بالانقلاب على واقعه وصناعة حياة جديدة في دولة حديثة، قادرة على العيش والنمو، كما تجارب التاريخ التي استطاعت فيها بعض الشعوب النهوض من تحت ركامها، وأن تصنع مستقبلها، وتنجز دولتها الحضارية.
لا أحد يستطيع أن ينكر دور القراءة في صنع وعي جمعي، وفي اكتساب المعرفة وإنتاج الثقافة التي هي رافعة المجتمعات، لكن هذا العنوان وهذا المعرض الذي يقام في ظروف كالتي تمرّ 
“من يستطيع أن يقرأ؟ من يستطيع أن يحتسب ثمن الكتاب من ثمن رغيفه ورغيف أطفاله؟”

بها سورية، يدفع إلى أسئلة كثيرة مشروعة، أولها سؤال النخبة الثقافية السورية، أو الأنتلجنسيا السورية التي كانت في حالة هشاشة بنيوية قبل الحراك، وأصبح الوضع بعده أعقد بكثير.
لا يمكن استثناء هذه النخبة من تأثير الزلزال السوري، وهزّاته الارتدادية، فالمثقفون هم من أبناء هذه الأرض، طاولهم ما طاول كل شرائح ساكنيها، ودفعتهم الحرب إلى الغرق في مستنقعات القلق اليومي والاستهلاك في التفاصيل الصغيرة، لحياة معلقة في الفراغ بدون أرض مستقرّة، ولا مستقبل منظور. انشطر السوريون ونخبهم ليس إلى فريقين، بل انشطروا بطريقة فوضوية، كما هو واقع المجتمع السوري. انشطروا بصدوع عديدة، ليس فقط في موقفهم من الحراك بين مؤيد ومناهض، أو بين موالٍ للنظام ومعارض له، انقسموا بين الخارج والداخل، بين المنفى القسري والداخل القسري، دخلت النخب، في غالبيتها، في الصراع بين الولاءات والانتماءات، بين الانصياع لحالةٍ عاطفيةٍ يستغلها ما تراكم في اللاوعي من انتماءات وولاءات ضيقة، فيعزّز الشعور العارم بالقبيلة أو الطائفة أو الحزب أو الإيديولوجيا أو العقيدة، مغيّبة الوعي، وفاسحة الطريق أمام النوازع لتصنع الخطاب والمواقف.
يبدو معرض للكتب تحت شعار “مجتمع يقرأ، مجتمع يبني” أمرًا ليس في مكانه ولا زمنه، خصوصا في ظل هذا الواقع المرير المخزي، سورية “المنتصرة” مقسمة في الواقع، ومتهالكة، وشعبها فاقد للأمان، ويرزح تحت ضغط الفقر والجوع، وتحت ضغط الضغينة التي تراكمت في الصدور، مجتمع بحاجةٍ، قبل كل شيء، إلى وقف المدافع والقتل والتدمير والتهجير، بحاجة إلى الخبز، إلى المأوى، إلى الماء، إلى الكهرباء، إلى التعليم، إلى الرعاية الصحية، إلى أقل تكاليف الحياة، حتى يستطيع ذهنه أن يصفو، ويتأمل واقعه، ويُسائل نفسه إن كان قادرًا على التّطهر من كل أنواع الضغينة والثأرية التي راكمتها سنو القهر، حتى يستطيع أن يقرأ ويعرف معنى أن يكون هناك منتجٌ ثقافيٌّ يساهم أبناؤه فيه، من يستطيع أن يقرأ؟ من يستطيع أن يحتسب ثمن الكتاب من ثمن رغيفه ورغيف أطفاله؟ كيف لوعيٍ تشكّل، خلال عقود الاستبداد، على ثقافة الاستبداد وخطابات الوطنية والقومية وعبادة الزعيم ورجل الدين، وانتهى مثقفوه الذين كتبوا بقليل من الحرية، فانتقدوا الجور بكل أشكاله، إلى المعتقلات أو المنافي أو الموت، كيف له أن يعرف قيمة القراءة في زمنٍ ليس للحياة فيها قيمة؟
مجتمع يبني؟ أين هي خامات الشباب بناة المستقبل؟ وأين هي الأيدي الماهرة والمواهب الخلاقة؟ تلك التي هامت في بقاع الأرض، حتى لا تحمل السلاح؟ وتلك التي رمتها الحرب في سراديب التيه، وأولئك الذين خسروا مدارسهم وجامعاتهم، وخسروا ثماني سنين من العمر، عمر الإنسان الذي يكاد لا يكفي لتحقيق الطموحات؟ ولمن سيتوجه معرض “إعادة الإعمار” الذي يصادف بعد معرض الكتاب في أوائل أكتوبر/ تشرين الأول في مدينة المعارض في دمشق؟ إعادة الإعمار في زمن الدمار الذي ما زال يهدّد الأرض والإنسان؟
والسؤال الأكثر إلحاحًا: ما هي معايير الكتب المعروضة؟ أو بطريقةٍ أكثر دقة: ما هي معايير القبول؟ هل سيتنحّى الرقيب، ويفسح المجال للإبداع الحر، كي يتربع على الرفوف، أم إن 

“المثقفون هم من أبناء هذه الأرض، طاولهم ما طاول كل شرائح ساكنيها، ودفعتهم الحرب إلى الغرق في مستنقعات القلق اليومي”

المسموح به هو الكتب التي تعزّز خطاب القومية والإيديولوجيا والتصدّي للمؤامرة ودحر الإرهاب، مع الخطاب الديني، وتعزيز الهوية الإسلامية كهوية سورية، كما جرى مع الكتب المدرسية؟ هل هو معرض للسوريين حقًا؟ ومن هم السوريون؟ هل هم فقط الذين اصطفوا وردّدوا شعارات الوطنية ومحاربة الإرهاب والتصدي للمؤامرة الكونية على سورية. وبالتالي، المبدعون الذين ستفتح قاعات المعرض ورفوف أجنحته لمنتجهم الثقافي هم أولئك المبدعون الذين رموا من خالفهم الرأي بتهمة الخيانة والارتزاق والعمالة، كما فعل بعض النخب في المقلب الآخر؟ هل سيُحاكم المنتج الإبداعي من خلال رأي صاحبه وموقفه وتقييمه ما جرى ويجري في سورية، فينسف إنتاجه، وكل ما راكم من أفكار وبحوث وكتب وأعمال إبداعية خلال سنوات عمره، كما جرى مع أدونيس وصادق جلال العظم؟
إذا لم يتفق المثقفون، وتجتمع أهدافهم وجهودهم على المشتركات التي تصبّ في خدمة الوعي العام، والمساهمة في تبرئته مما أصابه في سنوات الحرب والتضليل، وأدى إلى دق أسافين الفرقة والعصبوية، وترسيخ القيم الشوفينية التي تمكّنت، على مرّ العقود والقرون، من هذا الوعي بتحالفٍ من سلاطين القمع والتخلف والجهل والتبعية وكمّ الأفواه ومحاصرة العقول، من أنظمة سياسية ودينية وثقافية، فإن العلل ستترسخ أكثر، ولن يكون هناك مجتمع يقرأ أو يبني.