عقدة المندوبة السابقة للولايات المتحدة في الأمم المتحدة، سوزان رايس، أنّها حينما ولدت في 1964، كان نضال مارتن لوثر كينغ من أجل الحقوق المدنية في أوجه، أي أنّها عاصرت جزءا من الصراع لإنهاء التفرقة العنصرية في أميركا وذاقت مراراتها.

منذ تعهدها بوضع إسرائيل ضمن قائمة أولوياتها، بعد توليها منصب مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، فتحت كوة الإعلام نيرانها على نيكي هيلي مواصلة بذلك سلسلة من الإدانات كانت هي بطلتها المؤججة لغضب الإدارة الأميركية تجاه فلسطين والدول العربية. أول ما لفت نظر الدبلوماسيين في مقر الأمم المتحدة هو التبجّح غير المحدود الذي تتحدث به نيكي هيلي، ما جعلها تتفوق على سوزان رايس التي تسلمت المنصب نفسه، مندوب الولايات المتحدة الدائم لدى الأمم المتحدة (2009-2013) خلال إدارة الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، قبل تعيينها مستشارة للأمن القومي الأميركي (2013-2017).
على الرغم من أنّ نيكي هيلي كانت من أشرس منتقدي ترامب في حملته الانتخابية، منذ كانت حاكماً لولاية كارولينا الجنوبية، ولم تخفِ رأيها الصريح، وذلك بالتحذير من أنّ انتخابه سيكون وبالاً على الدبلوماسية الأميركية، ونبّهت إلى روحه الانتقامية من منتقديه، إلّا أنّها كسبت ثقته في النهاية. وأسباب ذلك لم تعد غريبة عند البحث في تكوين شخصية ترامب، غريبة الأطوار. المعروف في تعيين ترامب إدارته أنّه لا يعتمد على الخبرة والمعرفة كثيراً إلّا في المجال العسكري، أما في التعيينات الدبلوماسية فهو يرى أنّ أفراد إدارته فوق الأمم المتحدة ومجلس الأمن، حتى وإن كانوا من أجهل الناس طُرّاً. ولذلك جاء تعيينه هيلي لأنها لا تتخذ من المؤسسية مرجعاً لقراراتها وتصريحاتها، ولعقدة النقص التي تعاني منها، امرأة من أقلية مسالمة، تركّز في طموحها على العلم والاقتصاد وتبتعد عن أضواء السياسة قدر الإمكان. ولكن عند هيلي تظهر هذه العقدة، وتطفو بشكلٍ واضح في تصريحاتها، وتحاول إخفاءها بمفردات قوية مثيرة للانتباه والحنق.
من أوجه التشابه بين سوزان رايس ونيكي هيلي دعمهما المستميت إسرائيل، فقد دافعت سوزان رايس عندما كانت مستشارة الأمن القومي الأميركي عن موقف وزير الخارجية الأسبق، جون 
“تميزت رايس بشخصيتها القوية والاتكاء على معلومات وإنْ مفبركة وهيلي المتبجّحة غارقة في الجهل”

كيري، بعد الانتقادات الإسرائيلية التي وجهت له إبّان تعثر المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، بسبب تصريحاته عن إمكانية خضوع إسرائيل لعقوبات دولية وعزلة مفروضة إذا انهارت مفاوضات السلام. وهذا الدفاع دعمته بمقولتها الواثقة بأنّ سجّل كيري فيما يخص دعم أمن إسرائيل وازدهارها صلبٌ ولا يرقى إليه الشك. وهي بهذا تترفع بالتقييم من مستوى الأشخاص إلى مستوى حكومتها في قولها أيضاً إنّ موقف الحكومة الأميركية واضح وثابت، ويتلخص في أنّها ترفض الجهود الهادفة إلى مقاطعة إسرائيل، أو نزع الشرعية عنها. وعندما زارت إسرائيل في عام 2014، قبل انهيار محادثات السلام الفلسطينية – الإسرائيلية، لم تختتم زيارتها بوضع نهاية للصراع، ولا بضمان نجاح المفاوضات، بل جاءت تأكيدا على موقف الولايات المتحدة الداعم لإسرائيل. بل استخدمت قوة شخصيتها وصلابة مواقفها في الاحتفاظ بهامش المناورات، وموازنة الصراعات بالتحرّك بين القدس ورام الله.
وأكثر من هذا الدعم تقدّمه نيكي هيلي لإسرائيل، فقد وقّعت قبل توليها هذا المنصب على تشريع حكومي، لإحباط حملة مؤيدة للحق الفلسطيني، تتمثل في مناهضة الاستثمار في إسرائيل، ما جعل الأخيرة أول من رحب بترشيحها لهذا المنصب. وذهبت إلى أبعد من ذلك، عندما هددت بقطع المساعدات عن الدول التي تصوّت في الجمعية العامة للأمم المتحدة لمصلحة قرارٍ يلغي قرار ترامب بشأن وضع القدس، حين قالت: “أنا أنتعل حذاء بكعب عالٍ ليس من أجل الموضة، ولكن لركل أي شخص أراه يوجّه انتقاداً خاطئاً لإسرائيل”. وبذلك اشتهرت باستماتتها في الدفاع عن موقف دونالد ترامب، بعد اعترافه بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، وتصريحاتها بعد صدور قراره. ومما أثير في هذا الشأن اتهام الصحافي الإسرائيلي، جدعون ليفي، المساند حقوق الشعب الفلسطيني، هيلي بالجهل بالقضية الفلسطينية، وأنّها أكثر إسرائيلية من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
تعاني المرأتان من عقدة تفسّر سر صداميتهما في قضية الحقوق الإنسانية بشكلٍ عام، ووقفتهما مع القوي ضد الضعيف. عقدة سوزان رايس أنّها حينما ولدت في 1964 كان نضال مارتن لوثر كينغ من أجل الحقوق المدنية في أوجه، أي أنّها عاصرت جزءا من الصراع لإنهاء التفرقة العنصرية في أميركا وذاقت مراراتها. وانتقلت بترسباتها النفسية هذه لتسقطها على قراراتها، واتضح ذلك في مناصرتها إسرائيل ومواقفها مع جنوب السودان ضد حكومة الوحدة في الشمال، فقد وصفها الخطاب الرسمي في السودان، في ذاك الوقت، بأنّها تكنّ حقداً على السودان وعداءً، بسبب خلفيتها الزنجية وانكسارها النفسي ومرارات التفرقة العنصرية.
أما نيكي هيلي فاتهمتها صحيفة واشنطن بوست في 2017 بأنّها تحمل آراء عنصرية وعرقية لا جدال فيها، وكثيراً ما تنتقد السود وتتهمهم بارتكاب جرائم، كما أنّها هاجمت المهاجرين المكسيكيين، ودعت إلى ترحيل المهاجرين غير الشرعيين، فضلاً عن انتقادها أيضاً باراك أوباما، إذ اعتبرته متساهلاً في مكافحة الإرهاب لأنّه “مسلم سري”. وقد يكون لنشأتها في مجتمع كارولينا الجنوبية ثنائي العرق (أبيض وأسود) دورٌ في عنصريتها، فقد روي عنها أنّها عندما كانت في الخامسة من عمرها دخلت، هي وشقيقتها/ في مسابقة “ملكة جمال بامبرغ الصغيرة”، حيث تتوج هذه المدينة تقليدياً ملكتي جمال سوداء وبيضاء. ولكن تم استبعاد 

“تعاني المرأتان من عقدة تفسّر سر صداميتهما في قضية الحقوق الإنسانية بشكلٍ عام، ووقفتهما مع القوي ضد الضعيف”

الشقيقتين من المسابقة بقرار من القضاة، بأنّ الشقيقتين لا تنتميان لأي فئة.
وعلى الرغم من أنّ سوزان رايس التي حظيت باهتمام الساسة والباحثين في العلاقات الدولية، لمواقفها الصريحة والمحددة والصارمة أحياناً في الملفات الدولية، فإنّها لم تسلم من التعرّض لأصلها وعِرقها، كما أنّ هيلي تعرضت لانتقادات عديدة، مسّت أصولها ومعاناتها من الدونية التي حولتها إلى صقرٍ في ظلِّ ترامب.
أما أوجه الاختلاف بين سوزان رايس ونيكي هيلي، فإنّ رايس تميّزت بشخصيتها القوية والاتكاء على معلومات، حتى وإن كانت مفبركة، ولكن هيلي المتبجّحة تبدو غارقة في الجهل، ولا تستند تصريحاتها إلى أي معلومات من أي نوع، بل هي تكرار لخطر فات ترامب، ولا تتوانى عن استخدام ألفاظ بذيئة لدعم موقفه.
نموذجان فقط من الخطاب الأميركي الرسمي يتمثّل في سوزان رايس ونيكي هيلي، ويقدّم، في الوقت نفسه، مادة حية للبنية السياسية الأميركية. يستند هذا الخطاب إلى نوع من التمثيل الذي تقدمه وتغذيه الروايات الثقافية والتاريخية والاجتماعية، للآخر الموسوم بالدونية والاختلاط في بلد الحريات والليبرالية واستخدامه اضطهاد غيره، وهو تصور ينهض على التمايز والتراتب والتعالي، وبكثير من الروايات التي تعمل على تراكم الصور النمطية المتخيلة الناتجة منه، في المخيّلة التي تدّعي نقاء العرق، وتكون قد قادتنا قريباً جداً من العصر الوسيط ونظامه القيمي المعياري.