وجود الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في البيت الأبيض انعطافة لافتة في مجرى الحياة الأميركية، حيث يتقلد أشخاص غير سياسيين المنصب الأعلى، وهو أمر بدأ مع الرئيس السابق، باراك أوباما، الذي تجلبب بجلباب الواعظ تارة، ومرة بجلباب المُحاضر، وطورا بجلباب المحامي.

من غرائب شخصية الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أنه يتصرف، منذ فوزه في الانتخابات الرئاسية 2016، كرجل “معارض” لإدارات بلاده، على الرغم من أنه لم يعرف أبدا من قبل شخصية معارضة، باستثناء أقواله المتناثرة عن فساد النخبة في واشنطن. وهي انتقادات تطاول أفراداً، ولا تتعلق بنهج سياسي أو فلسفة للحكم. و”معارضته” المتجدّدة ذات الطابع المسرحي تصدر من موقع أقصى اليمين، وليس من أي موقع آخر. ولطالما بدا رجل العقارات عازفاً عن السياسة والشأن العام طوال حياته المهنية، على الرغم من عضويته غير النشطة في الحزب الجمهوري، وما أن وصل إلى البيت الأبيض في ظروف انتخابية ملتبسة ومريبة، حتى بدا كمن يقوم بتصفية حسابات مع الحزبين الكبيرين: الديمقراطي والجمهوري، ومع وسائل الإعلام المختلفة، ومع وزارة العدل والقضاء.
وقد جاءت القمة التي عقدها قبل أيام مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لتزكّي مخاوف أميركية من شخصيتة السياسية المضطربة، ومن ميله المتنامي إلى تبرئة موسكو من أي شبهة تدخل في مجرى الانتخابات الرئاسية، ولم يكتف بذلك، بل هاجم ما اعتبره “حمقا وغباء أميركيا” فيما هو يمثل بلاده، ويحتل أعلى الهرم في السلطة السياسية، مع تكرار الهجوم على أكبر حزبين في بلاده وعلى الصحافة. وقد فوجئ بوتين، وغمرته سعادة مكتومة، بعد أن بدا ترامب وقد وضع نفسه من غير تردّد (على الرغم من حجمه الضخم) في جيب بوتين. وهو ما جعل سياسيين أميركيين يصفون أداءه في قمة هلسنكي بأنه أسوأ أداء لرئيس أميركي، مع شعور بالصدمة الهائلة إزاء ما بدا انهياراً في المواقف، وفي الكبرياء القومية التي يُفترض أن يمثلها الرئيس، وحيث لم يحتج بوتين للدفاع عن سياسة بلاده، إذ تولى هذه المهمة، نيابة عنه، منافسه ترامب، كما لم يضطر الرئيس الروسي لانتقاد أميركا وسياستها، فقد انبرى لذلك، ونيابة عنه، الرئيس الأميركي الذي بدا كارهاً لمجمل السياسة الأميركية وغالبية سياسيي بلاده، وحانقا على الصحافة الأميركية، وصامتاً عن الصحافة الروسية اللصيقة، في معظمها، بدوائر الحكم في موسكو.
وإذ لم يجد ترامب من يدافع عنه في بلاده، عمد بعض السياسيين، ومنهم زعيمة الديمقراطيين 
“الانحسار الأميركي يقترن بصعود إمبرياليات جديدة، روسية وإيرانية”

نانسي بيلوسي، إلى التساؤل عما إذا كان الروس يمسكون شيئا سياسياً أو مالياًعلى ترامب، بما يجعله يبدو في هذه الصورة المهلهلة والمتهافتة (العبارة للكاتب وليست لها). وفي رأي بوليسي أن الإجابة على هذا السؤال وحدها التي تفسر سلوكه ورفضه الوقوف في وجه بوتين. بينما تحدث سياسيون آخرون عمّا سموها أمورا مشينة، وترقى إلى مصاف العار والإثم والخيانة، انزلق إليها ترامب. وهي مرافعاتٌ تضع مستقبل الرجل في البيت الأبيض على المحك، وتنذر بتجدّد الحملة على الرجل لإقصائه، أو حمله على الاستقالة، وليس أقل من ذلك.
وكان ترامب قد استبق لقاء القمة بتصريحاتٍ اعتبر فيها كلا من روسيا والاتحاد الأوروبي والصين أعداء لأميركا. وقد جاءت مواقفه في قمة هلسنكي لتعيد تظهير موقفه من روسيا، وتنقل هذا الموقف من خانة العداء إلى النظر إليها مجرد منافس، ثم إلى خانة المنافس الجيد. وقبيل انتقاله إلى العاصمة الفنلندية، أدى زيارة إلى بريطانيا، امتدح فيها وزير الخارجية المستقيل، بوريس جونسون، ولم يحفل بارتكاب ما تيسّر له من أخطاء بروتوكولية في لقائه مع الملكة إليزابيث، وحيث بدا هناك كأنه معارض بريطاني يقف في أقصى يمين حزب المحافظين، وليس ضيفا أميركيا كبيرا.
إذ يعكس هذا التخبط الدبلوماسي انعدام الخبرة السياسية، مع الإفراط في امتداح الذات، فإنه يومئ، في الوقت نفسه، إلى أن الرجل بغير رؤية، ما يصعب معه تصوره رجلا سياسيأ، ناهيك عن أن يكون رئيساً للدولة العظمى. وفي واقع الحال، يمثل وجود الرجل في البيت الأبيض حقبة جديدة وانعطافة لافتة في مجرى الحياة الأميركية، حيث يتقلد أشخاص غير سياسيين المنصب الأعلى في البلاد، وهو أمر بدأ مع الرئيس السابق، باراك أوباما، الذي تجلبب في الولاية الثانية لحكمه (2012 ـ 2015) بجلباب الواعظ تارة، ومرة بجلباب المُحاضر، وطورا بجلباب المحامي، وحيناً بجلباب المعلق السياسي الذي يراقب الأمور من بُعد، ويرفض التدخل فيها. وإذ اتسم عهد أوباما بنزعة أخلاقية كسيحة ومشلولة، فإن حقبة ترامب تتسم بوطنيةٍ ضيقةٍ وفجّة تحت عنوان “أميركا أولاً”، ترى في أميركا (الشمالية) كلها شركة كبرى، يتسنّم هو رئاسة مجلس إدارتها، ويسعى إلى الحد من خسائر الشركة وتعظيم أرباحها، ومنع المفلسين والعاطلين عن العمل (المهاجرون) من الاقتراب من حدودها. وتدل الوقائع على أن النزعة الانكفائية لأوباما جرت ترجمتها على الفور إلى جموح روسي وإيراني، وهو ما يستكمله ترامب الذي طالما ادّعى مخالفته أوباما في توجهاته، فإذا بادعاءاته هي مجرّد بروباغندا انتخابية، فهو يلتصق كتابع ببوتين، والأخير هو الحليف الأول والأوحد لإيران في العالم، على الرغم من بعض تباينات معها بشأن التنافس على النفوذ في منطقة ما، سورية مثلا، أما حين لا تكون هناك منافسة إيرانية روسية، فروسيا تقف مع إيران التي يدّعي ترامب أن سياسته تقوم على مناوأتها.
وها هم باحثون أميركيون يذهبون أبعد من ذلك، فقد كتبت الباحثة في معهد هوفر، آمي زيغارت، في مجلة ذا أتلانتك، أن سياسات ترامب يمكن تلخيصها بشعار واحد هو “لنجعل أميركا ضعيفة مرة أخرى”. ويتساءل تي إي فرانك، من مجلة فانيتي فير، عن معنى لقاء أو قمة الرئيس دونالد ترامب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ويرى أنه يُفرح الأخير، وأن ترامب والمؤيدين له يقيسون القوة من خلال توازنات التجارة والقدرات الصناعية وحماية 

“النزعة الانكفائية لأوباما جرت ترجمتها على الفور إلى جموح روسي وإيراني”

الحدود. أما الدوليون (من يؤمنون بمكانة أميركا في العالم) فيرون أن المقياس هو الانفتاح الاقتصادي والمواقف الأخلاقية وقيادة أميركا العالمية. وبينما يعظّم ترامب من شأن التجارة، ومن حماية الحدود من المهاجرين، فإن من يسميهم الكاتب “الدوليين” هم من يؤمنون بوزن أميركا في العالم، وبمسؤلياتها تجاه إحلال السلم والأمن. ويتوزع هؤلاء بين الحزبين الكبيرين.
أما نحن العرب فتواجهنا حالة مركبة مع الولايات المتحدة، فقوتها تمثل مشكلة لنا (نموذج جورج بوش الأب والابن)، وكذلك فإن ضعفها يمثل بدوره مشكلة أخرى، كما هو حال حقبتي أوباما وترامب. ففي حال القوة، يتم تعظيم إمكانات الاحتلال الإسرائيلي، وإغلاق فرص تسوية جدية تستند للشرعية الدولية. وفي حال الضعف، تنتفخ إيران وتندفع إلى احتلال عواصم عربية، وتنكّل بشعوبها، وتسعى إلى تغيير هويتها بالقوة الغاشمة، كما في العراق وسورية، وتشاطرها روسيا في بعض المواضع هذه الحملة “المقدّسة”.
وما كان للمرء أن يساوره قلق، لو أن الانكفاء الأميركي يقترن بتحسّن الوزن الأوروبي، أو الهندي والتركي والبرازيلي مثلا في المعادلات الدولية، وبالحد من سياسات الهيمنة، والاحتكام إلى الشرعية الدولية وأحكام القانون الدولي في المنازعات الإقليمية والدولية بغير استثناء، وبتعدّدية قطبية فعلية تسهر على الأمن والسلم وحقوق الشعوب وكرامة الإنسان، بل سيكون ذلك محل ترحيب أكيد وثناء تام، غير أن واقع الحال يفيد بأن الانحسار الأميركي يقترن بصعود إمبرياليات جديدة، روسية وإيرانية وبدرجة أقل صينية، ترى في حملات الإبادة العلنية ضد الشعوب شأنا داخلياً وسيادياً لدولها، كما في موقفها من مذابح الروهينغا، وتبديد الوجود الوطني لملايين السوريين.