في مقال سابق -يحمل العنوان نفسه- تطرقت إلى الحديث عن الضرر المجتمعي الذي تولد وتكاثر نتيجة سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. وأبغي في هذا المقال أن آتي على بقية هذه الأضرار، والتي خبرتها وبلوتها بصفتي مستخدمًا لهذه الوسائل من جانب، وكوني مهتمًا بالشأن العام بحسب عملي داعية إسلامي، وذلك من جانب آخر. إنه وبالنظر الطويل والتتبع الحثيث وجدت أن من الأضرار المهلكة لسوء التعامل مع وسائل التواصل -إضافة إلى ما ذكرته في مقالي السابق- ما يلي:

1- إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا

قد يستغرب القارئ من كون إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا تعد واحدة من النتائج الكارثية لسوء استخدام التكنولوجيا، ظنًّا منه أن هذه الجريمة يتولى كبرها فقط أناس معروفون لدى الجماهير في كل بلاد الدنيا من مروجي الفن الرخيص، وكاتبي الكلمات الهابطة المليئة بالإيحاءات، وعارضي الرذائل ومقوضي الفضائل ممن يسمونهم -تضليلًا وزورًا- فنانين وفنانات. الكل متفق على أن هؤلاء ومن على شاكلتهم من أشباه البشر هم أئمة الضلال ودعاة الفتنة، لكن هذا لا يعني أن الدائرة لا تضم غيرهم.

فأنت أخي المستخدم تسهم بنصيب كبير في الترويج لعفنهم بمشاركة الفيديوهات الخاصة بهم، والتي تحتوي على مشاهد وكلمات خادشة للحياء العام، أو مناقضة لما يجب أن يكون عليه المجتمع من العفة والطهر. أنت حين تشارك هكذا محتوى قد لا يخطر في بالك أنك تشاركهم إثم إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، وقد يكون من بين المتأثرين سلبيًّا من هذا أمك أو أختك أو ابنتك، وقد يكون أبوك أو ابنك أو أخوك.

هذا من جانب، وعلى الجانب الآخر تجد من بين المستخدمين من يشارك الفيديوهات المتضمنة فضائح أخلاقية لشخصيات يختلف معها سياسيًّا أو فكريًّا، يظن أنه بذلك سيحوز نصرًا، أو يحقق تقدمًا في طريقه لتمكين حلمه السياسي أو الفكري، في حين أنه –وللأسف- يسهم إسهامًا سلبيًّا رخيصًا في زعزعة قدر الفضيلة في النفوس، وتهوين شأن الرذيلة في القلوب، فينتج من هذا إلف الناس لهذا اللون الباهت من التردي والتسفل على المستويين النفسي والخلقي، ولا يزالون في ترديهم وسقوطهم حتى يُؤتى على سقف المجتمع من قواعده. رحم الله الملهم عمر بن الخطاب قائل تلك العبارة التي تكتب بماء العيون، والتي أسوقها في محاولة لتصحيح مسار هؤلاء –وبينهم أناس صادقون- وتُقوِم الخلل الذي أصاب عقولهم في لحظة ضعف بشري أو ضغط نفسي، فيقول رضي الله عنه: «لا تظن أنك ستكسب المعركة بخسارة أخلاقك». الله الله ما أروعك وما أعقلك يا فاروق الأمة!

وشأن العوام في هذا كشأن سابقيهم أو أشد تيهًا؛ إذ تجد فيهم ولعًا بكل ما هو فضيحة، فتجدهم يسارعون في نشرها وهم لها سابقون، وقد رأيت بعضهم يفعل هذا في المسجد والمرافق الملحقة بالمساجد، حيث يتحلقون لتبادل الجديد في عالم الفضيحة من مقالات وفيديوهات ومساخر يفتخر أحدهم على أقرانه أنه كان له قصب السبق في حيازتها، ويتبع تصدقه بها على أقرانه بالمن والأذى، ما هذا السقوط؟ وأي مستوى من الانزلاق وصلنا إليه؟ والعجيب أن تجد هؤلاء وقد سمعوا أو قرؤوا مرارًا وتكرارًا الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تأمر بالستر على المذنب عله يتوب، ومقصدها الأسمى هو المحافظة على عفاف المجتمع ونظافته. لكل هؤلاء أقول: احذروا من أن يشملكم الوعيد الوارد في الآية القرانية التي يقول فيها المولى سبحانه وتعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» (النور-19).

2- فقدان التوازن النفسي والعاطفي بل والعقلي أيضًا

التوازن في النفس والعواطف والعقل يتأتى للإنسان من خلال ما يمر به في مراحل عمره من معطيات حياتية تُحقق له هذا التوازن، ولضمان استمرارية هذا التوازن وقوته لا بد من استمرارية روافد المعطيات الحياتية وقوتها التي كونت وبلورت هذا التوازن قبلًا.

وعلى الرغم من أن وسائل التواصل تزود مستخدميها ببحر متدفق لا ساحل له من المعطيات الروحية والجسدية والعقلية والنفسية، إلا أنها وبذات القدر تتسبب في إفقاد المستخدم توازنه النفسي والعاطفي والعقلي والروحي أيضًا، وذلك لغياب العاملين الأساسيين المساهمين في بلورة المعطيات والمدخلات إلى ما يحقق التوازن، ويؤسس لبناء الشخصية الإنسانية على نحو متزن ومتوازن. هذان العاملان هما: الاستمرارية والقوة.

وبيان ذلك في أن المعروضات الموجودة على وسائل التواصل تشحن المستخدم بخليط فوضوي من العواطف المتناقضة في كثير من الأحيان، وذلك فترة وجيزة هي قدر التصفح، وقوى التأثير الموجودة في واحدة من هذه المعروضات تضعف بما في تاليتها من قوة تأثير مخالفة لها في الاتجاه، وهكذا دواليك. فمثلًا عند تصفح فيسبوك تتطالعك أنباء الحروب والمآسي التي تواجهها شعوب ودول مما ينفطر لها القلب، ثم فجأة يطالعك فيديو كوميدي يجعلك تسقط على الأرض من شدة الضحك، وبعدها حديث ديني تفرُق لسماعه فرقًا، ثم فيديو خليع يحرك فيك الساكن، وكل هذا في لحظات محدودة ومعدودة.

قد لا أبالغ إذا قلت لو أن أحدًا رصد تعابير وجهه وهو يطالع فيسبوك، ثم أعاد مشاهدتها لحكم على نفسه بالجنون لا محالة. أكتفي بهذا مع الوعد باستكمال الموضوع في مقال قادم عاجلًا غير آجل إن شاء الله.