أدى تفاعل أبناء القبائل، باختلاف وتطور أجيالهم مع الحقل السياسي في الكويت، إلى تشكيل خطابات ورؤى سياسية متنوعة، باتت تؤثر، أحيانا، في توجهات القبيلة وخياراتها السياسية، لا سيما في ما يتعلق بالانتخابات البرلمانية، والمجلس البلدي، والجمعيات التعاونية.

وفي بعض الحالات، تبين أن البداوة نوع من التكيف السياسي، وإذا ما سألت من يُوسَمون بأنهم قبائل كيف ينظرون إلى أنفسهم، فسوف يقدمون إجابات مختلفة”… (ريتشارد تابر)
على الرغم من أن القبائل في الكويت تعتبر مكونا اجتماعيا كبيرا ومتنوعا، وقوة سياسية في الوقت نفسه، إلا أن الدراسات والبحوث التي تركز على القبيلة (حركة اجتماعية فاعلة سياسياً) تعتبر نسبياً قليلة، وفي مقدمتها ما كتبه عالم الاجتماع الكويتي خلدون النقيب في كتابه “صراع القبلية والديمقراطية.. حالة الكويت”، ودراسات أخرى معدودة، مقارنةً بحجم هذا المكون وتطوره. وتركز غالبية هذه الدراسات على الشق الأنثروبولوجي، وعلاقته بالحقول الأخرى، لا سيما السياسية. ويبقى الرصد البحثي لهذا المكون متواضعا كحالة الإنتاج البحثي. وربما الخطاب الشفوي في الندوات السياسية والصالونات الثقافية والمحاضرات… إلخ، أكثر ما تم توثيقه وكتابته عن ظاهرة القبيلة السياسية.
يذكر الأكاديمي الأميركي، ديل إيكلمان، أن هوية القبيلة متعدّدة المعنى، أولها ما يستخدمه الفرد لتوضيح جزء من انتمائه. وثانيها، الاتجاه الحكومي في توظيف هذا المفهوم لغايات إدارية، وفي المقابل تسعى جهات أخرى (أحزاب، منظمات، تيارات، رجال أعمال… إلخ)، مناهضة للسلطة إلى مثل هذا التوظيف، بما يتوافق مع مصالحها. وثالثها، القبيلة واحدة من مراحل تطور المجتمعات الإنسانية. وبالإضافة إلى القرابة والعصبية اللتين تقوم عليهما القبيلة، إن الرابطة السيكولوجية، وفق تعبير محمد عابد الجابري، أحد مقومات التضامن القبلي.
وبناءً على ما سبق، تعتبر القبيلة السياسية (لا سيما في الكويت) بمثابة حركة اجتماعية تجمعها علاقات قائمة على المصاهرة والنسب، وتسعى إلى أن يكون لديها تمثيل وحجم سياسي في 
“ليست القبيلة في الكويت مجرد تنظيم اجتماعي بدوي”

البرلمان والحكومة، ويملك هذا الكيان أساليب تنظيمية داخلية، لا تختلف عن التيارات السياسية الأخرى (كالانتخابات الفرعية قبل تجريمها قانونياً، وهي أسلوب إداري انتخابي داخلي لدى كل قبيلة يتم من خلالها، انتخاب من يمثلها في الانتخابات البرلمانية، وعادة يلتزم أبناء القبائل بالتصويت لمخرجات هذه الانتخابات)، كما أن الوصول إلى موارد الدولة إحدى غاياتها الرئيسة.
يرتبط واقع القبيلة السياسية بطبيعة القرارات السياسية الصادرة عن الحكومة، أي أن مخرجات النظام تلعب دوراً مهماً في تحديد وتشكيل طبيعة القبيلة ومسارها السياسي. ويمكن اعتبار ذلك مؤشرا مهما إلى مرونة القبيلة، وقدرتها على التكيف مع المعطيات السياسية. وتأكيداً لذلك، يرى خلدون النقيب “أن القبيلة السياسية تنزع في استمرار إلى تعديل نفسها تبعاً للظروف المتغيرة”. وبشأن هذا التكيف، يذكر أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت، غانم النجار أنه يمكن فهم المرونة القبلية في دولة الكويت من خلال تعاطيها مع الاستحقاقات الانتخابية، وعلاقتها مع الدولة بوصفها سلطة مركزية.
أدى تفاعل أبناء القبائل، باختلاف وتطور أجيالهم مع الحقل السياسي في الكويت، إلى تشكيل خطابات ورؤى سياسية متنوعة، يمكن رصدها من خلال المجالس (الديوانية)، ووسائل التواصل الاجتماعي، والبيانات السياسية، وأحياناً تؤثر في توجهات القبيلة وخياراتها السياسية، لا سيما في ما يتعلق بالانتخابات البرلمانية، والمجلس البلدي، والجمعيات التعاونية، وحتى انتخابات اتحاد جامعة الكويت وكلياتها (الحركة أو القوائم الطالبية). ولذلك أعتقد أن تعبير (آلات سياسية نشيطة) الذي استخدمته مجلة إيكونوميست، في وصفها حالة العشائر في العراق ينطبق على القبائل في الكويت، خصوصا إذا سلطنا الضوء على تاريخ مشاركتها السياسية منذ بداية ستينيات القرن الماضي. ويضفي هذا التاريخ على القبائل خصوصيةً تميزها عن القبائل الخليجية الأخرى.
أدخل ما سبق القبيلة في تغييرات وتحولات داخلية عدة، أبرزها أن وحدة القبيلة لم تعد قائمةً 

“تطور المسألة السياسية زاد من حدة المنافسة على مواقع النفوذ”

على مفهوم القيادة التقليدية، أي أن أمير القبيلة لم يعد المسؤول عن توجهات القبيلة أو المرجع السياسي لها، وخير مثال على ذلك الانتخابات الفرعية ومخرجاتها، وحتى بعد تجريمها، وهذا ما يفسر قلة ترشح أمراء القبائل للانتخابات البرلمانية في الآونة الأخيرة، ولعل ذلك يعود إلى تجربةٍ تاريخيةٍ اتضحت معها موازين القوى الداخلية لدى القبلية. ويمكن القول إن تطور المسألة السياسية زاد من حدة المنافسة على مواقع النفوذ، وهو أحد أهم أوجه الصراع السياسي (وليست القطيعة الاجتماعية) الداخلي بين أفراد القبيلة.
وكان للتحولات السابقة دور محوري بجانب أدوار أخرى (كالتعليم والعمل والاقتصاد) في بروز فاعلين جدد (نواب برلمان، نشطاء سياسين، قيادات طالبية… إلخ)، ساهموا في إعادة صياغة (وتجديد) خطاب القبيلة إزاء مواضيع الإصلاح السياسي. وكانت بداية هذا الاتجاه في منتصف تسعينيات القرن الماضي، وما زال مستمراً، وإن كان ليس كبدايته. إذاً، ليست القبيلة في الكويت مجرد تنظيم اجتماعي بدوي، قائم على استحضار العادات والتقاليد من التاريخ، ولم تعد القيم الصحرواية المصدر الوحيد الذي يشكل الشخصية والتفكير.