يصعب تحديد متى بدأت الأفكار الجيوبوليتكية في الظهور، فهي قديمة قدم الفكر الإنساني في حضاراته القديمة. ارتبطت الأفكار الجيوبوليتكية وقتها بالظروف الجغرافية المحيطة. ولأن السياسات القديمة كانت يحكمها فكرة الوحدات الجغرافية المتكاملة (مثل وادي النيل الذي تكونت فيه الدولة المصرية القديمة، ومابين النهرين الذي تكونت فيه دول سومر وآشور وبابل)، فقد كان من الطبيعي أن تظل الصحاري والجبال مناطق متميزة خارج الدولة أو داخل نفوذها السياسي غير المباشر، وكان من الطبيعي أيضًا أن تقيم هذه الدول معسكرات لجنودها في أقاليم الحركة المستمرة للرعاة لإجبارهم على احترام الدولة وإقامة علاقات تجارية معها، أو لإخماد ثوراتهم وحركاتهم الغازية. شكلت بالطبع فترات ضعف الدولة وتراجع نفوذها الفرصة السانحة لإجتياح الرعاة مثل الهكسوس مصر، أو اجتياحهم بابل وممالك العراق القديم.

أدى استمرار الصراع بين المناطق الجبلية حيث البداوة ومناطق الاستقرار، حيث الزراعة إلى ظهور دول قوية في الهضاب المحيطة، مثل ميديا والإخمينيين في هضبة إيران بالقرب من العراق، والحيثيين في هضبة الأناضول بالقرب من مصر. كانت السياسة الجيوبوليتكية المتبعة من الدولة المصرية وقتها تقوم على الصراع بعيدًا عن الأراضي المصرية، وعليه فقد امتدت سيطرة المصريين حتى جبال طوروس لكي يؤمنوا المنطقة كلها حتى حدود المملكة الحيثية في هامش هضبة الأناضول. وبذلك امتدت جيوبوليتكية مصر لتضم الساحل الشرقي للبحر المتوسط. اختلفت بعدها النظرة الجيوبوليتكية للإغريق عن الرومان عن العرب المسلمين عن أوروبا النهضة والتنوير. كان مفهوم الجيوبوليتيك حاضرًا في ذهن نابليون بونابرت عندما قال كل دولة تمارس السياسة التي تناسب جغرافيتها. مع المؤرخ السويدي رودولف كلن (1864-1922م) تم صك مصطلح الجيوبوليتيك، كان يرى أن الجغرافيا يجب أن تسخر لخدمة الدولة لتتحول بذلك الجغرافيا إلى جيوبوليتيك.

الطائرة سوف تغير جغرافيا العالم وتاريخه

كان للتقدم الكبير الذي أحرزه الطيران في ثلاثينيات القرن العشرين ودوره الفعال في الحرب العالمية الثانية أثره الكبير في تغيير الفكر الجيوبوليتيكي. خمسة أعوام مضت على انتهاء الحرب العالمية الثانية ليضع ألكسندر دي سفرسكي الضابط الروسي في القوات الجوية السوفيتية كتاب (القوة الجوية: مفتاح البقاء). رسم في هذا الكتاب خريطة للعالم على أساس المسقط القطبي للمسافات والانحرافات الصحيحة، أصبح النصف الغربي للعالم يقع تبعًا لذلك في جنوب القطب، والنصف الشرقي الممثل في أوراسيا يقع في شمال منطقة القطب. حدد سفرسكي على الخريطة دائرتين صغيرتين، الأولى تمثل القلب الصناعي الروسي، والثانية القلب الصناعي الأمريكي، أما الدائرتان الكبيرتان المتداخلتان فإن الأولى تمثل منطقة السيادة الجوية للاتحاد السوفيتي، وهي تضم الجزء الأكبر من قارة إفريقيا وجميع جنوب شرق آسيا والحافة الشمالية من إستراليا، بينما تضم الدائرة الثانية منطقة السيادة الجوية الأمريكية ممثلة في أمريكا الشمالية واللاتينية.

No automatic alt text available.


أما النطاق الذي يتداخل فيه النفوذ الروسي والأمريكي فقد سماه سفرسكي منطقة تحديد المصير، فمن يملك السيادة الجوية يسيطر على هذه المنطقة، ومن يتحكم في هذه المنطقة يسيطر على العالم كله. وتضم منطقة التداخل هذه أمريكا الشمالية وأوروبا وأفريقيا شمال الصحراء الكبرى ومعظم آسيا والجزر البريطانية والجزر اليابانية. قلل سفرسكي تبعًا لذلك من نظريات القوة البحرية والبرية، بالرغم من أن استراتيجية الألمان والسوفييت في الحرب العالمية الثانية كانت ترى في القوات البحرية والجوية تكميلًا للسلاح الرئيس في الحرب وهو القوات البرية. كما أن سفرسكي أعطى للقطب الشمالي أهمية كبيرة تفوق الواقع، إذ اعتبره أخطر منطقة في العالم والمسيطر عليه، سواء أمريكا أو بريطانيا أو الاتحاد السوفيتي يكتسب قوة كبيرة ترجحه في الصراع مع القوتين الأخريين.

السلاح النووي: هل مازلنا بحاجة إلى اللوجستيك؟

مع القوة النووية تلاشت العلاقة بين الحجم وقوة التدمير، فبعد أن كانت الإستراتيجية التقليدية تقول: إن تدمير مدينة يحتاج إلى نحو ألف طائرة، فرضت الإستراتيجية النووية كلمتها لتقول بأن تدمير نفس المدينة لا يحتاج سوى طائرة واحدة تقوم بحمل السلاح النووي لتؤدي المهمة نفسها وربما أكثر. بل إن ظهور الصواريخ الحاملة لرؤوس نووية والعابرة للقارات جعل الوقت محسوبًا بالدقائق، على العكس من الطائرة التي يحسب وقتها بالساعات.

أما ميدان المعركة فقد انفتح بلا حدود وأصبحت كل بقعة مؤثرة في قوة العدو مهددة بالسلاح النووي، بعد أن كان السلاح التقليدي يحصر المعركة في مكان محدود، وبذلك فإن فرعًا من فروع الإستراتيجية وهو اللوجستيك قد انقلبت أصوله رأسًا على عقب، فلم تعد هناك مشكلة في نقل المعدات ولا نقل الجنود، طالما أن الصواريخ العابرة للقارات تستطيع إصابة ما تشاء من الأهداف في جميع بقاع العالم. ترتب على ذلك أن نظريات مثل الهارتلاند لماكندر والنطاق الساحلي لسبيكمان لم تعد بذات الأهمية التي كانت عليها قبل ظهور السلاح النووي.

هل نلقي نظرة الوداع على الجيوبوليتيك؟

إذًا تغير الوضع مع التطور الذي طرأ على التكنولوجيا العسكرية والنووية، تراجعت أهمية العوامل السياسية الكلاسيكية، الديمغرافية، الإقتصادية، الحضارية وحتى تلك المتعلقة بالإقليم الأرضي. كانت العوامل الجغرافية في السابق هي العوامل الوحيدة التي أثرت على العلاقات الدولية. ساهم التطور التكنولوجي (سواء العسكري أو غيره) في تسريع مسار العولمة بشكل جعل عاملي المسافة والأرض يبدوان عاملين أقل أهمية. لذلك همش مسار العولمة الجيوبوليتيك وألقى الانتباه على حقل الإقتصاد أساسًا، وعلى تعاون السوق العابر للأمم. وبذلك يمكن القول أن العولمة قد قتلت الجيوبوليتيك.

ولكن حيث أن التفكير الجيوبوليتيكي يتعقب النشاط البشري بكافة أشكاله، فإن الجيوبوليتيك تستطيع أن توسع مجالات بحثها، فمن الأرض إلى البحر إلى الجو إلى الفضاء الخارجي، بل حتى الفضاء الافتراضي (السيبرناتيكي) الذي أصبح ميدانًا للصراع بين لاعبين وقوى مختلفة قد يصلح مجالًا لدراسة الجيوبوليتيك. في العام 2010 كتب أحد علماء السياسة الفرنسيين كتابًا أسماه جيوبوليتيك العاطفة، قسم فيه العالم إلى ثلاث، حسب العاطفة المهيمنة في كل إقليم منه، وهي الأمل (آسيا)، الإذلال (العالم الإسلامي)، الخوف (أوروبا). وهكذا فإن النواحي والجوانب التي يتم منها إحياء الجيوبوليتيك تتوالد بلا هوادة. كما أن الجيوبوليتيك لم يعد يكتفي بإعطاء أجوبة عن الأسئلة الكبرى مثل من سيحكم العالم؟ وأن من يسيطر على قلب الأرض أو النطاق الساحلي (الريملاند) يتحكم في مصائر العالم، بل أصبح الجيوبوليتيك الجديد يعترف بالمستويات الإقليمية والمحلية للتنافس، كما أنه يتناول مختلف اللاعبين في العلاقات الدولية (وليس فقط القوى الكبرى) مثل المنظمات غير الحكومية، الأقليات الإثنية والدينية، الحركات الإرهابية، فلم يعد اهتمامه محصورًا في الدولة وحسب. لهذا السبب فإن الجيوبوليتيك سوف يظل ذا أهمية في الوقت الحاضر، وإن اختلفت الإشكالات المعاصرة عن الإشكالات التي تناولها الجيوبوليتيك الكلاسيكي.