يتسق قانون القومية الإسرائيلي مع الموجة العالمية من صعود اليمين، ومع الأوضاع الإقليمية التي تراجعت فيها بشدة أولوية القضية الفلسطينية لصالح قضايا أخرى، سالت بها دماء أكثر بأيدٍ عربية لا إسرائيلية، ونتج عنها ملايين اللاجئين والمشرّدين الجدد.

أخيراً، وصلنا إلى هذه “اللحظة الحاسمة” في تاريخ إسرائيل، كما وصفها رئيس الوزراء نتنياهو.. أعلنت “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، بصراحة وفجاجة تامة، أنها أي شيء غير كونها دولة مواطنة ديمقراطية، عبر قانون يهودية إسرائيل المذهل في بجاحته وتطرفه.
ينص البند الأول للقانون على أن “لليهود فقط في إسرائيل حق تقرير المصير”، هكذا في لحظةٍ تم حذف حقوق المواطنة المتساوية للمواطنين غير اليهود، علماً أن اليهود هم 74.4% من إجمالي السكان 8.6 ملايين، حسب الإحصاءات الرسمية لعام 2017. ما الفارق بين هذا و”الأبارتهايد” في جنوب أفريقيا أو حرمان السود من الحقوق المدنية في ماضي أميركا؟
البند الخامس مُخصص للعودة: “لكل يهودي الحق في الهجرة إلى إسرائيل، والحصول على الجنسية الإسرائيلية”. والبند السادس “تعمل الدولة على تجميع شتات اليهود في الخارج..”، أما البند السابع فيقول إن الدولة تساعد “اليهود الذين يعانون المحن أو الأسر في أنحاء العالم”. ما الفارق بين هذه الدولة ودول القرون الوسطى الدينية؟ للمفارقة، ألغت الدولة العثمانية في عصر التنظيمات عام 1856 الجزية ومساواة المواطنين في الخدمة العسكرية، كما تم إلغاء اعتبار كل مسلم من أي مكان مواطناً عثمانياً.
أما البند الثالث عشر فيحمل مزيدا من الإبهار: “عندما تقرّر محكمة أن نزاعا لا يمكن حله وفقا لقانون الدولة يتم تسويته وفقا لمبادئ الحرية والمساواة والعدالة والسلام المستمدة من القانون المدني اليهودي”… هذا هو بالضبط منطق الإسلاميين الداعين إلى تنحية “القانون الوضعي” القاصر لتحل محله “الشريعة الإسلامية”، فقط هنا ارفع كلمة الإسلامية وضع اليهودية.
وعلى الرغم من بنودٍ حاولت تلطيف المشهد، مثل البند التاسع، إن لكل مواطنٍ، بصرف النظر عن دينه أو قوميته “الحق في الحفاظ على تراثه وثقافته ولغته”، أو النص أن للغة العربية وضعا مميزا، وتستخدم بالمصالح الحكومية بعد النص إن العبرية هي اللغة الرسمية، فإن هذا لا يعني أكثر من محاولةٍ فاشلةٍ للاستمرار في المسرحية التي دمّروا، هم بأنفسهم، خشبتها. لم يكونوا في حاجة لإصدار هذا القانون، وكان في وسعهم الاستمرار في السياسات التمييزية ضد المواطنين العرب، مع الاستمرار في الادّعاء بأنها دولة المواطنة المتساوية، وانظروا إلى العرب داخل برلماننا وجامعاتنا ومؤسساتنا.
ما حدث متّسقٌ مع الموجة العالمية من صعود اليمينيين، ومع الأوضاع الإقليمية التي تراجعت فيها بشدة أولوية القضية الفلسطينية لصالح قضايا أخرى، سالت بها دماء أكثر بأيدٍ عربية لا إسرائيلية، ونتج عنها ملايين اللاجئين والمشرّدين الجدد الذين غطت أخبارهم على اللاجئين القدامى.
لكن انعدام الاتساق حقاً هو ما نشهده من بعض النخب العربية و”التنويريين” الذين لم يملوا من مديح نموذج واحة الديمقراطية بجوارنا، وكيف أن العرب ضيقوا الأفق، هم من أضاعوا فرص السلام، وهم أنفسهم غالباً عشاق الطغاة ضد الشعوب غير الجاهزة للديمقراطية.
انعدام الاتساق أيضاً في رد الفعل العالمي الذي لم يكن على مستوى الحدث مطلقاً، ولا يمكن تصوّر أن يمر الأمر بهذا الشكل، لو كان الفاعل دولة أخرى غير إسرائيل. وفي النهاية، فإنه حسب الأمم المتحدة رسمياً إسرائيل دولة إحتلال، وهناك جبالٌ من القرارات عن الانسحاب إلى حدود 1967، وحق العودة للاجئين الفلسطينين، وغيرها، لكنها بالطبع لا تصدر تحت البند السابع المخصص لأمور أكثر أهمية!
وإن كان من الحق أيضاً أن يُقال إن الدول بطبيعتها لا تتحرّك بشكل حاسم عسكريا بما ينفق المليارات، ويهدد الأرواح، إلا لمصلحة واضحة لها، فلم يتحرّك أحد لوقف مذابح التوتسي والهوتو في رواندا، بل أيضاً بقيت دولة “داعش” زمناً تتوسّع على حساب السوريين والعراقيين، ويُبايَع لخليفتها، ولا يعبأ أحد، فقط تشكل التحالف الغربي بعد الاقتراب من مصالحهم وتهديد أمنهم.
على أقل تقدير، إن كنا خاسرين معارك الواقع، فلا منطق لخسارة معارك الخطاب الإعلامي والسياسي أيضأً.