85090610-5021-4b3d-b892-4df9a9924d4f.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

رافد جبوري

إذا كانت التظاهرات في بغداد صيف 2015 قد وضعت آمالها على رئيس الحكومة، حيدر العبادي، ووعوده بالإصلاح ومحاربة الفساد، إلا أنه مع عدم تقديمه نتائج ملموسة، تحولت تلك الآمال تدريجيا خيبات كبيرة. وقد شاهد العبادي، وسمع ذلك، في البصرة.

ترتفع درجات الحرارة في الصيف في العراق لتتجاوز الخمسين درجة مئوية، ما يُحدث وضعا صعبا جدا، خصوصا عندما يتزامن مع انقطاع التيار الكهربائي ساعات طويلة. وتفجر تلك الأوضاع تناقضات كثيرة، وتوترات ذات طابع سياسي واجتماعي. وقد جاءت التظاهرات التي بدأت في محافظة البصرة الجنوبية، وامتدت إلى أنحاء أخرى في جنوب العراق، في هذا التوقيت الساخن، فمع ارتفاع الحرارة إلى أكثر من خمسين درجة مئوية عدة أيام، تفجّر غضب البصريين. وقد رفعت أولى التظاهرات مطالب تتعلق بشحّ مياه الشرب في البصرة، وسوء نوعيتها، بالإضافة إلى سوء الخدمات العامة الأخرى. ومع استخدام قوات الأمن القوة، وسقوط أول ضحية في التظاهرات، وهو سعد المنصوري، انتفضت عشيرته (بني منصور)، وتضامنت معها عشائر أخرى، رافعين مطالب واسعة.
“رفعت أولى التظاهرات مطالب تتعلق بشحّ مياه الشرب في البصرة، وسوء نوعيتها، بالإضافة إلى سوء الخدمات العامة الأخرى”

السبب الرئيسي وراء هذه التظاهرات هو المأزق الاقتصادي الذي تعيشه حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي واجه، في بداية توليه منصبه قبل أربع سنوات، أزمة انخفاض أسعار النفط العالمية. وكان ردّه عليها إجراءات تقشّف شاملة، وإيقاف التعيينات في القطاع الحكومي، المتخم أصلا بالبطالة المقنعة، لكن تلك السياسة شكلت قنبلة موقوتة، فمع استمرار تدفق مئات آلاف الشباب العراقيين إلى سوق العمل، وضعف القطاع الخاص، وقلة فرص العمل التي يوفرها وعدم احتوائها على ضماناتٍ، كانت النقمة الشعبية تتزايد، خصوصا بين الشباب. وإذا كانت التظاهرات التي اندلعت في بغداد صيف عام 2015 قد وضعت آمالها على العبادي، ووعوده بالإصلاح ومحاربة الفساد، إلا أنه مع عدم تقديمه نتائج ملموسة، تحولت تلك الآمال تدريجيا خيبات كبيرة. وقد شاهد العبادي، وسمع ذلك، عندما توجه إلى البصرة مباشرةً بعد عودته من مؤتمر دولي في بروكسل، معتقدا أنه سيحل المشكلة بالوعود مرة أخرى، فاقتحمت الجماهير مقر إقامته في فندق الشيراتون، مرددين هتافاتٍ تنعته بالجبن.
ليست العشائر قوة ثورية تقدمية. وفي البصرة تحديدا، يعبر كثيرون عن استيائهم من لجوء العشائر المتكرّر إلى استخدام السلاح في مواجهاتها مع بعضها، لكن خيبة المواطنين من الحكومة والأحزاب السياسية، وحتى المؤسسات الدينية، تبدو كبيرة. لذلك كان الغطاء العشائري مهما، خصوصا مع امتلاك الأحزاب المسيطرة السلاح وأدوات القمع داخل الدولة وخارجها. وقد لاحظت العشائر، في البصرة تحديدا، عدم تغيير العبادي سياسة التقشف، على الرغم من ارتقاع أسعار النفط العالمية، فلجأت إلى الاحتجاجات، وتحركت مباشرةً نحو مقرات شركات النفط العالمية التي تعمل في البصرة، حيث الجزء الأكبر من ثروة العراق النفطية، ويخرج الجزء الأكبر من إنتاجه النفطي الذي يتجاوز حاليا الأربعة ملايين برميل يوميا. في لحظةٍ، تعبر عن حجم الأزمة التي تعيشها الإدارة الحكومية للاقتصاد، طالب المحتجون الشركات الأجنبية بتوفير الوظائف والخدمات العامة، مثل رصف الطرق وتوفير مشاريع الماء والكهرباء.
التظاهرات الحالية ناقمة تماما على كل الطبقة السياسية، وقد استهدف المتظاهرون مقرّات الأحزاب الشيعية المتنفذة في البصرة ومحافظات جنوبية أخرى، لكن هذه التظاهرات لم تمتد إلى المناطق ذات الغالبية السنية شمال بغداد، على الرغم من أن الوضع هناك سيئ أيضا. والسبب أن تلك المناطق ما زالت تعاني من دمار عمليات الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وأن أي تحرك احتجاجي سيتم التعامل معه بقسوة، إذ تنظر السلطات إلى أي تحرّك احتجاجي هناك بنظرة شك في أنه قد يكون مقدمة لعودة تنظيم داعش. ولذلك باتت تلك المناطق عمليا خارج اللعبة الاحتجاجية، فهي أضعف، وأكثر تمزقا من أن تمارس أي نشاط ذي طبيعة تنسيقية اجتماعية أو سياسية.
لجأت الحكومة العراقية، بعد فشل زيارة العبادي إلى البصرة، إلى سياسة التعامل الأمني مع التظاهرات في الجنوب، ورددت الاتهام التقليدي بوجود مندسّين بين المتظاهرين، يريدون 

“لجأت الحكومة العراقية، بعد فشل زيارة العبادي إلى البصرة، إلى سياسة التعامل الأمني مع التظاهرات في الجنوب”

التخريب. حجبت الحكومة أيضا الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وهي خطواتٌ أثارت مزيدا من الاستياء. قدمت حكومة العبادي، في المقابل، حزمة من الوعود بالإصلاح في البصرة تحديدا، وفي العراق عموما.
ربما تستمر هذه التظاهرات، وتتطور إلى شيء أكبر، وربما تخفت مع هبوط درجات الحرارة، وانقضاء فصل الصيف، لكن الأزمة السياسية والاقتصادية في العراق مستمرة، فالأسابيع والأشهر تمضي منذ الانتخابات النيابية من غير تشكيل حكومة، وفي ظل قناعة شعبية راسخة بأن إيران وأميركا هما من تحددان من يشغل منصب رئاسة الوزراء والمناصب الكبرى الأخرى في الحكومة العراقية. كما أن ملامح الأزمة الاقتصادية واضحة في استمرار العراق واحدا من أكثر الدول فسادا، واستمرار اعتماده التام على النفط موردا شبه وحيد للدخل الوطني، مع ضعف القطاع الخاص، واعتماده على الحكومة، والموت البطيء لقطاعي الزراعة والصناعة. تلك أوضاع يعرفها جيدا ويعانيها مئات الآلاف من الشباب العاطلين عن العمل في العراق.

إعجاب تحميل...