النضال في بلادي أصبح غير النضال المعروف في باقي البلدان الأخرى، النضال في بلادي أصبح أضحوكةً؛ حيث المناضلون في بلادي يتنافسون على صفة من هو المناضل الأفضل والأجدر بالقيادة وبلقب القائد الناجح، يتنافسون على من يكون في نظر جماعته وقواعد حزبه وفي عيون الشعب القائد المثالي، وذلك بأفعال يقومون بها معتقدين أنّهم بذلك على معايير ومواصفات المناضل المطلوب اليوم لحلحلة مشاكل حزبه ولبناء رؤية مثالية وخطّة استراتيجية لجماعته، ومتناسين بأنّ هذه التصرّفات والأعمال التي يقومون بها ما هي إلاّ أوهام، وهذا ربّما لجهل منهم بصفات المناضل الحقيقي.

المناضلون في بلادي أصبحوا يتنافسون على من يملك أكبر عدد ممكن من الأصدقاء في مواقع التواصل الاجتماعي كفيسبوك وتويتر وغيرهما، فهم يطلبون الصداقات ويقبلونها كلّها مهما كان أصحابها، كبارًا كانوا أم صغارًا، رجالًا كانوا أم نساءً، من حسابات حقيقية كانت أم مستعارة… إلخ، معتقدين بذلك أنّ هذا يجعلهم أكثر شهرة وأكثر تأهيلًا للقيادة، متناسين في ذلك دروس وعبر كثيرة لسياسيين وناشطين اجتماعيين كانوا يملكون الملايين من الأصدقاء الافتراضيين ولكنّهم وجدوا أنفسهم وحدهم في المحطّات الميدانية التي احتاجوا فيها لهذه الملايين.

كما أصبح المناضلون في بلادي يتسابقون على من ينشر أكبر قدر ممكن من الصور الشخصية، حيث تراهم ينشرون صورهم وهم في اجتماعات وفي حفلات وتظاهرات، وصورهم مع شخصيات سياسية ورياضية وثقافية وعلمية وفنيّة وكل من له شهرة في مجاله، ويوهمون أنفسهم بأن أصدقاءهم الافتراضيين سيعتقدون بأنّهم ذوو مكانة كمن يأخذون معهم هذه الصور.

لقد مللنا من هؤلاء وهم ينشرون صورهم الشخصية هنا وهناك، صورهم مع عائلاتهم وأبنائهم وأصدقائهم، صورهم في المناسبات العامة والخاصة، صورهم وهم نائمون ويفطرون وعلى شاطئ البحر… إلخ، بل فيهم من استعمل هاتفه الذّكي على مدار 24 ساعة لنقل كلّ حركاته اليومية بالصور والفيديوهات، كما يعملون بشكل دوري على إرسال التهاني والرسائل النصّية القصيرة المنمّقة لكل من له مكانة في نظرهم من باب كسب لقب وصفة المناضل الوفيّ، لا من باب الواجب النضالي أو من باب الأخوّة والصداقة.

المناضلون في بلادي صاروا يتنافسون على من يحضر أكبر قدر ممكن من المحطّات الحزبية الداخلية، وحتى الخارجية، سواء لجماعات موالية، أو حتى معارضة ليبيّنوا بهذا أنّهم الأكثر بناءً وملكًا للعلاقات مع الآخرين في نفس الساحة، وبأنّهم ليسوا منغلقين على أنفسهم. وصرنا نراهم يصرّون على تسجيل حضورهم في كل المحطّات والجلسات والمناسبات، حتى يكون «سجلّهم النضالي» مؤثّثًا ومرصّعًا، وعامرًا بالجولات «النضالية».

المناضلون عندنا يتميّزون بالقدوم المتأخّر للّقاءات للفت انتباه الآخرين كما يفعل النجوم والمشاهير، بل يغادرونها مبكّرا بلحظات أيضًا لنفس السبب والغرض، موهمين أنفسهم قبل الآخرين بأّنهم منشغلون دومًا وبأنّهم أصحاب التزامات عديدة ومشاريع كبيرة، متناسين بأنّ الاجتماعات في حضورها وتحضيرها وإدارتها واحترام مواقيتها فنّ ومهارة.

ومن موضة هؤلاء اليوم أنّهم صاروا يملكون عضوية في أكثر من مؤسسة، فمنهم من هو عضو في حزبه السياسي وعضو في جمعية خيرية وأخرى ثقافية، ومسؤول في لجنة حكومية وأخرى مهنية… إلخ، معتقدين أن امتلاك العضوية في أكثر من كيان لدليل على قيمتهم ومكانتهم، ولو نظرت إلى سجلّهم النشطوي وما يقومون به لوجدتهم يقتصرون على الحضور فقط، طبعًا هذا من أجل امتلاك فرص البقاء دومًا في القيادة والحفاظ على أكبر نسبة من الحقوق، جاهلين بما يعرف بالتخصّص النضالي.

وممّا أصبح يقوم به المناضلون في بلادي أنّهم صاروا يحفظون مجموعة من الشعارات الرنّانة والطنّانة والمقولات الشهيرة والجديدة في الساحة السياسية لقياداتهم الحالية والتاريخية لدرجة أنّهم صاروا يملكون قاموسًا من هذه العبارات التي يردّدونها في كلّ مناسبة ولقاء، وكلّما سنحت لهم الفرصة لفعل ذلك، وهذا بهدف كسب إعجاب الآخرين.

كما أنّهم يبحثون عن مقدّمات جذابة من أجل لفت انتباه الآخرين لهم ولخطاباتهم التي صاروا يحفظونها قبل كلّ موعد بدل أن يتركوا للمستجدّات وللظروف الزمانية والمكانية صناعة هذه الخطابات.

وفي بلادي أيضًا صار المناضل يشحذ صوته ويطوّعه عن طريق الصياح والصراخ من أجل القدرة على إثارة الجعجعة والضجيج  المرفق عادة بالتلويح بإيماءات وإشارات اليدين، ويتسابقون على تعلّم لغة الجسد، معتقدين بأنّ رفع الصوت في المجالس وأمام الآخرين هو من صفات المناضل الشرس وصاحب الحق والأفكار الجميلة، فصرنا نخشى الفوضوية والعنف في تدخّلاتهم بدلًا عن أن تكون هذه الأخيرة هادئة كهدوء الحقّ وأصحابه.

وممّا انتشر في أوساط المناضلين ببلادي الفكاهة والسخرية السياسية، أي استعمالهم للنكت التي تدور في الساحة السياسية من سقطات وهفوات لمسؤولين ووزراء متناسين أنّ كل هذه الأخيرة قد تكون بأمر مقصود لتسييب الساحة السياسية وتحويلها لساحة فكاهية، وبالتالي يبتعد المناضلون بذلك عن هدفهم المنشود، كما نسوا بأنّ المزاح ليس من سّمات الأمّة الجادّة والمجاهدة.

وعندما تجالس هؤلاء تجد أن مجمل حديثهم اليومي يتمحور حول البيانات والبلاغات والوقفات، والإضرابات، والحوارات، والمكتسبات والملفّات… إلخ، وبالمختصر المفيد صار حديثهم «نضاليًا» بالكامل.

إنّ بمثل هذه الحركات والأعمال يعتقد هؤلاء بأنّهم يمكن أن يصيروا «مناضلين كاملين» يُهاب جانبهم ويحترم شخصهم. وأنّهم صاروا الأشخاص المفقودين في جماعتهم والمطلوبين على جناح السرعة للقيادة، وأنّهم سيحصلون على تزكية الآخرين وصك النضال الحقيقي، ولا يهمّهم بعد ذلك إن كانوا مخّلصين أو منافقين سياسيين، ولا يهمّهم إن كانوا انتهازيين أو أصحاب فكرة ومبدأ، وهم بذلك في معايير النضال الحقيقي بعيدين كل البعد عن صاحب قيم ومواصفات المناضل الحقيقي.