fe3ff434-f021-4c87-8888-a09f115ef6d6.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

معن البياري

وحدها الجامعة الأردنية في عمّان، من بين نحو عشرين جامعة، حكومية وخاصة، تدرّس الفلسفة، ما يعود إلى أن “سوق العمل” يخلو من فرص شغلٍ للخريجين. وليس مقبولا تذرّع وزارة التربية والتعليم الأردنية بسببٍ كهذا للإبقاء على عدم تدريس الفلسفة.

نال بعضُهم في “السوشيال ميديا” من الوزير والتربوي الأردني، والإخواني العتيق، إسحق الفرحان، مع وفاته قبل أيام عن 84 عاما، بدعوى أنه من أوقف تدريس مادة الفلسفة في مناهج التعليم الثانوية، إبّان كان وزيرا للتعليم، في السنوات الثلاث الأولى من السبعينيات. وخيض جدالٌ في هذا الاتهام، طيّبٌ ومحمودٌ، وإنْ شابتْه أحيانا لغة استقطاب رديئة، لكنه انتهى بثبوت براءة الرجل من تلك الفعلة، وهو الذي كانت إسلاميّته وإخوانيّته، بداهةً، وراء تحسّسه من الفلسفة، وعدم حماسِه لتدريسها، غير أنه، للحقّ والحقيقة، لم يرتكب ما اتُّهم به، بل إن مشاركا في السجال أشهر صورة خطابٍ موقّع من الوزير إسحق الفرحان في 1972، يوجّه فيه بتدريس كتابٍ تعليمي محدّد في الفلسفة، للثالث الثانوي (الفرع الأدبي)، لثلاثة مؤلفين (أحدهم فهمي جدعان). وفي الأثناء، أعلن أستاذٌ مخضرمٌ في قسم الفلسفة في الجامعة الأردنية اتهاما آخر ضد الفرحان الذي كان رئيسا للجامعة في نهايات السبعينيات، بأنه سعى إلى إغلاق هذا القسم، لتعطيل تدريس الفلسفة، ولم يفلح، غير أن أستاذا آخر مخضرما في القسم نفسه أوضح لكاتب هذه السطور أن هذا الكلام غيرُ صحيح.
للأسف، لم تلتقط الصحافة المحلية الأردنية هذه “المناوشة”، وكان يُؤمل منها أن تتقصّى هذا الموضوع وحواشيه ومساره، في محاولةٍ لاستكشاف أسباب إلغاء مادة الفلسفة من التدريس الثانوي، قبل أزيد من أربعين عاما، وما إذا كانت المسوّغات تعود، كما قيل، إلى نفوذ محافظين إسلاميين إخوانيين على وزارة التربية والتعليم، وقسم المناهج فيها، في تلك السنوات. وإذا صحّ ذلك، فلماذا لم يحدث تراجعٌ لاحقا عن هذا القرار، سيما وأن مداولات إصلاح التعليم، وورشاته ونقاشاته، في الأردن، لم تنقطع. ولماذا لا يستشعر خبراء التعليم والتربية الأردنيون الحرج من موقع بلدهم بين قلةٍ من الدول العربية تستنكفُ عن تدريس الفلسفة في ثانوياتها (دول الخليج، ليبيا، العراق، جيبوتي، السودان)، فيما مناهج التعليم الثانوي في لبنان وسورية وتونس والمغرب والجزائر ومصر وموريتانيا..، تشتمل على الفلسفة، وإنْ يمكن النقاش بشأن محتوى مادّتها التي يتم تدريسها، والتي تعرّضت، في بعض الدول العربية، إلى جولاتٍ من التعديلات عليها، وإعادة النظر فيها، ما أفقد، أحيانا، تعليم الفلسفة للناشئة في المدارس الجدوى المأمولة منه. وهذا موضوعٌ عويصٌ، من تفاصيله أن تدريس الفلسفة كان في غير بلد عربي (المغرب مثلا) من قضايا الاستقطاب والصراع السياسي المحلي، وانعقدت بشأنه سجالاتٌ حادّة، بدت تعبيرا عن تنازع السلطة ومعارضيها بشأن واحدٍ من أهم موضوعات التحديث العام في البلاد. وفي كل الأحوال، ثمّة حاجةٌ إلى سجالٍ يشتبك مع الإسلاميين بصدد تحسّبهم وريبتهم من الفلسفة، والارتفاع بنقاشٍ عالي القيمة في هذا الشأن، يتم في غضونه طبعا الخروج من لغة التّربص والفوقية والتعالم التي تؤثرها نخبةٌ واسعةُ من المثقفين العرب تجاه هؤلاء، وهي اللغة التي كثيرا ما تأخذهم إلى رداءة القول، كما فعل بعضُهم أخيرا بشأن إسحق الفرحان. ومطلوب أيضا من الإسلاميين أن يتخفّفوا من نبرة الاتهامات المبتذلة والشتائم المسبقة، ليمكن تاليا اللعب بفروسيةٍ، بروح علميةٍ رصينة.
وحدها الجامعة الأردنية في عمّان، من بين نحو عشرين جامعة محلية، حكومية وخاصة، تدرّس الفلسفة، ما يعود إلى أن “سوق العمل” يخلو من فرص شغلٍ للخريجين. ويمكن قبول تفسير الأمر على هذا النحو، غير أنه ليس مقبولا أبدا تذرّع وزارة التربية والتعليم بسببٍ كهذا للإبقاء على إبعاد الفلسفة من مناهج التعليم. وإذا كانوا في الدول المتقدمة في الشرق والغرب يدرّسون الفلسفة لتلاميذ المرحلة الابتدائية، ضمن مساقات الابتكار والتمارين الذهنية مثلا، وإذا كانت العربية السعودية تعرف نقاشا الآن في صحافتها عن ضرورة تدرس الفلسفة في الجامعات والثانويات، فإن الوسط التربوي في الأردن، من أصحاب القرار، ومن أهل النقاش المستديم بشأن إصلاح التعليم، مدعوون إلى إعادة الاعتبار إلى الفلسفة، بعد الإهانة التي لحقت بها، لمّا تم توقيف تدريسها في الثانوي (الأدبي)، وذلك بتدريسها مجدّدا، منذ قبل الثانوية إنْ أمكن، سيما موضوعاتُها التي تساهم في تنمية ملكات التفكير النقدي والعقل السجالي، وفي التعريف بقيم الحرية والحق والجمال.. هل من يقرأ ويفكّر ويفعل؟

إعجاب تحميل...