إسلام الدباس، الشهيد الجميل الذي تملأ اليوم صوره صفحات التواصل الاجتماعي، والذي يسمى “رجل الورود” أو “رجل الوردة”، قتله النظام السوري تحت التعذيب، لأنه كان صاحب فكرة حمل الورود في مظاهرات داريا الأولى.

وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان وجود أكثر من 118 ألف معتقل سوري بالأسماء، 88% منهم موجودون في معتقلات النظام السوري، لكن التقديرات تفيد بأن العدد يفوق 215 ألف معتقل، كما وثّقت وجود آلاف من المختفين قسريا، ولم يعترف بهم النظام. كما وثقت أيضا مقتل أكثر من 13 ألف شخص تحت التعذيب في سورية، 99% منهم أيضًا على يد النظام.
وبحسب الشبكة، يوجد من مدينة داريا وحدها أكثر من ألفي معتقل موثقين بالاسم في أفرع المخابرات السورية، على ما وثقت مجموعة “معتقلي داريا” التي تضم ناشطين متخصصين بمتابعة قضايا المعتقلين. إذ بين عامي 2011 و2012، اعتلقت أجهزة الأمن عددًا كبيرًا جدا من قيادات الصف الأول في الحراك السلمي الشعبي المدني في داريا، وقتل كثيرون منهم تحت التعذيب، ولم يزل مصير الباقين غير معروف.
واليوم، وفي محاولات فاشلة من نظام متوحش وقاتل لدفن جرائمه، بقتل معتلقي الرأي والمعتقلين السلميين، خلال توثيق وتوزيع شهادات وفاة عبر دوائر النفوس لطمس قضية المعتقلين، ولجعلها تموت بالتقادم ولحماية نفسه وقياداته وأجهزة أمنه من المحمكة العالمية التي بدأت تقام ضده، يأتي خبر استشهاد الناشط السلمي الجميل، إسلام الدباس، صديق غياث مطر الذي جاؤوا لأمه بقلبه، بعد اعتقاله وقتله تحت التعذيب.
إسلام الدباس، الشهيد الجميل الذي تملأ اليوم صوره صفحات التواصل الاجتماعي، والذي يسمى “رجل الورود” أو “رجل الوردة”، قتله النظام السوري تحت التعذيب، لأنه كان صاحب فكرة حمل الورود في مظاهرات داريا الأولى، ولأنه حمل الورود، وقدمها للجيش الذي كان يحاصر المظاهرة، وناداهم: “يا إخوتي، نحنا إخوة وهذه البلاد والأحلام لنا كلنا”، فاعتقله إخوته هؤلاء، ثم عذّبه إخوة آخرون، هو ووروده، حتى الموت.
“إسلام الدباس كان صاحب فكرة حمل الورود في مظاهرات داريا الأولى”

نعم الوردة التي هي منذ الأزل كشف مخفي للحب والسلام والدهشة والجمال والحياة، نعم في سورية، تقتل الورود حامليها، لأنهم حلموا بوطنٍ تعيش فيه الإنسانية بكرامة، ويعيش العدل والديمقراطية، ولأنهم أرادوا دولة مواطنة، بكل ما فيها من ورود.
حامل الورود، إسلام الدباس، هو نجل المربي المدرس المعروف في داريا، خيري الدباس، من مواليد داريا الصامدة عام 1989. وفي عام 2011، كان طالبًا في كلية الهندسة المعمارية السنة الخامسة. ومنذ بدء ثورة الكرامة، أصبح إسلام وغياث مطر ونبيل شربتجي أعضاء مجموعة قادت النشاط السلمي في داريا، أصرّت على إبقاء الحراك سليما بالمطلق ونظيفا وحضاريا، وأصرت على تنظيف الشوارع، وعلى تنظيم المظاهرات وشعاراتها، لكن إسلام اعتقل في 22 يوليو/ تموز 2011، في جمعة “الوحدة الوطنية”، وهو يحاول أن يقدّم الورود للجنود، بعد أن كان والده أيضا قد اعتقل في بداية يوليو/ تموز، بسبب نشاط إسلام، والذي لا يزال معتقلا في سجن عدرا.
بقي إسلام معتقلًا في سجن صيدنايا، ثم تعرّض بعدها لمحاكمة. وفي سبتمبر/ أيلول 2012، حيث اجتمع الشهيد الجميل، إسلام الدباس، مع والده المعتقل الأستاذ خيري الدباس، ليكون آخر يوم يرى فيه الأب المربي ابنه البكر الذي كان يقول، حسب ما نقله شهود: “لن يقتلونا، يا أبي، سنخرج، وسنحمل الورود من جديد”. وطلب من والده أن يسامحه، قبل يديه وذهب.
يأتي خبر استشهاد إسلام الدباس تحت التعذيب مؤكدا من أحد موظفي النفوس في دمشق، ضمن محاولات النظام الفاشلة لتبييض سجونه السوداء. وطبعا من دون حتى أن يسلموه شهادة الوفاة، بحجة أنه ليس من أقاربه من الدرجة الأولى، فالموت تحت التعذيب يجب أن تسلم شهادته لقلب الأم والأب، لكي يموتا ألف مرة تحت التعذيب.
داريا، أيتها المدينة الأسطورة التي صمدت ضمن أطول حصار، يا صاحبة الأيادي المحترفة التي صنعت لنا خشب أسرتنا ودفأه، وخزائن كنا نعلق فيها ملابسنا وأحلامنا، داريا المدينة التي تفوح منها رائحة مناشر الخشب ما أن تدخلها، فتتحول روحك إلى شجرة.
داريا مدينة العنب والكرم والطيبة، مدينة الثورة النظيفة الجميلة، المدينة التي هوت شرفاتها على رؤوس ناسها، وعلى قلوبنا. داريا مدينة الشهداء الجميلين التي لم تعد موجودة على الخريطة.
داريا، تودّعين اليوم إسلام الدباس كما ودعت غياث مطر ونبيل شربتجي، وكما ودّعت أبناءك الراحلين عنك، وأنت توجعينا كقلع عيوننا، تودّعينا اليوم بكل شهدائك، بكل شواهد قبورهم، بكل النحيب المفجوع المخذول.. لا تذهبي داريا تعالي كل ليلةٍ إلى حلمنا بكل ورود إسلام وغياث، تعالي لا تنامي، ولا تسامحينا.