ذلك الواقع الذي نختلقه ونعيش فيه بشخصيات أخرى مختلفة كل الاختلاف عن أشكالنا الطبيعية، نرتدي الأقنعة، نزين أنفسنا، ونغير أشكالنا وننشئ بيئة مختلفة عن بيئتنا التي نعيش فيها، بمجرد أن تجلس خلف شاشة هاتفك الذكي تكون داخل ذلك العالم المريب الذي يمتلئ بكل الأشكال، لا أحد يقيد حريتك، فالتعبير يكون بكل حرية وتفتح. من غير المألوف بعد اليوم أن يعيش الإنسان حالة التناقض ما بين تواصله الإلكتروني والواقعي، من غير المألوف أن يكره ويُسيء إلكترونيًّا ثم يعود بعد يومين إلى السلام على صديقه بحرارة!

تُذكرني هذه الازدواجية بين السلوكيْن، بما طرحه عالم الاجتماع «زيغمونت باومان» عن حروب ما بعد الحداثة، والتي باتت تتلخص بالقتل عن بعد، تمامًا كالطائرة التي يقودها جندي يضغط زرًا ليقتل من خلاله عشرات المدنيين الذين لا يراهم. يقول «باومن»: إن التكنولوجيا التي تفصل الجاني عن ضحيته، تولد حاجزًا نفسيًا يجرّئ الجاني على تجاوز الأخلاق والعرف والقانون، وارتكاب أفعال هو ذاته يراها مشينة وغير أخلاقية، ومع اختلاف درجة القياس وتوافق الطريقة، نجد أن الصديق الذي يبادلك الابتسامة والتحيات كل صباح، أصبح لا يجد حرجًا بتوجيه كلمات الإساءة والتجريح عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والصديق الذي يبدي إعجابه دائمًا، صار ينتهز الفرصة عبر الرسائل الخاصة أو لبرنامج «آسك» ليخفي هويته ويمارس إفراغًا غريبًا لشحنات الكراهية أو الغيرة أو الحقد بصورة متكررة تكاد تصل إلى درجة التنمّر، وهدفها الإيذاء بغرض الإيذاء.

مفرق الطرق

الشعور الزائف بالأمان خلف الشاشة يُغري الفرد بتجاوز كل الخطوط التي لا يتجاوزها في العادة، وهو ما يؤدي إلى نتائج لا تُحمد عُقباها في العادة أيضًا، على وجه الخصوص، هُناك نوعان من التجاوزات هما الأكثر شيوعًا: الكشف عن معلومات شخصية، والتحدث بدون تفكير.

أولا: الكشف عن المعلومات الشخصية

عندما أتحدث عن النوع الأول (الكشف عن المعلومات الشخصية) يجب أن ننوه على مدى خطورة ذلك، فمن خلف الشاشة يشارك الأفراد مواقعهم وأماكن تواجدهم لا يتعلق بذلك فقط وإنما أيضًا بما يحبونه ويكرهونه وعلاقاتهم الشخصية وعاداتهم اليومية، كأن ذلك مرض ينتشر ويصيبهم.

حب مشاركة كل التفاصيل اليومية التي من الممكن أن تعرض حياتهم للخطر وتجعل كل العالم يطلع على خصوصياتهم ويكون على علم بها ولا يقتصر ذلك فقط على البلاد المحيطة ولكن يمتد ليشمل كل من يجلس خلف الشاشة، وهنا تكمن الخطورة وإنما يتعدى ذلك ليشمل الأفكار والخطط المستقبلية والحالة المزاجية والعاطفية والصحية، وفي كُل الأوقات!

ما الذي يدفع المرء ليفعل ذلك؟ ما العائد من فعل ذلك؟ ألا يدرك مدى خطورة الأمر؟

ثانيا: التحدث دون تفكير

والثاني لا يقل خطورة عن الأول، فعندما يتحدث المرء فى حياته الطبيعية يفكر جيدًا قبل أن يتحدث بكلمة، فهو لا يُلقي بالكلمات بدون تفكير. هو ينتبه جيدًا لما يقول، وخاصة عندما ينوي التحدث بشيء قد يسبب له أو لغيره ضرر. لسبب ما تتوقف تلك الوظيفة العقلانية -أو«صمام الأمان» إن شئت- عن العمل خلف الشاشات. عندما يُعطى الفرد لوحة مفاتيح وهو في حالة من «النشوة الانفعالية»، وفي عالم يُختزل فيه الأشخاص إلى أسماء عائمة، يُصبح من السهل على شيطان اللامبالاة أن يتلبس الفرد، ومن ثم دفعه لقول كُل شيء كان ليتجنب قوله إن كان بعقله. كلمة واحدة في هذه الحالة كفيلة بإحداث ضرر بالغ. ضرر قد لا يقتصر فقط على خلق عداوات جديدة أو تدمير علاقات شخصية، وإنما قد يصل لقلب حياة الفرد رأسًا، حرفيًا.

ما حدث مع «مات هريجان» مُنذ فترة هو مثال جيد. الرجل مؤسس ومدير تنفيذي لشركة أمن معلوماتي في الولايات المُتحدة. في الليلة التي فاز فيها ترامب، كتب الرجل 4 تعليقات غاضبة حمقاء على فيسبوك. كتب أنه سيقتل ترمب، وتحدى أن يرى ما ستفعله إدارة المُخابرات الأمريكية. انتشرت التعليقات كالنار في الهشيم بين مُستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي بفعل «فاعل خير» -وما أكثرهم في مثل هذه الحالات- وهو ما دفع الرجل لمسح التعليقات والاعتذار، والتأكيد على أنها قطعًا لا تعكس آراء الشركة، وأنه قطعًا لا ينوي فعل ذلك، وأن الأمر مُجرد «مُزحة سخيفة»، ولكن بعد فوات الأوان.

في خلال ساعات أعلنت الشركة -التي أسسها الرجل ويُديرها- أنها قامت بالتبليغ عنه وأنها على استعداد كامل للتعاون في التحقيقات، وأكدت مرة أُخرى أن آراءه لا تعكس آراء الشركة ولا الموظفين. هذا الأمر لم يشفع للشركة عند المُعلقين الغاضبين، والتي انهالت عليها التعليقات السلبية وانخفض تقييمها، وفي خلال يومين، دُفع الرجل للاستقالة من منصبه. بهذه البساطة والحماقة فقد الرجل كُل شيء تقريبًا.

دعني أخبرك سرًا ليس بسر: هُنا، في الفضاء الإلكتروني، الأمور ليست كما تبدو، في حين أن الأمر يبدو وكأن التحدث بأي شيء هنا أسهل وأقل خطورة من التحدث بشكل مُباشر أمام الناس، الحقيقة هي العكس. العكس تمامًا. إذا كنت بحاجة للتفكير مرتين قبل التحدث بأمر مُعين لمجموعة من الأشخاص أمامك، فأنت بحاجة للتفكير 10 مرات قبل قوله هُنا.

دعنا نخلع الأقنعة

لماذا نختلق الشخصيات ونعبر عن أنفسنا بشخصيات أخرى؟ لماذا نخرج النقص فينا خلف الشاشات؟ لماذا لا نقوم بعلاج النقص وإصلاحه؟

دعنا نتصرف بطبيعتنا خلف الشاشات ولا نكون بوجهين ونسعى لنكون أفضل ونكون أصحاب أثر فى النفوس، فلقد أرسلنا الله كي نبعث الأمل في القلوب ونرسم البهجة على الوجوه ولا نتسبب في نشر الفتنة والفساد.