يبدو أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي يستفيد من ضعف بنيوي في استقلالية القرار السياسي الأوروبي يقوم بتطبيق المثل: هو يتغدّى بالأوروبيين بخصوص روسيا، قبل أن يتعشّوا به بخصوص الدولة نفسها، وعلاقته المشبوهة معها، ودورها المشبوه في إيصاله إلى الحكم.

يشن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، هجوماً شديد العنف ضد الحلفاء في أوروبا، عبر تصريحات يعتبرها مراقبون تلقائية، في حين يعتقد آخرون، وربما كانوا الأكثر دقةً، أنها تعكس توجهاً مدروساً، مستندا أساساً إلى طبيعة التفكير “العقاري” و”المالي” الذي تكوّن عليه الرئيس ترامب، مضافاً إليه البعد الاستعراضي الذي “برع” فيه، وأظهر ذلك بجلاء في أكثر من مناسبة عامة، وفي أكثر من حوار إعلامي، وفي أكثر من أحاديث خاصة مُسرّبة.
وفي آخر استعراضاته، ما صدر عنه من كلام، عشية قمة الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) الأسبوع الماضي. وأقل ما يُقال عن هذا التصريح إنه غير لائق بحق المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، فقد سمح لنفسه باعتبار أن الدولة الألمانية “تقع تحت السيطرة الروسية”. وفي هذا الكلام تعبيرٌ صريحٌ عن جهل عميق بالتاريخ، وبتشكّل الدول الأوروبية، وخصوصاً فيما تلا الحرب العالمية الثانية. وقد جاء كلامه هذا في خلطٍ واضحٍ بين الملفات، والتي حاول فيها ممارسة الضغط على الدول الأوروبية، لزيادة حجم الأعباء الحربية في موازناتها، للتخفيف (كما يعتقد) من المساهمة الأميركية في “حماية” أوروبا من الخطر الروسي.
والقول إن هذا التصريح وما يُماثله تدخل في خانة القصف الكلامي العشوائي يبتعد عن عمق الواقع الأميركي في إدارة السياسة الخارجية الحالي. والأرجح أن كل ما يُقال مدروسٌ ومُعَدْ بشكل مسبق من فريق محافظ، يلتف حول الرئيس، ويحيك سياساته، ويعتمد على أسلوبه لنشر الأفكار التي تحملها مجموعةٌ مؤثرةٌ من “النخبة” السياسية الحاكمة في واشنطن.
يعتبر باحثون متخصصون بالعلاقات الأوروبية ـ الأميركية أنه، ومنذ مساهمة القوات الأميركية في الإنزال الضخم على شواطئ النورماندي الفرنسية في مثل هذه الأيام الصيفية من سنة 1945، ومنذ اعتبارها “المُنقذ” الأساسي لشعوب أوروبا عموماً، وفرنسا خصوصاً، من الاحتلال النازي، ومنذ وضعت الأموال الأولى لخطة مارشال الاقتصادية المخصصة للقارة العجوز، فلها أن تفرض تصوراتها السياسية والاقتصادية على الدول “المُحرّرة”، والتي اعتبرت أنها حليفة منذ ذاك التاريخ للإدارة الأميركية، عدا التردد المستند إلى كاريزما واستقلالية نادرة، كانت لدى الرئيس الفرنسي شارل ديغول. وعلى الرغم من تعاقب الإدارات الأميركية من ديمقراطية إلى جمهورية، فالنظرة “الدونية” والاستعلائية والتفضيلية على الأوروبيين كانت عنصراً مشتركاً لدى مجمل الإدارات بنسب متفاوتة، فلا يمكن أن ينخدع الملاحظ المهتم، ويعتقد أن إدارة أوباما، عبر خطابها المنفتح والإنساني، كانت مختلفةً كثيراً في نظرتها إلى أوروبا، وإلى ضرورة اعتراف الأوروبيين بأفضال الأميركيين عليهم.
“فرض الرسوم المرتفعة على الصادرات الأوروبية إلى أميركا إلا محاولة أيضاً لتفتيت الوحدة الأوروبية اقتصادياً”

ومن خلال الدعم الحالي الذي تقدمه الإدارة الترامبية لليمين المتطرّف والأحزاب الشعبوية في أوروبا، بشكل مباشر أو موارب، فإن السعي إلى تفتيت الوحدة السياسية الأوروبية على أقل تقدير تبدو كأنها فقرة أساسية من البرنامج السياسي الأميركي. وما السعي إلى فرض الرسوم المرتفعة على الصادرات الأوروبية إلى أميركا إلا محاولة أيضاً لتفتيت الوحدة الأوروبية اقتصادياً. وقد صرّح السفير الأميركي الجديد في برلين أخيرا، وفي صحيفة اليمين المتطرّف الألماني، إن إدارته سعيدة بصعود الأحزاب اليمينية المتطرّفة وحيازتها على أعلى الأصوات في انتخابات عدة دول، كهنغاريا والنمسا وإيطاليا. صارت إذاً المواقف واضحةً ومعلنة، علماً أن هذا الصعود المتنامي لهذه الأحزاب المتطرّفة سيساهم بلا أدنى شك في خلخلة الأوضاع السياسية في الدول المعنية، كما سينعكس سلباً على الانسجام والتعاون في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، من دون أدنى شك.
في هذا التوجّه، يلتقي العمل السياسي “التخريبي” الأميركي مع السعي الحثيث من الكرملين إلى خلخلة التجانس السياسي والاقتصادي الأوروبي الغربي. وبناءً على تصريحات مسؤولين روس سابقين، فالتفكير المضمر لدى سيد موسكو وسائر الأراضي الروسية ومن حالفها، فلاديمير بوتين، هو بالاعتقاد بمسؤوليةٍ مباشرةٍ للغرب، وخصوصاً الأوروبي منه، في السعي إلى والنجاح في تفكيك الاتحاد السوفييتي. وبالتالي، يضيف المسؤولون السابقون، فالرئيس بوتين، من خلال دعمه الأحزاب المتطرّفة والشعبوية، وحتى الحركات الانفصالية في أوروبا، يسعى إلى تفكيك الاتحاد الأوروبي، والقضاء على المشروع الأوروبي السياسي والاقتصادي.
التحالف الأميركي/ الروسي غير المعلن مبدئياً ضد المشروع الأوروبي ينعكس أيضاً على مساحات فعلٍ سياسيٍّ خارج القارة العجوز، فهو يتمخّض عن اتفاقات، سرية أو علنية، تجمعهما إلى جانب إسرائيل للتوافق على صيغة السيطرة الروسية على سورية في مقابل تطمينات إسرائيلية معينة، واستجابة سورية واضحة، منبثقة من السيادة الروسية على مصنع القرار في هذا البلد.
هجوم ترامب العنيف على الأوروبيين في قمة الحلف الأطلسي، واتهامهم بالعمل لتحقيق المصالح الروسية، يكاد أن يرسم ابتسامة سخريةٍ متألمةٍ على وجوه محاوريه الأوروبيين الذين يعلمون، كما بعض أجهزة التحقيق الأميركية، أن أحد العوامل الأساسية التي ساهمت في وصول ترامب إلى البيت الأبيض كان يعتمد على دور روسي فصيح. ويبدو أن الرئيس الأميركي الذي يستفيد من ضعف بنيوي في استقلالية القرار السياسي الأوروبي يقوم بتطبيق المثل: هو يتغدّى بالأوروبيين بخصوص روسيا قبل أن يتعشّوا به بخصوص الدولة نفسها، وعلاقته المشبوهة معها، ودورها المشبوه في إيصاله إلى الحكم.