هل حقاً كان لإسرائيل موقفٌ يمكن القبض عليه تماماً، وتشخيصه على وجه الدقة، طوال السنوات السبع الماضية من عمر المأساة السورية المؤلمة؟ وهل كان لدى الدولة العبرية دور خاص بها، لعبته من وراء ستار؟

بوتيرة متسارعة، ولغةٍ لا تقبل التأويل، بدأت إسرائيل تفصح، شيئاً فشيئاً، عن موقف مختلف عن الذي اعتمدته سابقاً إزاء الأزمة السورية، وراحت منذ عدة أسابيع تُسمع صوتها بصورة أوضح من قبل، في ما يخص مآلات المشهد السوري المتشكل حديثاً، وتتبنّى، في الوقت نفسه، مقاربةً جديدةً حيال التطورات الميدانية أخيرا في المحيط المجاور لهضبة الجولان المحتلة، وتلعب، فوق ذلك كله، دوراً أكبر في إطار لعبة الأمم الجارية الآن على خشبة مسرح سياسي أوسع من نطاق الجغرافيا المستباحة قياماً قعوداً على مدى سبع سنوات دامية.
ولعل السؤال هو؛ هل حقاً كان لإسرائيل موقفٌ يمكن القبض عليه تماماً، وتشخيصه على وجه الدقة، طوال السنوات السبع الماضية من عمر المأساة السورية المؤلمة؟ وهل كان لدى الدولة العبرية دور خاص بها، لعبته من وراء ستار، في ما بدا أنه عملية انتحار ذاتي، وتفكّك لمقومات البلد العربي الأخير المهدّد، نظرياً، لأمن حدودها الشمالية؟ ثم هل كان لهذا الكيان المدجّج بالقوة العسكرية، والمسكون بتحسباتٍ لا نهاية لها، رؤية خاصة به، سعى إلى طرحها على هذا النحو أو ذاك، ومن ثمّة تسويقها على اللاعبين الإقليميين والدوليين المتبارزين فوق رقعة الشطرنج السورية؟
ليس من شك في أنه كان لدى إسرائيل موقف ما إزاء المجريات السورية، أقرب ما يكون إلى دور الغائب الحاضر. وعلى الرغم من ملموسيته الضئيلة، إلا أنه ظل موقفاً ملتبساً طوال الفترة الزمنية السابقة، قوامه الترقب والانتظار وعدم التورّط في ما أسمتها حكومة نتنياهو حرباً أهلية، أو الانجرار عميقاً في دهاليز الأزمة المفتوحة على مزيد من التعقيدات الإضافية،
“ليس من شك في أنه كان لدى إسرائيل موقف ما إزاء المجريات السورية، أقرب ما يكون إلى دور الغائب الحاضر”

وبالتالي لم تطبق من رؤيتها الخاصة تلك إلا ما يتعلق بثلاثة خطوط حمراء، لا تخص تطورات الحرب الداخلية، أهمها منع نقل أسلحة نوعية كاسرة للتوازن من إيران إلى أيدي حزب الله، والحيلولة دون وصول المليشيات الشيعية إلى حدود الهضبة السورية المحتلة.
وبالمحصلة شبه النهائية، كانت إسرائيل أقل القوى الإقليمية حضوراً في خضم الأزمة السورية، وكان تدخلها الحذر أضعف فاعليةً من تدخلات اللاعبين الآخرين، قياساً بالإيرانيين والأتراك على الأقل، ناهيك عن الأميركيين والروس، وربما الأردنيين والعرب الخليجيين، وذلك على الرغم من كل ما كان يتم تحميله للعدو المتربص من اتهامات عن مسؤوليته في استمرار المأساة السورية، سواء من قوى النظام المفعم بنظرية المؤامرة الكونية، أو من قوى المعارضة، وهي اتهاماتٌ كانت تصبّ، بالمجان في صالح الصورة التي تشتهيها إسرائيل، باعتبارها دولة ذات نفوذ طاغٍ في شؤون دول المنطقة العربية وشجونها.
على ضوء سلسلة طويلة من المتغيرات المتسارعة في الآونة الأخيرة، وتحديداً منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، أوائل مايو/ أيار الماضي، شرعت إسرائيل في جلاء موقفها الملتبس إزاء الأزمة السورية دفعة واحدة، وأخذت تُعدّل في سياستها الكلية، أساساً تجاه الوجود الإيراني المتغلغل في الجغرافيا اللصيقة بحدودها الشمالية، باستهداف الحرس الثوري وغيره من المليشيات الحليفة، على نحوٍ شبه يومي، وبصورة دفعت الجمهورية الإسلامية إلى شن حرب كلامية شعواء ضد إسرائيل، مهدّدة بتسوية تل أبيب وحيفا بالأرض، وإزالة الغدة السرطانية من الخريطة.
لم تغيّر إسرائيل من سياستها السورية المعهودة طوال السنوات السبع الماضية، ولم تبادر إلى فض التباسات موقفها التقليدي الحذر، إلا بعد أن نسقت ذلك مباشرة مع إدارة دونالد ترامب التي وضعت إيران هدفا مركزيا أول في استراتيجية الدولة العظمى الوحيدة، وبعد أن ساومت موسكو، أيضاً، على مقايضة موقفها من مستقبل نظام الأسد، بموقف روسي مقابل إزاء الوجود الإيراني المنافس للدولة الممسكة بحل مفاتيح الأزمة السورية، وهو أمرٌ إن لم يكن قد تحقق وراء أبواب مغلقة، عبر الزيارات المتتابعة لكبار المسؤولين الصهاينة، وفي مقدمتهم نتنياهو، فإنه في طور التحقق الوشيك، عندما تعود قوات الأسد إلى تخوم منطقة وقف إطلاق النار، وفق ترتيبات فك الاشتباك لعام 1974.
لا قرينة أوضح على تبدل الموقف الإسرائيلي حثيثاً من سورية المشتتة المنهارة، ما قاله بنيامين نتنياهو عقب زيارته أخيرا موسكو (الثالثة هذا العام) إنه لا مشكلة لإسرائيل مع نظام الأسد الذي لم يطلق رصاصة واحدة على الجولان منذ أكثر من أربعين عاماً، ناهيك عما ذكرته الصحافة الإسرائلية قبل أيام أن حكومة نتنياهو هي التي أعطت الإذن لقوات الأسد بدخول 

“نتنياهو عقب زيارته أخيرا موسكو: لا مشكلة لإسرائيل مع نظام الأسد الذي لم يطلق رصاصة واحدة على الجولان منذ أكثر من أربعين عاماً”

محافظة درعا، بمشاركة روسية كاملة، على أن لا تشترك المليشيات الإيرانية في العملية العسكرية التي كانت، في واقع الأمر، أقرب ما تكون إلى عملية تسليم وتسلّم، انخرطت فيها قوى عديدة، بما في ذلك الولايات المتحدة.
ويبدو أن الشرط الإسرائيلي الأكثر أهمية، والذي لم يتضح إلى الآن ما إذا كانت موسكو قد قبلت به كلياً، كان متمثلاً في تعهد روسيا بالعمل على سحب القوات الإيرانية مسافة 60 – 80 كيلو متراً عن حدود الهضبة المحتلة، أي إخلاء المنطقة الواقعة بين دمشق والجولان من أي وجود إيراني، بما في ذلك حزب الله اللبناني، الأمر الذي سيجعل من هذا الوجود المكشوف تماماً، في حالة امتناع إيران عن الاستجابة له، هدفاً مباشراً لغارات سلاح الجو الإسرائيلي، مع غض بصر روسي أوسع مما كان عليه الحال في الفترة السابقة.
من غير المحتمل أن تكون موسكو قد استجابت للمطلب الإسرائيلي هذا بلا ثمن مجزٍ، حتى وإن كان ذلك لقاء الحفاظ على استمرار حكم الأسد، لا سيما أنها تواصل استخدام الوجود الإيراني هذا ورقة مساومة مع الولايات المتحدة الأميركية، حيث تتحدث مصادر عن احتمال عقد “صفقة قرن” جديدة في قمة هلسنكي اليوم بين الرئيسين، الروسي بوتين والأميركي ترامب، تبادل واشنطن بموجبها الوجود الإيراني في سورية، ولو تدريجياً، بتلبية مصالح ومطالب روسية ملحة، لعل في مقدمتها رفع العقوبات الأميركية، وربما الاعتراف بسيادة روسيا على جزيرة القرم، أو غير ذلك مما لم يفصح عنه بيان أول قمة بين زعيمي القوتين الكبيرتين منذ دخول ترامب البيت الأبيض.
بكلام آخر، نحن أمام مشهد سوري آخذ في التشكل على أيدي قوى إقليمية ودولية متشابكة المصالح، تلعب فيه إسرائيل دوراً قيادياً أكبر مما كان عليه هذا الدور في أي وقت مضى، وتمضي فيه من طور فاعل إلى طور أشد فاعلية، بفعل عاملين اثنين توفرا لها في الفترة الزمنية الأخيرة؛ أولهما حاجة موسكو الملحة لتحويل مكاسبها العسكرية إلى إنجازات سياسية، قبل أن تفلت اللحظة المواتية من بين أيديها، وثانيهما رغبة واشنطن الأشد إلحاحاً على إضعاف إيران وعزلها بكل السبل الممكنة، الأمر الذي وفر قوة دفع جديدة لإسرائيل، كي تضاعف من فاعلية تدخلها المتكئ على استراتيجية أميركية، يقع في قلب القلب منها تقويض اللاعب الإيراني في الشرق الأوسط، وحمله على تغيير سياساته الخارجية.
وبنظرة استشرافية لما قد يلي من متغيراتٍ أشمل نطاقاً من الرقعة السورية، تبدو إسرائيل في هذه الآونة السياسية المفتوحة على احتمالاتٍ لا تصبّ أي منها في صالح أشرعة السفينة الإيرانية التي على الأرجح وصلت إلى برزخ مليء بالنتوءات الصخرية الحادة، تبدو كأنها سفينة كاسحة للألغام، تتقدّم مدمرة أميركية مبحرة في مياه إيرانية ملائمة، أو قل كعامل مسرّع في تفاعلاتٍ سياسية كبرى، قد تبلغ ذروتها الأولى لدى فرض حزمة العقوبات الأميركية على إيران في أغسطس/ آب الوشيك، فيما ستبلغ ذروتها القصوى في أوائل نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، عندما يتم إحكام الحصار المالي والنفطي على الجمهورية الإسلامية التي تقف سلفاً على حافة انهيار اقتصادي غير مسبوق.