منذ 11 دقيقة، 26 يناير,2016

لا أعرفُ كيف أنمِّق بدايتي في هذا المقالِ، فكل البدايات حزينة، وكل النهايات تكاد تكون مُعْدمة، فعندما يفْرِضُ عليك القدرُ عبئًا ثقيلًا كالذي فُرِضَ علينا، لتُمثلَ فلسطينَ بأحرفها العربية الستة وحركاتها الإعرابية والسياسية المختلفة، فليس من دكانةٍ إلا ودفعت ضريبتها التي تحترمُ الوطنَ وتليق بسيادته، فكل شَيْءٍ تحت سمائك يا وطني بات منكوب الأمل، أحداثٌ ثِقَال ولوغوهات مليئة بالملل، أشهرٌ عِجافٌ بعطائها المنطقي، وأيامٌ أخرٌ تمضي ليقلَ عدد الأحياء وتزداد الأرضُ فخرًا فتتسع بصدرها الرحب الذي اعْتادَ بشَغَفٍ على الأمواتِ الأحياء من النبيين والشهداء، تتهيأ لمُتَّكِئٍ جديدٍ متهمٍ بعنفوان حبه العاطفي وكاريزماه الوطنية، متفاخرًا بلباسه الأبيض الموشح بعضه بِشَيْءٍ أحمر اللون يمكثُ على ظهرهِ ويضع يمينه على شماله كمنتظرٍ في حقل لوزٍ يراقب شروق الشمس لتتفتح أزهاره فيكتمل المشوار.

لكل أمةٍ لونٌ من التجارة إلانا لونان، فالعباءةُ السوداء وقطعةُ قماشٍ بيضاء هدية على الأولى بعد أن أجبرتهما الظروفُ على التحالفِ، أصبحا أكثر طقمًا يُبتاعُ للفقراء وسط البلد وعلى دوار المدينة وأحيانًا قبل نقطة التفتيش، إقبالٌ رهيبٌ على أشرطةِ القرآن وكراتين التمر، تزامنًا مع كل صباحٍ بنكهته الخاصة من البن التي تختلف من الشمال إلى الجنوب حسب مكان شهيده، لم يبق في وطني أعلامٌ تزفُ بها الجثثَ فلربما نحتاج لاستقطاب ذلك العلم الذي رفع قبل حين في مقر الأمم المتحدة علينا!!

لوهلةٍ، وعندما تحاول كأي إنسانٍ يتعامل مع الحداثةِ ومُتَقبِّل للعولمةِ فتشعل تلفازك “أبو بطن” لا تنسَ قبل ذلك أن تذهب إلى صيدليةٍ تتاجر بأدويةٍ محلية الصنع فتزدادَ بعلبةٍ من الأسبرين بالخلِ والملح، وشريطٍ من دواءِ الضغط بدون سكر، فهذه تسالي المتابع العربي عامةً والفلسطيني خاصةً عندما يفكر بقضاء ليلته الشتويةَ الباردة على ذاك التلفاز السمين، المليء بمآسي الذات اللهابة للجروح ومُتَعِ الغير!! لا تَخفْ ستحتاجها، فشريط الأخبار العاجل بلونه الإلكتروني الأحمر يجلب السكتة وأحيانًا جلطةً خفيفة تأديبية، فما زلت أذكر أبي إلياس الذي قضى رمقه الأخير وهو يسامرُ آهاته على قناةِ الجزيرة في حرب غزة الأخيرة.

لا أعرفُ لماذا قاضي المحكمةِ الزرقاء الخماسية دائمًا يتفننُ بأحكامه الإعداميةِ رغم براءة المشهد غالبًا، لا أعرف كيف يُصفقُ الجمهورُ لمقتضياتٍ إعداميةٍ مثل هذه، ففي إحدى سيناريوهاتنا اليومية المدبلجة يَنقِلُ الواقع رسالةً على لسانِ أحد المتهمين من تحت الثَرى بأن الأَزَمةَ كلها اشْمَأزَتْ تلك المحكمةَ، وتَحَالُفِ الألوان القبيح بسواده وبياضه باتَ مكروهًا لأنه يحارب اقتصاد العائلات الفقيرة بأبنائها، يزيد المُتهمُ برفضه أن يكونوا أعدادًا ضمن قوائم تُقدم لمعاشات الشؤون الاجتماعية، فالأعداد تتطور باستمرارٍ وتُنسى بسرعةٍ تسابقُ سرعة الضوء، ونتيجة لذلك كله لا جديد تحت الشمسِ، دموعٌ كثيرة ذُرفت من أمهات ثكالى، وما من إنجازات تُذكر إلا ضمن إطار المفقود، والمكسب الوحيد هو رحلة العودة من زمهريرِ ثلاجة القاضي إلى دفء ثَرَى الوطن.

حتى أوْقفَتْ الجمل المتبقية بهدير القاضي رُفِعَتِ الجلسةُ إلى إعدامٍ آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست