المقالة ستحاول تفكيك علاقات حركة المقاومة الإسلاميّة في البُنية البرجوازيّة. وفهم إمكانيّة مُمارسة ثوريّة عند هذه الحركات، سأعتمد على تحليلات مهدي عامل البنيويّة العلميّة للمُجتمع، والمفاهيم الأساسيّة حول التحرر الوطني في ظلّ هيمنة البرجوازيّة الكولنياليّة وصياغتها بُنية سياسيّة تضمن استمراريّة مصالحها وعلاقتها في الإمبرياليّة.

نقاشي سيكون هل الحركة الإسلاميّة، اجتازت هذه البُنية وتطمح لبناء بديل سياسي غير مُرتبط في مصالح الإمبرياليّة، وغير قائم على الاستغلال والنهب. في البداية سأناقش تناقضات الدين في الحيّز الاجتماعي. هل الدين بوصفه مُمارسة يستطيع أو يطمح لعدالة اجتماعية واشتراكيّة وكسر الهيمنة البرجوازيّة في المنطقة العربيّة؟

في التناقض الاجتماعي والديني

تحديد العلاقات بين الاجتماعي والديني (الطائفي) نظريًّا، هي مُساهمة من أجل صياغة فهم علمي حول الحركات الإسلاميّة (المُقاومة) التي ظهرت بشكلٍ بارز وفاعل في الفضاء السياسي العربيّ منذُ الثمانينيّات في القرن العشرين، «حزب الله» في لبنان، «حماس» في فلسطين، «أنصارُ الله» في اليمن، وأيضًا «جمعية التوعية الإسلامية» في البحرين. ولكن هذه المقالة ستُركز على النموذج اللبناني «حزب الله» والفلسطيني «حماس».

التناقض بين الاجتماعي والديني يبرز في الأيديولوجيا والمُمارسة السياسيّة. تناقض الأيديولوجيا يظهر من خلال الدور الديني في الصراع الطبقي القائم في المُجتمع، هل كانت الأيديولوجيا الدينية في سياقات تاريخيّة مُختلفة مُستقلة عن التاريخ، نمط الانتاج الاقتصادي؟ ماركس يقول في ذلك «يُحدد نمط الانتاج الحياة المادية عملية تطور الحياة الاجتماعية والسياسيّة والثقافيّة بشكلٍ عام» (1). بمعنى الأيديولوجيا والوعي الإنساني مُرتبط بشكل ديالكتيكي في الحياة المادّية الاقتصاديّة. الإيمان الديني هو تمظهر للموقع الاجتماعي والمضمون الاجتماعي، وهذا الإيمان غير مُستقل بذاته، بل مُرتبط بعلاقات الإنتاج.

المؤسسة الدينيّة ورجال الدين، وكلّ التمظهرات الاجتماعيّة للإيمان تقوم وتُمارس عمليّة تحريف للصراع ومضمونه الاجتماعي، إلى مضمون ميتافيزيقي. الدين كإيمان مُجرد في اللّه ليس تحريفًا للصراع بحدّ ذاته، الإشكاليّة تكمن في الحيّز الاجتماعي، الدين فور دخوله الحيّز الاجتماعي، وهيمنته على الناس. يحوّل الصراع المادّي الطبقي، إلى صراع أنفس، خير وشرّ، كافر ومؤمن.

فيصل دراج في كتابه «الماركسيّة والدين» (2) وضع ثلاثة أطروحات نظريّة حول الدين، من منظور مادّي تاريخي(الماركسيّة). الأطروحة الأولى، الدين انعكاس للواقع الأرضي بتناقضاته الاجتماعيّة. والأطروحة الثانية، ليس الإنسان جوهرًا أبديًّا بل كائنًا مُحددًا اجتماعيًّا. الأطروحة الثالثة، ليس هُناك جوهر ديني للإنسان أي ليس هُناك شعور مُلازم للإنسان منذُ ولادته. الأطروحات الثلاثة تُبرز لنا عامل الديالكتيك في الديني، مع الاجتماعي، ويتحدد بذلك الدين باعتباره إيمانًا اجتماعيًّا.

ولاحظ لينين لاحقًا في نضاله وإتمام ثورته الاشتراكيّة، وعمليّة بناء الاتحاد السوفيتي، المُمارسة والأثر السياسي للإيمان الديني. الدين باعتباره مُمارسة سياسيّة تُغطي الصراع المادّي، الطبقي بصراع بين كافر ومؤمن. ومحور مُمارسته السياسيّة مُتعلقة بقضايا الإيمان وإصلاح الأنفس، وبذلك هي تُعطي شرعيّة لعلاقات الإنتاج القائمة بين (المُستغل-المُستغل). وأثر هذه المُمارسة السياسيّة، يكون في صالح الطبقات المُسيطرة، مواساة الفُقراء هي عامل اجتماعي من أجل استقرار الصراع. مزج الديني في الاجتماعي مُساهمة في استمراريّة الاستغلال والقمع الطبقي. هذه المُلاحظات اللينينيّة حول الدين، هي نتاج الواقع الروسي ودور الدين الاجتماعي (المؤسسات، رجال الدين) في الصراع المادّي في إرساء شرعيّة روسيا القيصريّة والمُستغلين، الإقطاعيين والبرجوازيين (راجع كتاب فيصل دراج «الماركسيّة والدين») . ولكن ما يجري في المنطقة العربيّة يحتاج قراءة تُبرز التناقضات في واقع لبنان وفلسطين الاجتماعي ودور الدين في الصراع الطبقي، والكولنياليّة الصهيونيّة والإمبرياليّة.

«حزب الله» والبُنية الطائفيّة

«إن الصراع في الحقيقة ليس حاصلًا بين أيديولوجيّات، وإن كانت طبقية، بل بين مُمارسات أيديولوجية مختلفة للصراع الطبقي نفسه، وهذا بالذات ما يجعل منهُ شكلًا من أشكال الصراع الطبقي.» (3) هذه المُقدمة التحليليّة التي وضعها مهدي عامل تُعيد أهميّة المُمارسة في تحليل الأيديولجيا. التحليل العلمي كما وضعهُ مهدي عامل يرفض أي إمكانيّة لاستقلاليّة الأيديولوجيا عن الواقع والمُمارسة.

المُقدمة التحليليّة الثانية «لماذا الشكل الطائفي لهذه الدولة هو أساسي لوجودها باعتبارها دولة برجوازية؟ فالجواب هو باختصار، أن هذا الشكل يسمح للبرجوازية بالتحكم بمجرى الصراع الطبقي، بإبقاء الطبقات الكادحة فيه أسيرة علاقات من التبعية الطبقية بها هي، بالتحديد، علاقة تمثيل طائفي تربط الطبقات هذه بممثليها الطائفيين من البرجوازية ربطًا تبعيًا تفقد فيه وجودها السياسي باعتبارها قوة مستقلة، لتكتسب فيه، وبه، وجودًا آخر هو، بالضبط، وجودها الطائفي، أي وجودها كطوائف.» (4) مهدي عامل يُميّز بأن الحالة (الشكل) الطائفيّة ذاتها عائقًا للثورة الحقيقيّة التي تقوم على أساس الصراع الطبقي. يرى أن الطائفيّة تُصيغ أيديولوجيا لكي تضمن استقرار علاقات الإنتاج والبُنية البرجوازيّة القائمة، وبذلك في مُمارستها السياسيّة ومنطقها الاجتماعي هي أداة البرجوازيّة والكولنياليّة الصهيونيّة وتحرف الصراع من طبقي قائم على الاستغلال إلى صراع طوائف.

تكوين الطائفيّة في لبنان كأيديولوجيا حياتيّة تنخر في المُمارسة الاجتماعيّة وكل الوعي الاجتماعي القائم. ذلك يُصيغ مُمارسات «حزب الله» الطائفيّة، فهم هذه العلاقات تحتاج لرصد الأيديولوجيا (العقيدة) التي يُمارسها، مع الاعتبار للبنية المادّية التي تقوم عليها هذه الأيديولوجيا. تطوّر «حزب الله» بوصفه حركة مُقاومة إسلاميّة، تنفي بذلك محوريّة الصراع الطبقي، ولكن ليس بالضرورة أن يكون مضمون هذه الحركة الاجتماعي هو «برجوازي»، بمعنى الإمام موسى الصدر و«حزب الله» قاموا على استقطاب الطبقات المسحوقة الشيعيّة في الجنوب اللبناني ورسالتهم إلى المُستضعفين، ولكن ضمن الأيديولوجيا المُسيطرة على الدولة، «الطائفيّة». وهذه الأيديولوجيا ستكون محوريّة في بعض مُمارسات «حزب الله».

يطرح أسعد أبو خليل أستاذ العلوم السياسيّة جامعة كاليفورنيا، مقالته «حزب الله: تجلّياته الطائفيّة» (5) العقيدة التي يُمارسها «حزب الله» في علاقاته الطائفيّة (الفوق وطنيّة)، لكي يُعالج مفهوم المُقاومة ودحر الكولنياليّة الصهيونيّة من لبنان وطموحاته أيضًا لدحرها وتحطيمها في فلسطين (والمنطقة العربية) في سياق التكوين الطائفي. عقيدة «ولاية الفقيه» التي هي تُعبّر عن النظريّة السياسيّة التي يُمارسها «حزب الله» في العلاقات مع إيران، وأيضًا يُقيم علاقاته في الفضاء السياسي العربي على أساس طائفي، دفاعه عن فقيه الاحتلال الأمريكي علي السيستاني، وعلاقاته مع بعض الحركات الشيعيّة المُتعاضدة مع الاحتلال الأمريكي في العراق (راجع المقالة «حزب الله: تجلّياته الطائفيّة»).

فهم مُمارسة «حزب الله» تعتمد على اللحظة الطائفيّة (الاجتماعيّة) التي تكوّن فيها في لبنان، وأيضًا اللحظة المادّية التي جعلتهُ مُمكنًا وهي العلاقات مع إيران (باعتبارها دولة تعتمد نظريّة ولاية الفقيه)، وهكذا «حزب الله» مُمارسته للمُقاومة أصبحت طائفيّة في مضمونها الأيديولوجي، رجعيّة بالضرورة. ولكن في مضمونها الاجتماعي هي إيجابيّة تُعبر عن الطبقة الشيعيّة المسحوقة في لبنان (ولكن لاحقًا طرأ تغيير في البُنية الطبقيّة الشيعيّة).

تكوين «حزب الله» الطائفي هو لا ينفي مُمارساته اللاطائفيّة، بمعنى طالما اعتمدنا المُقدمة التحليليّة الثانية، سيزول التناقض بين المُمارسات وكيفيّة التحديد الطائفي. التحديد من خلال موقع «حزب الله» في هذه «الدولة الطائفيّة» التي تقوم بتغطية الصراع الطبقي، والسياسي. التحديد من خلال سياق هذه المُمارسات (الطائفيّة واللاطائفيّة) في بُنية الدولة. السؤال، هل «حزب الله» يطمح لهدم هذه البُنية السياسيّة في لبنان؟ البُنية التي تأسس فيها «حزب الله» هي طائفيّة، بالمفهوم المادّي والأيديولوجي ومن خلال هذه البُنية تضمن البرجوازيّة اللبنانيّة سيطرتها. لذلك طالما الثورة وهدم البُنية وعلاقات الإنتاج القائمة ليست محلّ اهتمام «حزب الله»، فسيكون جزءًا من هذه البُنية «الطائفيّة»، وهُنا الفرق بين المُمارسة (اللاطائفيّة في أحيان كثيرة) والبُنية (الطائفيّة). وذلك ما سيتبين من التحوّلات التي طرأت على المضمون الاجتماعي في «حزب الله».

«حزب الله» والعدل الاجتماعي

«إن وعي الطبقات البرجوازية غير المهيمنة في تطلعها لشرعنة الوصول إلى مراكز الهيمنة التي تشغلها أجزاء أخرى من البرجوازية، يزداد إلى مستوى يتم من خلاله تحديد موقعها من المجال السياسي والاقتصادي. هذا الجزء من البرجوازية غير المهيمن يريد إنهاء جزء من الهيمنة دون أن يزيل كامل الهيمنة البرجوازية»(6)

المُقدمة التحليليّة الثالثة، تُبيّن لنا الصراعات بين البرجوازيّات(الطائفيّة)، هي في صراع هيمنة على الدولة، ولكن المصلحة واحدة في استمراريّة الدولة (في شكلها الطائفي. لذلك نرى «حزب الله» في لبنان لم يُصغ بديلًا ثوريًا للدولة الطائفيّة، إلا أنه دخل في صراعات مع البرجوازيّات القائمة على الاستغلال ونهب الشعب على أساس البُنية التي تقوم عليها هذه الصراعات، لذلك لم يستطع إلا أن يكون جزءًا مُهيمنًا في هذه الدولة الطائفيّة (البرجوازيّة).

الباحث جوزيف ضاهر، في كتابه «حزب الله: الاقتصاد السياسي لحزب الله اللبناني» (7) يرصد التغيّرات التي طرأت على البُنية الطبقيّة الشيعيّة في لبنان، برزت طبقة برجوازيّة شيعيّة حضريّة، شكّلت جزءًا هامًّا وجديدًا في القاعدة الاجتماعيّة «حزب الله». وسببُ ذلك هو الإجراءات النيو-ليبراليّة في لبنان والخصخصة من أجل إعادة إعمار جنوب بيروت بعد الاجتياح الإسرائيلي.

لم يتصد «حزب الله» لهذه الإجراءات التي تقمع الطبقات المسحوقة في لبنان، بل كان يُحافظ على الوضع القائم، واستمراريّته ولا يطرح تغييرًا حقيقيًّا مادّيًّا لهذه البُنية الطبقيّة، وأيضًا بعد العدوان في يونيو (حزيران) 2006 وبداية طفرة في التشييد والبناء من خلال الإجراءات النيو-ليبراليّة، واستمرت هذه الإجراءات رغمًا عن الاحتجاجات الجماهيريّة. وهكذا قبل «حزب الله» الوضع النيو-ليبرالي القائم في لبنان. ويرى جوزيف ضاهر أنه من المُرجح بعض انتهاء هذه الطفرة في التشييد والبناء ستُصبح التناقضات داخل القاعدة الاجتماعيّة «حزب الله» أكثر حدّة.

استمراريّة مشروع المُقاومة مُتعلقة بنيويًّا بهدم البُنية الطبقيّة (الطائفيّة) في لبنان. في الانتخابات الأخيرة،في عام 2018 كتب أسعد أبو خليل حول العدل الاجتماعي و«حزب الله»، أهمل الحزب الاقتصاد تحت شعار «المقاومة لنا والاقتصاد لكم» وهذا ما أوصل لبنان لحالة اقتصاديّة كارثيّة. وكانت هذه السياسات تسحق الفُقراء، وتتآمر على المُقاومة. رفض هذه السياسات «الحريريّة الكوارثيّة» وطرح بديل يضمن العدالة الاجتماعيّة، يجب أن تكون في صُلب مشروع المُقاومة كونها مُتعلقة. في 21 مارس (آذار) 2018 طرح «حزب الله» تغييرًا في برنامجه وأبدى استعداده لمُحاربة الفساد وأيضًا التدخل في الاقتصاد، وهذه إشارة إيجابيّة تُبرز دينامكيّة الحزب (8).

كما وضّح مهدي عامل، العائق الرئيسي للديمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة، تكمن في بُنية الدولة البرجوازيّة التي تتمظهر أيديولوجيا بالشكل الطائفي. لذلك «حزب الله» من أجل حماية المُقاومة وبناء حركة تحررّ، يجب عليه هدم هذه البُنية. وهُنا الإشكاليّة في تكوين «حزب الله» بالشكل الطائفي، ومضمونه الاجتماعي (القائم على تناقضات) في الوقت الراهن، لذلك طالما لم يع التناقضات في الأيديولوجيا الطائفيّة والاجتماعي البرجوازي، لن يستطيع أن يُثبت مشروع المُقاومة والتحرر.

هيمنة بُنية أوسلو: «حماس» لا مفرّ

المعضلة في مسيرة أوسلو أن لا خروج منها لمن يدخلها. هي صُمّمت من قبل إسرائيل وأمريكا كي تقضي على كل الخيارات الأخرى للشعب الفلسطيني.
أسعد أبو خليل (9)

اتفاق أوسلو، التي تحوّلت بعد ذلك إلى بُنية كاملة للسيطرة والهيمنة على الشعب الفلسطيني وثورته، هذه البُنية تغلغلت في الشعب الفلسطيني من خلال، الاقتصاد والأيديولوجيا والسياسة. من أجل خدمة واستمراريّة البرجوازيّة الفلسطينيّة في النموّ، وتراكم رأس المال من خلال العلاقات التجاريّة والإنتاجيّة مع الاحتلال الإسرائيلي. وهكذا كانت أوسلو باعتبارها اتفاقًا مرحلة تطوّر بُنية برجوازيّة، في الضفة الغربيّة وغزة. من هُنا سنحاول أن نقرأ السياق لهيمنة هذه البُنية على حماس التي تُناضل من أجل الحريّة الكاملة للشعب الفلسطيني في كلّ أماكن تواجده.

حماس رفضت أن تكون جزءًا من اتفاقية أوسلو، وبذلك رفضت أن تُشارك في انتخابات 1996 وأقتبس من المُذكرة التي صُدرت (10): «الانتخابات الفلسطينية تتم في مرحلة لا زال فيها الاحتلال يحتفظ بالسيادة على أرضنا وثرواتنا ومقدساتنا، بل ويهيمن بشكل مباشر على معظم المناطق الفلسطينية مثل الخليل والقدس والمستوطنات والمناطق (ب) و(ج) في الضفة الغربية المحتلة، مما يجعل هذه الانتخابات تكرس هذا الواقع الاحتلالي وتعطيه الشرعية التي أعطاه إياها اتفاق أوسلو أيضًا، ومن جهة أخرى فإن وجود الاحتلال أثناء هذه الانتخابات يضرب بعمق دعاوى نزاهتها وحيادتها!» حماس رفضت كلّ ما تحملهُ الانتخابات من شرعنه سيادة الاحتلال على الأرض، الثروات والمُقدسات. التغيّر في الفعل ودخول حركة حماس انتخابات 2005، لم يحمل تغيّر في الموقف من اتفاق أوسلو، ولكن بالتأكيد الفعل هو الأساس لعلاقات الإنتاج والقوى، بمعنى حركة حماس قد دخلت بُنية أوسلو من خلال هذه الخطوة وسأحاول في المقالة تفسير دور حماس في هذه البُنية، وما يعنينا هُنا هو كيف دخلت حركة حماس هذه البُنية، دون حدوث تغيير في خطاب ورؤيا حماس السياسيّة؟

حماس وفق تطوّرات ومُركباتها بالضرورة ستكون جزء من أوسلو، نتيجة لعاملين: موضوعي، الحالة الفلسطينيّة التي تواجه الصهيونيّة والإمبرياليّة من خلال الدعم المادّي للدولة الاستعماريّة في فلسطين وتسليحها. يخلق وضعًا خاصًا، يجعل اليسار واليمين الفلسطيني في بوتقةٍ واحدة، مما جعل قرار اتفاق أوسلو جامعًا للفلسطينيين في الضفة الغربيّة وقطاع غزة على الأقل ماديًّا، أي تمت صياغة علاقات القوى والإنتاج في الضفة الغربية وقطاع غزة وفق الاتفاق، كونهُ ناتجًا عن مُنظمة التحرير الفلسطينيّة، لذلك تكوّن بُنية برجوازيّة واحتلاليّة في إطار جُغرافي يُهيمن بالضرورة على كلّ فاعل سياسي في هذا الإطار. العامل الذاتي كون حركة حماس مُتعلقة بالإخوان المُسلمين، نظريّتها ومُمارستها رجعيّة، وعلاقاتها مع الإمبرياليّة مادّيا مُبررة، ولكن السياق الفلسطيني الموضوعي جعل من تيّار إخواني رجعي بالضرورة، حركة مُقاومة كما يوضح هذه الإشكاليّة وتطوراتها المُفكر والاقتصادي سمير أمين (11).

تعريف دور «حماس» في بُنية أوسلو

حماس هي جزء من بُنية أوسلو، هي جزء من قفص أوسلو الذي أوقع جميع الحركات الفلسطينيّة التي ترنو إلى الحريّة، وما علينا الآن توضيحهُ، موقع حماس في بُنية أوسلو، ومُحاولة لتعريف طبقي للحركة. لكي نعلم أن حماس هي في داخل هذه البُنية بل أيضًا تُعيد صياغة وإنتاج البُنية في مفاهيم ومُصطلحات وطنيّة.

في التقرير السنوي للمؤسسة الماليّة الفلسطينيّة لعام 2013 نرى أنّ الأداء الاقتصادي في الضفة الغربية وقطاع غزة شهد نموًّا مضطردًا منذُ 2007، شهد نشاط تباطؤ اقتصادي حادّ ولكن في قطاع غزة التباطؤ كان أقل حدة. هذه النتائج تُعطينا لمحات حول كيفيّة توظيف الانقسام الفلسطيني من أجل المُحافظة على نموّ في الاقتصاد، وأيضًا تتبّع اتساع الفجوات الاجتماعية بشكل جوهري (12).

 حركة حماس بعد فوزها في انتخابات 2006، وتمّ بذلك تحديد موقعها الطبقي في البُنية الاجتماعية (بُنية أوسلو)، موقعها هو الطبقة المُسيطرة، جزء من الطبقة التي تُحافظ على علاقات إنتاج البُنية الاجتماعية. وهكذا يبدأ التناقض بين الأيديولوجيا التي تُعبر عن تضاد مع بُنية أوسلو وبين موقعها الاقتصادي، حماس في هذه البُنية تضم أثرياء ورؤوس أموال تجمعهم مصالح الاستقرار السياسي وعلاقات الإنتاج مُستغل-مُستغل (13).

اتفاق باريس هو نمط إنتاج في الضفة الغربية وقطاع غزة، يُهيمن ويُصيغ بُنية أوسلو، وفقًا لذلك هو يُصيغ حدود النضال وخيارات الشعب الفلسطيني، وما يجري من تناقض بين موقع حماس الطبقي وأيديولوجيّتها، هو تناقض بين طبقة مُسيطرة مادّيًا تريد أن تحافظ على نمط إنتاجي يزيد من ثروتها التي تتدفق إلى البنوك الأجنبيّة من قطاع غزة، وبين أيديولوجيا مُقاومة حبيسة القفص الذي خلقهُ الإسرائيلي والأمريكي للشعب الفلسطيني. حماس هي حركة مُقاومة إسلاميّة جزء من بُنية أوسلو، من أجل التحرر من هذه البُنية يجب تفكيك العلاقة بين حماس والبُنية.