يجب الاستثمار في الشعب، فعدم الاستثمار سيستولد مزيداً من المشكلات الفردية والجماعية. لا يمكن التقدم في لبنان من دون فسخ العقد المُبرم بين اللبناني والفوضى، والمعمول به منذ زمن الحرب اللبنانية (1975 ـ 1990)

قرّر لبنان، أخيراً، البدء بالخطوات القانونية لتشريع زراعة الحشيشة لأغراضٍ طبية. مشروع أوصت به شركة الاستشارات العالمية، ماكنزي أند كومباني، بغية النهوض بالاقتصاد اللبناني المتردّي، والذي يلامس شفير الهاوية، على الرغم من كل محاولات التطمين من السلطة السياسية والمالية. تشريع الحشيشة، إن حصل، سيفتح الأبواب أمام سلسلة طويلة من الأسئلة المشروعة. هل يمكن السيطرة على القطاع، وتصدير الحشيشة إلى الدول المصنّعة للأدوية؟ أم أنه لن تتمّ السيطرة على الأمر، فتجد الحشيشة أسواقاً إضافية لها في لبنان، لكونها تُستخدم لأغراض شخصية، وعلى نطاق واسع، بطريقة غير قانونية؟
المشكلة أنه لم يتمّ عموماً الاهتمام بالزراعات اللبنانية في عهد ما بعد الاستقلال، باستثناء زراعة التبغ إلى حد ما، لتركيز الاقتصاد اللبناني على قطاعي الخدمات والسياحة. وهو ما يؤدي سنوياً إلى رمي صناديق من المزروعات في الشوارع، خصوصاً البطاطا والتفاح، بسبب الإهمال الدولتي. قد تنعكس تلك المعضلة سلباً على زراعة الحشيشة التي إن وجد المزارع أنه لم ينجح في تصديرها لشركات الأدوية، فسيسوقها للاستخدامات الخاصة في لبنان خصوصاً، وفي سورية بدرجة ثانية، بسبب التهريب الناشط على الحدود اللبنانية ـ السورية. لكن لبنان عموماً لا يحتاج إلى الحشيشة لنجدة اقتصاده، فسياسة “الهروب إلى الأمام” لن تؤدي سوى إلى مراكمات ميزان المدفوعات اللبنانية، وزيادة الدين العام، وصولاً إلى الحائط المسدود الذي ينتظر الجميع الاصطدام به في الأعوام المقبلة. حائط ينبئ بتحوّل لبنان إلى أرجنتين أخرى، تعمل على وقع نصائح البنوك الدولية وصندوق النقد الدولي، لتحريك الإصلاحات في الاقتصاد المتهالك. عدا الحشيشة، يتحدّث اللبنانيون عن أهمية سوق النفط في البلاد في المستقبل القريب، علماً أنه لم تتحدّد بعد كمية الموجودات النفطية في البحر اللبناني للبناء عليه، فكل ما صدر مجرد تقديرات لا أكثر.
يظهر الرهان اللبناني على سوقين غير واضحي المعالم، أن الأزمة الاقصادية أكبر بكثير مما يُحكى. الأمر أشبه بالرهان على ورقة يانصيب، لا على استثمارٍ ما. وإذا كانت الاستثمارات غير مضمونة تماماً فكيف باليانصيب؟ لا يحتاج الاقتصاد اللبناني، وبكل بساطة، سوى ثلاثة أمور: فرض الضرائب على المصارف، وضبط جبي الضرائب من المواطنين، والتقشّف في الإدارات العامة ورواتب أصحاب المراكز العليا في القطاع العام. بعدها، يمكن الاستثمار في الإنسان في لبنان، كما فعلت سنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان. ليس بالضرورة أن يملك بلدك مواد أولية ما، يكفي أن يكون هناك إنسان ينوي فعل شيء ما، حتى يُمكن النهوض بلبنان.
لكن لبنان علّمني، وهو أمر “علمي”، أن شعبه لا يريد أن يتحسّن، ويرمي كل شيء على الدولة، والدولة بدورها ترمي كل شيء على المواطن. ووسط الرمي المتبادل، تبدو مسألة النفايات خير نموذجٍ لعقلية الدولة والشعب معاً، فالدولة تهمل معالجة هذا الملف، وتربطه بتوافقات سياسية، كعادة لبنانية أصيلة، بينما المواطنون، وبأكثريتهم الساحقة، لا مشكلة لديهم في رمي النفايات من السيارات وفي الشوارع ومن الشرفات العليا، فقط لثقتهم في أن الفوضى هي السائدة.
قبل كل شيء، يجب الاستثمار في الشعب، فعدم الاستثمار سيستولد مزيداً من المشكلات الفردية والجماعية. لا يمكن التقدم في لبنان من دون فسخ العقد المُبرم بين اللبناني والفوضى، والمعمول به منذ زمن الحرب اللبنانية (1975 ـ 1990). يجب التحرّر من هذا العقد لتحرير الذات اللبنانية من العقَد والأمراض النفسية السياسية والاجتماعية. لا يكفي أن يُقال إن “لبنان واحة للحريات”، وفي الوقت عينه، تبدو تلك “الواحة” أشبه بغابةٍ يتقاتل فيها الجميع، سعياً إلى البقاء على قيد الحياة.
نعم، الاقتصاد اللبناني في أزمة، وعلى مشارف الهاوية والإفلاس، ومشكلة الإسكان تفصيل في ذلك، لكن الإنسان على قيد الحياة وهو ما يجب البدء بالعمل عليه، إذا وُجدت النية، لقطع سلسلة الموت المتناسلة منذ عقود.