289b80d5-dd9a-4768-9dc8-53960888c11f.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

محمد طيفوري

ما أكثر الصور في المغرب التي تكشف عن الرغبة الجامحة لدى الدولة العميقة لاسترداد تنازلات عام 2011، والتي تعتبرها اليوم سخاء مفرطا منها، لكن هذا الطموح على حساب جوانب أخرى، عادة ما لا تدخل في حسابات أنصار مثل هذه القرارات.

تواصل الدولة في المغرب استعادة هيبتها التي فرّطت فيها؛ عقب هول صدمة ربيع عربي مفاجئ، لم يدخل في حسابات صناع القرار. فبعد معركةٍ طويلة مع الأحزاب السياسية، استخدمت فيها شتى الأدوات؛ منها المسموح، وأغلبها عكس ذلك، انتهت بتنظيف المشهد السياسي من آثار الربيع المغربي، وصناعة مشهد آخر على مقاس السلطة. جاءت فرصة تأكيد ذلك إلى باقي مكونات المجتمع، من خلال العمل على ضبط عقارب الساعة على إيقاع المخزن، والإغلاق النهائي لقوس الديمقراطية شبه المفتوح، فيما سمي ذات زمان “استثناء مغربيا”.
تظهر الصور الأولى لهذه الاستعادة أنها ستكون قاسيةً جدا، وتنذر بفتح جروح عميقة في مغربٍ بالكاد اندملت في ذاكرته الجماعية جروح سنوات الجمر والرصاص. ولنا في جملةٍ من الأحداث التي وقعت في الآونة الأخيرة أكثر من شاهدٍ على رغبة السلطوية في الانتقام، وليس مجرد السعي إلى استعادة التوازن، وفرض شرعية المؤسسات، كما تدّعي.
“إصرار رعاة السلطوية على الاستمرار في ترسيخ هيبة الدولة يقود البلاد لا محالة إلى مرحلة خطيرة من التوتر”

لعل جديد تلك الصور الأحكام الصادرة في حق معتقلي حراك الريف شمال المغرب، حيث وُزعت أكثر من ثلاثمئة سنة سجنا على شبابٍ انتفضوا ضد التهميش والقهر، وطالبوا بشكل سلمي وحضاري بالحق في العيش الكريم. ليس هذا فحسب، بل أقرّت الدولة نفسها بوجود تقصير من جهتها، وبذلك تكون مطالب المحتجين مشروعة. وكان هذا الإقرار سببا وراء غضبةٍ ملكيةٍ أطاحت مسؤولين عديدين، بمن فيهم وزراء في الحكومة الحالية.
لم يدفع ذلك كله الدولة في اتجاه تبني حل سياسي، يغلّب مصلحة الوطن، في تعاطيها مع ملف الريف، ويرسخ لقيم المصالحة التي شهدتها البلاد بداية العهد الجديد. وإنما فضلت الانتصار للمقاربة الأمنية، وما تلاها من معالجة أساسها “عدالة انتقامية”، معلنةً من جانبها أن تلك المقاربة تبقى الخيار الأنسب لوقف ثقافة الاحتجاج الاجتماعي التي انتشرت وترسخت في السنوات الأخيرة.
تُعد محاكمة الصحافي المشاكس توفيق بوعشرين صاحب الافتتاحيات المزعجة التي بلغت درجة النصح فيها إلى الجهات العليا مستويات حادة. وكانت يوميته “أخبار اليوم” المغربية سببا وراء تفجير أكثر من ملف حارق في وجه الدولة العميقة، تعد المحاكمة صورة أخرى لهذه الاستعادة القاسية. فالأخطاء المرتكبة (طريقة الاعتقال، تأخر صك الاتهام، التلبس في المحضر، تضارب الشهود..) في “محاكمة القرن”، كما يصفها دفاع الصحافي، تفرض حفظ الملف، أو على الأقل المتابعة القضائية للرجل في حالة سراح، بناءً على تهم تتناسب مع ما جاء في تصاريح المشتكيات، لا المبالغة في التكييف حد فرض تهم ثقيلة مثل “الاتجار بالبشر”.
ملف الصحافي حميد المهداوي، مدير تحرير الموقع الإلكتروني “بديل أنفو”، المتابع على خلفية أحداث الريف، بتهمة “عدم التبليغ عن جنحة زعزعة أمن الدولة”، المحكوم عليه قبل أيام بثلاث سنوات سجنا نافذة، لا يخرج هذا الملف عن سياق العودة القوية إلى العقلية السلطوية في تدبير الدولة وإدارتها.
امتدت مظاهر هذا الاستقواء إلى عالم الاقتصاد، حين أخرج المخزن التكنوقراطي صلاح الدين مزوار من عالم السياسة، وهو الوزير الذي خاض غمار التدبير الحكومي، بقبعة حزب التجمع الوطني للأحرار عدة سنوات، وأقحمه في التنافس الانتخابي لرئاسة الاتحاد العام للمقاولات في المغرب الإطار المهني، الممثل لأرباب المقاولات المغاربة.
ما أكثر الصور التي تكشف عن الرغبة الجامحة لدى الدولة العميقة لاسترداد تنازلات عام 2011، التي تعتبرها اليوم سخاء مفرطا منها، لكن هذا الطموح يأتي على حساب جوانب أخرى، عادة ما لا تدخل في حسابات أنصار مثل هذه القرارات. وقد أدخل هذا المسلسل المغرب في متاهاتٍ غامضة، وحالةً من الشك وعدم اليقين وغياب الأفق في المستقبل، بعد وأد الأمل الذي راود المغاربة قبل سبع سنوات، عقب استفتائهم على دستور الفاتح من يوليوز (1 يوليو/ تموز 2011). وضاعف من أعداد الغاضبين والمحبطين والمهزومين، ممن قتلتهم الانتظارية التي أحكمت سيطرتها على كل شيء في المغرب.
وأجهز على ذاك التراكم البسيط في ثقافة المؤسسات التي بدأت تقوى بعد انتخابات 2011، فقد عمد أنصار السلطوية إلى محو هذه الثقافة، والحرص على إفراغ المؤسسات من أي محتوىً يعطيها مصداقيةً لدى المواطنين. لتتحول بذلك إلى مجرد هياكل تؤثث المشهد العام من دون أن يكون لها أي تأثير حقيقي فيه.
وأغرق المشهد الإعلامي بمنابر مدعومة ومحمية، أسندت لها مهمة ممارسة التضليل والتشويه والكذب، وتسفيه كل صاحب رأيٍ أو موقفٍ يغرّد خارج سرب سمفونية “العام زين”، في استنساخٍ مؤسف للتجربة المصرية، فبدل تغطية الأحداث، أصبح الهدف هو التغطية عليها. في مقابل ذلك، تخنق الصحافة المتمسّكة بفتات الحرية المتبقية التي تواجه حربا شعواء؛ وصل إلى حد إعدام بعض رموزها معنويا، بالمتابعات القضائية، أو عبر منابر أخرى هي أقرب إلى المقصلة منها إلى منابر إعلامية.

“تكمن قيمة الدول الديمقراطية في مدى قدرتها على التحمل، وليس في قوة رد الفعل”

تكمن قيمة الدول الديمقراطية في مدى قدرتها على التحمل، وليس في قوة رد الفعل. حقيقة لا يدركها صناع القرار في دار المخزن، فبدل التعامل بحكمةٍ وذكاءٍ وتبصّرٍ مع ما يجري على مسرح الأحداث (احتجاجات سلمية، صحافة مستقلة، اقتصاد تنافسي..) واستثماره في تطوير النموذج المغربي وتعزيزه، وهو النموذج الذي يتم تسويقه إقليميا ودوليا. فضل هؤلاء في السنوات الأخيرة، وبعد هدوء موجة الربيع العربي، تدشين مرحلة جديدة، عنوانها البارز محو آثار الفترة السابقة، و”الانتقام” من كل ما يذكر بها.
إصرار رعاة السلطوية على الاستمرار في ترسيخ هيبة الدولة يقود البلاد لا محالة إلى مرحلة خطيرة من التوتر، أساسها سيادة لون فكري واحد، هو لون السلطوية. وخير مثال على ذلك “الإجماع الشعبي” على رفض الأحكام الصادرة في حق معتقلي الريف، ما جعل الدولة في مأزق حقيقي. إذ لكل ورقةٍ من الأوراق المتبقية لدى الدولة ثمنٌ ينبغي لها تأديته، فقرارها إصدار عفو عن هؤلاء المعتقلين يضع المؤسسة القضائية موضع تساؤل، بعد مضي سنوات قليلة فقط على إصلاح العدالة.

إعجاب تحميل...