إن التحركات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط تتطلب الوقوف على مدى تحقيقها لصفقة، تسوّق لها ليل نهار، عبر الإعلام وعبر وسطائها، ففي ظل توجه القيادة الفلسطينية لمقاطعة جهود أمريكا، ومبادراتها الصهيونية الأمريكية.

هل سيعمل المجتمع الدولي وأمريكا على انهيار السلطة الفلسطينية؟ خاصة أنها تواجه أزمة مالية خانقة؛ بسبب التوجه الإسرائيلي باقتطاع أموال الشهداء والجرحى والأسرى، وكذلك خصم تكاليف الأضرار التي سببتها البالونات الحارقة في الأراضي المحتلة، والتوجه الأمريكي في تخفيض المساعدات للفلسطينيين على إثر مقاطعة الرئيس الفلسطيني لإعلان «ترامب» بأن القدس عاصمة لإسرائيل؛ لذلك هناك أسباب عديدة توضع في الحسبان:

منها أن انهيار السلطة الفلسطينية سيضع إسرائيل في مأزق كبير من الناحية الأمنية، خصوصًا أن انهيارها سيسقط المنظومة الأمنية الفلسطينية في تطبيق القانون، وضبط الحالات المقاومة للاحتلال الإسرائيلي، كما أنه من الناحية الاقتصادية سقوطها سيكلف ثمنًا كبيرًا يجب أن تدفعه إسرائيل في مقابل احتلالها؛ ومن هنا أمر الانهيار غير وارد من قِبل إسرائيل، حتى وإن كانت تستخدم ضغوطات على الفلسطينيين من ناحية الضرائب، فهذه سياسة ضغط مؤقت، ردًا على عدم إدانة القيادة الفلسطينية ما يجري على حدود قطاع غزة، وعلى عدم تعاطي الرئيس «محمود عباس» للجهود الأمريكية.

أما من جانب أمريكا فهي في حيرة كيفية مواجهة السلطة الفلسطينية؛ حيث قام مبعوثوها بجهود كبيرة لتسويق تلك الصفقة، من خلال الدول العربية، وتجاهل القيادة الفلسطينية، إلا أن المبعوثين عادوا بخُفّي حُنَين؛ فلم ينجحوا لأنه كان هناك رد واضح من العرب، وهو ما يقبله الفلسطينيون نقبله، فعادت أمريكا تفكر في خلق ممثل فلسطيني جديد يقبل بما تسوق له، بالدخول عبر بوابة غزة، لتقديم المساعدات الإنسانية، إلا أن الجهود لم تكلل بالنجاح حتى هذه اللحظة، كما أن إسقاط السلطة الفلسطينية لم يطرح في الأوراق الأمريكية، طالما لم يحقق لإسرائيل الازدهار الأمني والاقتصادي.

أما المجتمع الدولي فيرفض بالمطلق محاصرة السلطة الفلسطينية، حتى بين فترة وحين يخرج علينا الاتحاد الأوروبي ويؤكد استمرار دعمه؛ لأن الجميع يدرك أن اتفاق «أوسلو» نظم العلاقة بين فلسطين وإسرائيل؛ فإنهاؤه يعني عودة التوتر من جديد في جميع الأراضي الفلسطينية.

أما على الصعيد الداخلي الفلسطيني، فليس هناك أي خطة استراتيجية لإنهاء دور السلطة، فكان الرد على اقتطاع إسرائيل للأموال من الضرائب، هو التوجه للمنظمات الدولية لمحاكمتها في سرقة الأموال الفلسطينية، كما أن الرئيس «محمود عباس» يهدد باستمرار بتسليم مفاتيح السلطة إلى رئيس الحكومة الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو»؛ لأنه يدرك جيدًا أن إسرائيل لن تقبل بتلك المفاتيح، التي ستلقي عليها كاهل ثمن الاحتلال؛ فهناك تهديدات فلسطينية عديدة تطلق بين الحين والآخر بأنه لن نقبل باحتلال بدون كلفة، لكن تلك لم يتم الأخذ بها على محمل الجد، في ظل تراجع دور منظمة التحرير الفلسطينية، وإضعاف إمكانياتها، وعدم تحديد طبيعة العلاقة بينها وبين السلطة، كما أن انهيارها يضع الأمور في لغط كبير؛ بسبب حصول فلسطين على عضو مؤقت في الأمم المتحدة، وقبول عضويتها في العديد من المنظمات الدولية، وإغراق الفلسطينيين في نظام سياسي هش، تحت احتلال يتحكم بكل مخرجاته؛ حيث أصبح المرتكز الأساسي لدى الفصائل الفلسطينية هو الصراع على السلطة.

ويتبقى لدينا المراهنة على الوقت إلى من سيؤول منصب الرئاسة الفلسطينية، في حال لم تنجح أمريكا بتجاهل السلطة، وخلق ممثل جديد، يقبل بما تروج له، هكذا وضعنا أمام محك كبير من سلطة بلا سلطة، نظام سياسي بلا نظام، انقسام ينهش التضحيات، مستقبل بلا أمل، ويبقى المركب يسير في حالة من غرق بلا عودة.