إن الحداثة في كثير من الأحيان أفضل بكثير من الظروف التي عاش فيها الغالبية العظمى من البشر على مدى التاريخ كله تقريبًا. ولكن، إلى جانب فوائدها الواضحة، تسببت الحداثة في مجموعة خاصة من المشاكل في حياتنا، والتي من الحكمة أن نحاول أن نحلها أو على الأقل أن نفهمها.

‏ومن دون تقديم حلول «لأن الأصل في المقالة القادمة هو تفكيك المشكلة وليس إيجاد حل لها» هناك أمراض ناشئة عن بعض الأفكار الرائدة في الحداثة.

‏1- الوصول إلى الكمال

أحد المبادئ الأساسية في المجتمعات الحديثة هو الإيمان أن الكمال في متناول أيدينا، وأن العلم – أكثر الأدوات قيمة في عصرنا- يضمن لنا أننا في نهاية المطاف سنكون قادرين على التغلب على كل ما يزعجنا من ألم، وغباء، وحروب. إنها ببساطة مسألة وقت حتى نصل إلى الكمال.

‏تشدد مجتمعاتنا على فكرة أنه بمقدورنا – أفرادًا ومجتمعات- السعي لتحقيق الكمال، فقد تأسس العصر الحديث بسبب التطورات المذهلة في كل مجال من مجالات الحياة: تعلمنا أن ندفئ بيوتنا ونبردها، وأن نطعم أنفسنا بشكل مناسب، وأن نتجاوز الكرة الأرضية وحدود بلداننا، وأن نهزم المرض والإعاقة.

‏إن التطورات العديدة التي تسببنا فيها أعطتنا ثقة لا مثيل لها، مما نتج عنه إيماننا أن التقدم هو شرط مسبق للوجود. نحن نعلم أننا قد نواجه في الوقت الحالي تحديات وانتكاسات كبيرة على مستوى الكرة الأرضية، وأن هناك الكثير من الأدلة التي تشير إلى نزوعنا المستمر للعناد والغباء.

‏لكننا نرفض بعناد أن نعترف بحتمية هذه المشاكل، فهي كما ننظر إليها – بغباء- علامة على تقدم متأخر.

إن نتيجة هذه الرؤية الكبيرة للتقدم الإنساني هي أن عيوبنا المستمرة تؤثر علينا تأثيرًا أكبر: نحن عرضة، أكثر من أسلافنا، لأن نشعر بالإحباط العميق حول كل ما يزال يتحدى إرادتنا.

‏لذلك نستجيب للركود الاقتصادي بالغضب على غباء أولئك الذين يقودون اقتصادنا، ولا نود الاعتراف بأن المجتمعات البشرية عبارة آلات معقدة بشكل كبير، ثم نسارع بالاستنتاج أن سبب تعاسة العلاقات هم الأشخاص الخطأ، ولا نحمل أنفسنا اللوم.

‏في عصر الحداثة، لم نعد نعمل فقط من أجل المال، بل لإشباع أرواحنا وحس إنتاجيتنا. أما بالنسبة لنفسياتنا، صرنا نؤمن بأننا قادرون على التغلب على أي تشويش، وأي صدمات في طفولتنا، من خلال العلاج النفسي.

‏على مدى التاريخ، تصالحنا مع صعوبات الحياة المستمرة، لكن مع الحداثة، ولدت فكرة جميلة: بإمكان الحياة أن تكون سهلة مثالية ولطيفة بسبب ذكاء الإنسان، وتطوره المستمر.

كانت أصول هذا الفكر نبيلة، ولكن نتائجها غريبة وغير متوقعة: فنحن غالبًا ما نكره أنفسنا، ونستنكر الظروف الفعلية لحياتنا.

‏2- التفاؤل

المجتمعات الحديثة مجتمعات متفائلة، تحثنا هذه المجتمعات على أن نقبل على الحياة بصدر رحب، وأن نعيش بمعنويات عالية. تذكرنا دائمًا بأن توقع أن تسير الأمور على ما يرام هو أفضل طريقة للتأكد من أنها سوف تسير على ما يرام في الواقع.

‏لكن لطالما كان تفاؤلنا لعنة، فعندما تلتقي توقعاتنا المشمسة بعقبة ما، يكون من السهل جدًّا عليها أن تنقلب إلى غضب، إن الأمل الذي خذلنا يضعنا في خطر التهيج والانفعالات.

تشترك هذه السلوكيات في أنها بدأت بالتفاؤل، إنها إرث الشعور بأنه من المفترض أن تكون الأمور أفضل بكثير مما آلت إليه.

‏فإننا غالبًا ما نشعر بالصدمة، والإهانة من غباء الآخرين، وإخفاق المؤسسات الحكومية، وجشع التجار وأنانيتهم، وانتشار أخطاء لا مبرر لها. نشعر بالغضب من الحالة التعيسة للعالم: كل هذا الغضب سببه أن حياتنا قد استهلكتها خيبات الأمل.

‏علاوة على ذلك، فإننا مدفوعون للتخيل بأن التفاؤل سيجعلنا أكثر جاذبية للآخرين، ولكن في الواقع تبعدنا هذه النظرة المتفائلة عن التواصل مع من حولنا؛ لأن في داخلنا جميعًا مناطق عميقة من القلق والأسف والعار، نحب أن نراها تنعكس في الآخرين، ولا يمكننا رؤيتها حين يكون الآخرون متفائلين دائمًا.

‏إنه الاعتراف «بوجود مثل هذه المناطق المظلمة فينا» الذي يتيح لنا أن نكون قريبين حقًّا من الآخرين، تماما، كما أن التفاؤل المستمر هو الذي سيعزز – على نحو غير متوقع- وحدتنا.

‏3- الفردية

أو الفردانية، وهي عادة أو مبدأ الاستقلالية، والاعتماد على النفس.

على مدى التاريخ، كل ما كان مطلوبًا لفهم هوية الشخص مجموعة من الحقائق التي جرت تسويتها في لحظة الولادة: نعرّف هوية الفرد من خلال جنسه، جنسيته، لونه، دينه، ونسبه، والدرجة الاجتماعية لأسرته.

‏لكن في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، بدأت أيديولوجية جديدة وضعت نفسها ضد كل صدف الولادة، وأعطت للعالم أسلوبًا آخر في الحياة، وهي فلسفة ديناميكية واعدة تعرف اليوم بالفردية. «تعاني المجتمعات العربية من التفكير الجمعي إلى الآن، والذي يحارب الفردية، لكن أجيال اليوم بدأت تعتنق الفردية».

‏عندما نقابل شخصًا للمرة الأولى، فإننا لا نسألهم عن أسلافهم، أو دينهم، أو المكان الذي نشأوا فيه. نسألهم، أولًا وقبل كل شيء، عن وظيفتهم، لأن العمل أصبح، أكثر من أي شيء آخر، هو بوتقة فرديتنا وتفردنا.

‏ومع ذلك، فإن العلاقة بين العمل والانتماء الذاتي قد أوجدت مشاكل جديدة؛ لأن الهوية القائمة على المهنة هي بطبيعتها هوية غير مستقرة أبدًا: فنحن عرضة للترقية، والتكريم، وفي الوقت نفسه عرضة للطرد، أو إنهاء الخدمات والتقاعد. بذلك تكون هوياتنا في تذبذب بين الأمل والخوف.

‏ومما يزيد من اضطراب هويتنا القائمة على وظائفنا، هو استمرار وجود المنافسة في اقتصاد السوق: يعتمد وضعنا على انتصارات الآخرين وانتصاراتنا عليهم. يمكننا أن نصبح مثيرين للإعجاب فقط إذا فشل الآخرون. وإذا نجحوا فإن مستقبلنا يفقد بريقه.

في نهاية المطاف نرغب في أن يغرق الآخرون؛ لأنه في كل مرة يفعلون ذلك، تعزز مكانتنا الخاصة في سلم النجاح. بدون أي خبث مقصود، قمنا ببناء عالم من التنافس النفسي والاجتماعي. الفلسفة الفردية التي تركز على المهنة تعني أن ما نقوم به خارج العمل المدفوع الأجر يبدو غير مهم.

‏إن جهودنا مع عائلاتنا، وصداقاتنا ليس لها حساب في نظر الآخرين، كإجابة حقيقية لمسألة «ما إنجازاتك؟»؛ لأن هذه النجاحات الشخصية منفصلة عن الراتب، وهكذا يجب أن تنكمش بدورها في أعيننا.

‏هناك مفارقة ساخرة: كان من المفترض أن الفردية تسلط الضوء على شخصياتنا الفريدة، وتعطينا بُعدًا مختلفا لهوياتنا وما يشكّلها، ولكنها في الواقع، قد خفّفت تخفيفًا حادًا من إحساسنا بهوياتنا.

‏ليس من الغريب إذن أن يكتشف عالم الاجتماع إيميل دوركهايم حقيقة الانتحار في المجتمعات المتطورة: أنه كلما أصبح المجتمع أكثر فردية، ارتفع معدل الانتحار.

‏4- الاستثنائية

الإدراك أن مجموعة من الناس، أو بلد، أو مجتمع، أو فترة زمنية هي «استثنائية» بطريقة ما.

تؤكد المجتمعات الحديثة باستمرار أنه بإمكاننا تحقيق مستقبل باهر، ومصير عظيم للبشرية. مهما كانت العقبات يمكننا التغلب عليها بالعمل الجاد، والإرادة، وبالتالي رسم مستقبل مثالي واستثنائي.

نحن الأفراد قد نصل إلى كواكب أخرى، أو نجمع ثروات، أو نحكم البلاد، أو نجري اكتشافات مذهلة في العلوم، أو ننتج فيلمًا: لا يتعين علينا أن نكون عاديين. يمكننا، من خلال مجهودنا وتألقنا، الخروج من القطيع. هذا التشديد على البطولة مشجّع جدًّا فنشعر بأننا نستطيع –مهما كانت العقبات– أن ندهش العالم.

‏معظمنا سنكون من ذوي الدخل المتوسط، بعلاقات عادية، ومظهر خارجي متوسط، ​ومواهب عادية. في أي جانب من جوانب الحياة –وبأي نوع من السعي– لا يمكن أن يبرز  بوصفهم استثنائيين سوى جزء صغير من الناس.

‏لكن على الرغم من أنه من المقدر أن نكون عاديين، فإننا نعيش في ثقافة تهمل أو تهين هذه الحقيقة الأساسية. ثقافة تؤكد على نجاح الزواجات، على الرغم من أن 95% من الارتباطات هي مجرد تنازلات مقبولة. هذه الثقافة تتحدث عن وظائف عظيمة، على الرغم من أن 95% من فرص العمل غير متاحة.

‏نتيجة لفكرة «الاستثنائية» ينتهي بنا الأمر إلى استنكار الظروف الواقعية لحياتنا، ونكره أنفسنا لعدم قيامنا بالمزيد من العمل، ونحسد بشدة أولئك «الجزء غير العادي من المجتمع» الذين انتصروا، وفوق كل هذا نهمل تقدير الصفات العادية اللطيفة التي نتمتع بها.

‏5- الجدارة والاستحقاق

تؤمن مجتمعاتنا إيمانًا راسخًا بمفهوم الجدارة، أي الإيمان بأننا يجب أن نكون أحرارًا في إنجاح حياتنا إذا كان لدينا ما يكفي من المواهب والطاقة، وأنه لا ينبغي أن تكون هناك عوائق أمام جهودنا، والتي عادة تقوم على الطبقة، أو الجنس، أو العرق… إلخ.

‏تلتزم جميع الأصوات في المجال السياسي بأيديولوجية تنص على أن أسمى شكل من أشكال العدالة السياسية، هي أمة يستطيع فيها الموهوبون أن ينهضوا مهما كانت خلفياتهم، ودياناتهم، وجنسهم، أو لونهم. وهكذا أصبح المجتمع المثالي مرادفًا للمجتمع المدفوع بفكرة الجدارة الاستحقاق.

‏ومع ذلك، تحمل هذه الفكرة الطيبة بعض الانعكاسات الأقل جاذبية: إذا أردنا أن نؤمن بأن الناجحين في القمة يستحقون نجاحهم، فعندئذ يجب على أولئك الذين في الأسفل أن يستحقوا فشلهم. من وجهة نظر الجدارة، ننتقل من التفكير بأن الفقراء يستحقون العطف إلى التفكير فيهم على أنهم يستحقون فقرهم.

‏إن المجتمع الذي يعتنق فكرة الجدارة والاستحقاق بتطرف يحول الفقر من حالة شريفة «إن لم تكن مؤلمة»، أو سيئة الحظ، إلى دليل على عدم الكفاءة الشخصية. ونتيجة لذلك فإن عبء الفشل يرتفع باطراد سريع في هذه المجتمعات.

‏6- المركزية البشرية

العصر الحديث يعتنق فكرة المركزية البشرية، أي إنه يضع البشر، وخبراتهم، ومخاوفهم في أعلى التسلسل الهرمي فوق طبيعة الحيوانات، حتى الآلهة أو الكون على نطاق أوسع. ولم يكن الأمر هكذا على الدوام: فقد رفضت الديانات تقليديًّا إعطاء البشر مكانة محورية في الكون.

‏صور الإغريق آلهتهم يعيشون على قمة جبل أوليمبوس، وينظرون إلى البشر بمزيج من التسلية والشفقة. أما البوذية فقد أعطت النباتات والحيوانات مكانة أكثر أهمية من أي مخلوق آخر، وقدمت اليهودية والمسيحية للعالم الحياة البشرية على أنها صغيرة، وغير مؤثرة في الغيب الذي يعلمه الله وحده.

‏مع تراجع الإيمان بالدين، تبنت المجتمعات فلسفة المركزية البشرية: لقد حددت هذه المجتمعات أن البشر أهم الأشياء الموجودة في الكون. حررت هذه الفلسفة المجتمعات من بعض أوهام الأديان وخرافاتها، ولكن هذا التحرر جلب نوعًا من المعاناة غير المتوقعة:

‏‏وهو إحساس بعدم إدراكنا لأهميتها مقارنة مع بعض الآخرين الناجحين. لقد أطلق العنان لسيل من الحسد والشعور بعدم الكفاءة. توجه المجتمعات الدينية أعينها نحو الله لتذكرنا بأننا – كل واحد منا- في علم الأقدار وبالنسبة للكون الواسع مخلوقات تكاد تُنسى ولا تُذكر.

‏ولكن في عصرنا الحالي، لا يوجد ما هو أهم من البشر: ما يحدث لنا «هنا والآن» هو كل ما هو مهم. وهكذا فإن كل شيء يسير على نحو خاطئ، كل ما يحبطنا أو يخجلنا يملأ الأفق. إن فكرة وجود شيء أكبر، وأعظم، وأكثر قوة منا «وندين له بالحب والطاعة»، قد جردت من قوتها من أجل تقويتنا.

‏تسمح لنا النظرة غير المركزية أن ننظر إلى أنفسنا على أننا غير مهمين بشكل جميل: كم من الوقت يمكن أن نعيش، سواء كنا ناجحين أم لا، جمالنا وذكاؤنا أمور غير مهمة من وجهة نظر الآلهة، سواء في السماء، أو جبل أوليمبوس، أو الكواكب البعيدة.

‏أما في الحداثة، تُركنا بدون هذه الراحة والتسلية، تُركنا بإحساس ثقيل بأهميتنا الخاصة في كون غير كامل، وعشوائي، وغير متساو.