الحجّ في الإسلام.. التعريف والمقصد

الحجّ هو قصد المسلمين مكّة المكرّمة، والمشاعر المقدّسة للنّسك، وهو واجب لكلّ مسلم بالغ وقادر لمرّة واحدة في عمره، وهو الرّكن الخامس من الإسلام، لقول النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- في تعريفه له: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا». عن ابن عمر -رضي الله عنهما- كما قال: (يا أيّها النّاس إنّ الله قد فرض عليكم الحجّ فحجّوا). رواه مسلم.

وقد فُرض في السنة التّاسعة للهجرة، مع أن الناس كانوا يؤدّونها أيّام سيّدنا إبراهيم -عليه السّلام- (الحنيفية) ومن بعده، لكنهم خالفوا بعض مناسك الحج، وابتدعوا فيها؛ فظهرت الوثنية، وعبادة الأصنام في الجزيرة العربية، على يد عمرو بن لحي، واستمرّ الأمر كذلك حتّى فتح مكّة وتطهيرها من الأصنام، وإعادة صيغة الحجّ إلى صورته الأولى على يد سيّد الأنام محمّد -عليه الصّلاة والسّلام- الّذي قام بالحج مرّة واحدة فقط هي حجّة الوداع في عام 10 هجرية، وفيها قام بعمل مناسك الحج الصحيحة التي دعانا وأمرنا أن نتّبعها «خذوا عنّي مناسككم»، وفي تمامها ألقى خطبة الوداع، وقد بيّن الله تعالى، وعيّن المكان والزّمان؛ إذ قال في سورة الحجّ: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [26] وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [27] لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [28] ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [29]}.

وقال في سورة التوبة: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3)}.

وقد وضّح الله تعالى المناسك في كتابه في سورة البقرة: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [196] الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [197] لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ [198] ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [199] فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202) وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)}.

وبذلك اكتملت الصّورة نظريًّا وتطبيقيًّا، واتّخذ الحجّ معناه الحقيقي في أبعاده الحسية والروحية.

للحجّ وقت معلوم من اليوم الثامن من شهر ذي الحجّة إلى الحادي عشر أو الثّاني عشر منه، له شروطه وهي: العقل، والبلوغ، والحرّية، والاستطاعة: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}.

في تمام كلّ هذه المناسك، لا يمكن استشعار تأثيرها وفعلها المباشر إلّا على من قام بها بصدق، وعظّم الشّعائر، تنوير ونقلة نوعية جسدية ونفسية، وتحوّلات حقيقيّة فرديّة وجماعيّة.

قال -صلى الله عليه وسلم-: «من حج فلم يرفث ولم يفسق يرجع كيوم ولدته أمه». رواه البخاري وأحمد والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة.

«ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة». أخرجه مسلم عن عائشة -رضي الله عنها-.

ولمّا سُئل: «أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا قال: الجهاد في سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال حج مبرور». رواه البخاري.

الحجّ هو الركن الخامس، وهو الركن الشامل والكامل للعبادة، ففيه يتجلّى التّوحيد، وتمارس الصّلاة والزّكاة والصّوم، وفيه إعادة تشكيل للجسد والنّفس كأنّما بُعث من جديد.

الحجّ عرفة؛ معرفة لمن قصدت ووحّدت، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56)، يقول العارفون يعني ليعرفوني؛ إذ لا عبادة بدون معرفة.

الحجّ تمثل لكل الوجود، وخرق للمكان والزّمان، الكعبة هي مركز الأكوان، تمثيل للعرش على الأرض، والحجر الأسود (الأسعد)، ومقام إبراهيم، وبئر زمزم ليس من هذه الدنيا، بل من العوالم العليا.

الحجر الأسود من حجارة الجنّة، ومقام إبرهيم ما هو إلا تمثيل لمقامه في السماوات العليا (رآه سيّد الأمّة في السّماء السّابعة في الإسراء والمعراج)، وبئر زمزم عين من عيون الجنّة، وطوافنا وسعينا ومناسكنا هي تمثيل لكلّ حركيّة الكون في تسبيحها للخالق (دوران عكس عقارب السّاعة)، ومثل الطّائفين حول بيته في السّماء الدّنيا تطوف الملائكة حول العرش في الملأ الأعلى.

للحجّ إذًا وظيفة أساسية في إصلاح الأفراد، ومن ثمَّ الجماعات، وتأهيلها فلمَّ لا نرى على أرض الواقع نتيجة ملموسة لذلك؟

الحجّ اليوم.. الواقع المؤسف

للأسف أُفرغت المناسك من روحها ومقاصدها؛ لتصبح طقوسًا لا تؤدي أيّة وظيفة، إلا الربحيّة لمن نصّبوا أنفسهم خدمًا للحرمين، الذين استغلّوا المشاعر المقدّسة لتكريس هيمنتهم وسلطتهم السّياسية، وأدخلوا المشاعر وما تعنيه من قداسة في دهاليز السياسة، وما تحويه من دناسة، وفي الحقيقة ليسوا هم الوحيدين أو الأوّلين مَنْ فعلوا ذلك؛ فمنذ فجر الدولة الأموية كانت ولا تزال الأهواء السياسية والطموح في الهيمنة والسّيطرة، بل والصراعات الطائفية والمذهبية، هي التي تحرّك رعاية وخدمة الحرمين الشّريفين، حيث كانت رعايتهما بالرمزية بمكان، ومنها تستمدّ شرعية أيّ سلطان، غير أنّ هذا التوظيف السّياسي صار جليًّا، وواضحًا، وفجًّا منذ وصول آل سعود للحكم، الذين وكأنّهم يعتبرون الحرمين ملكيّة خاصّة، لا دخل لبقيّة المسلمين في شأنها، ففي بداية نشأتها سبق وأن منعت أهل الشام والعراق من الحجّ والعمرة، كما حرمت 7 آلاف عراقي من ذلك منذ سنوات، وهي تقوم بعدم إعطاء تأشيرات حجّ للبعض المخالف لها سياسيًا أو مذهبيًا، وتمنحها باعتبارها رشوة لمن يساندها، كما فعلت مع أعضاء البرلمان المصري، وقد لوحظ هذا التوظيف السياسي خصوصًا مع اندلاع الأزمة الخليجية الأخيرة؛ حيث فرضت شروطًا ترتقي إلى المنع على المواطنين القطريين، الذين يبغون الحجّ أو العمرة، في حين سمحت لأحد الصهاينة بتدنيس الحرمين، في سعيها المحموم للتطبيع من الكيان الصّهيوني؛ طمعًا في شرعية افتقدتها من شعبها، لتستمدّها من ولائها للخارج.

ولعلّه من من المضحكات المبكيات، تلك الدّعوات الأخيرة لاستدراج القطريين للحجّ مباشرة، بعد القبض على ثلاثة منهم، ووصمهم بالتهمة الجاهزة الإرهاب، وبعد أن كان الحرمان الشريفان من المفروض أن يكونا مكانين آمنين لكلّ زائر يرنو الطمأنينة، صارا فخًّا ومصيدة.

تسييس الحجّ؛ جعل البعض يدعو إلى تدويل الحرمين، وهي دعوة لا تخلو أيضًا من التّوظيف السّياسي، وربّما قفزة نحو المجهول والفوضى؛ إذ لا يجب إنكار مجهودات القائمين على خدمة المشاعر المقدّسة، وما اكتسبوه من تجربة في إدارتها، إذ ليس المقصود بتغيير أشخاص أو هيئات بل تصحيح لمناهج وسلوكيات، بإخراج وتحييد المقدّسات من دنس السياسة والصراعات.

الحرمان ليسا ملكيّة خاصّة لأيّ كان، وهما مركزا اهتمام كلّ مسلم، وإيرادات الحجّ التي تقدّر بـ16.5 مليار دولار، من المفترض أن تمسّ كلّ مسلم، ومن العار أن يموت أحدهم جوعًا، بينما تذهب أموال المسلمين هدرًا وهباءً منثورًا، أو أن تمتلئ بها جيوب إيفنكا ابنة ترامب. فلا بدّ إذًا من ترشيد وتصحيح المسار، وإيجاد صيغة تشاركية لمراقبة إدارة الحجّ؛ عن طريق علماء الأمّة، وتحت نظر منظّمة المؤتمر الإسلامي مثلًا؛ لفكّ استبداد واحتكار طرف بعينه لمشترك مقدّس، حتّى يستعيد بعده الوظيفي من إصلاح الذّوات وتأهيلها.