تحية لرجلين كان لهما الفضل العظيم في قيام البلدان العربية. تحية لمن سطرا هويتنا الجديدة التي صارت اليوم تمثل حقيقتنا كما حلما بذلك. تحية لسايكس وبيكو مؤسسا الهوية العربية الحديثة. كل التقدير لموهبتهما في استعمال المسطرة، فلم يفلح بعدهما أحد في تغيير خطوطها. وكل الإعجاب بحكمة رؤيتهما التي لا أدل على عمقها غير عجز الزمن عن إطاحتها لليوم، بل قدرتها على تجنيد أنبياء لها من ضحاياها أنفسهم، يواصلون رعاية مضمونها عقودًا وعقودًا بتفان لم يكن يسكن قلبي الرجلين نفسيهما بالحجم نفسه!

الصدق مع الذات يقتضي أن نعلن موت الهوية العربية بصفة رسمية. فلم يعد يجمع بين العرب اليوم غير العداء. اللغة دفنت تحت تجبر اللهجات القطرية، والماضي المشترك عوضه تاريخ قرن من الفرقة. موجة الفكر القومي لم تأت إلا بثلاث سنوات من وحدة ثنائية انتهت بطلاق أبدي. اللاآت الثلاث تمت خيانتها من داخل برلمان العدو المشترك. الجنود العرب اجتاحوا أراضي عربية، وأراض عربية استعملت منطلق دمار لدول عربية. القدس عاصمة عزتنا المغتصبة راحت لمغتصبها بمباركات لا تغيب فيها أياد عربية. فرقة وخذلان وخيانات هذه حقيقة عروبة لم يعد يجسدها على الأرض غير برامج المواهب، بغرض توسيع دخل التصويت لا غير.

الغريب في هذا الواقع كله، أن كيانًا عقيمًا هو بيت كل هذا الفشل ما زال يصر على احتضان الجسد العربي الذي فقد روحه منذ زمن؛ ليكلفنا المزيد من نفقات رعايته في موته السريري. جامعة الدول العربية التي لم تفلح سوى في تفرقتها، هذه المؤسسة التي نطالب بإجراء استفتاء شعبي عربي عن شرعية وجودها من عدمه، باتت على الأقل بالنسبة لي لا تحمل أي قيمة تذكر، بل تعمل تمامًا عكس الأهداف التي سطرها لها تأسيسها. هؤلاء المصرون على اعتناق كراسي مؤسسة لا تمثل غير من يعملون بها، ومن يدينون لهم بالولاء، صارت لا تشرف في مواقفها، ولا تفاهة عملها، ولا فشل أدائها أحدًا. حتى أشد المؤمنين بعروبة محتضرة لا يمكنهم اليوم إيجاد ما يعينهم في الدفاع عن جامعة تطرد أعضاء بقرار من أعضاء، وتخدم صوتًا ضد الآخر، وتتمنى حروب العرب ضد العرب.

حان الوقت ليتغير أسلوب المطالبة بالتغيير في عالم العرب؛ ليتحول إلى مطالب بالتدريج. وأول هذه المطالب التي قد تجمعنا في نظري، يمكن أن يكون إنهاء وجود هذه المؤسسة المترهلة، التي يسكن مكاتبها ويتحمل مسؤولياتها جيل من الكهول، لا قبل له باستيعاب طموح الأجيال الجديد في بناء اتحاد حقيقي قائم على مؤسسة مفعلة الدور، منتخبة الأعضاء، تحمل همومها بصدق، وتستطيع تداولها دون خوف من الاصطدام بالنزوات السياسيات، والصراعات الأيديولوجية لمن يملكون قرار الدول الأعضاء. هؤلاء الذين يرفضون إلى اليوم طلب دول كتشاد دخول مؤسستهم دون أسباب منطقية، لا يمكنهم تمثيل مشروع تجمع لأنهم ضالعون في صناعة الفرقة، وتأجيج النزاعات بين الأعضاء. الجامعة العربية تبذير لنفقاتها التي يمولها دافعو الضرائب من كل الدول العربية، وهم يملكون حق المطالبة بحلها؛ لأن أداءها بات معيبًا لا قيمة مضافة له بكل بساطة.

ما أوصلنا إليه حاملو فكر سايس وبيكو حفاظًا على سلطتهم هو واقعنا اليوم، والتفاعل المنطقي والعقلاني معه ما دمنا غير قادرين على فرض الرغبة الشعبية الفكرية في إشاعة الأخوة والتعاون بيننا، هو إطلاق رصاصة الرحمة على هذا الجسد العفن، المسمى شططًا وظلمًا للواقع جامعة لدولنا. وليحيا كل منا واقعه وفق مصالحه، وليتمتع المستفيدون من هويات قطرية بفرقة سيأتي بالقطع أمثال سايكس بيكو مجددًا ليجعلوها مجهرية.