خلق الله الكون وسن سُننًا كونية لا تتبدل ولا تتغير، فلم يحسن الإنسان فهمها، فما اعتبر من الماضي وما حرص على المستقبل.

واعلم زادك الله فهمًا وإدراكًا أنه إذا زاد الظُلم والفساد وعمت البلوى من الحكام والعباد، فإن الله يجري على الناس سنته فقيرهم وغنيهم، ضعيفهم وقويهم، ذلك بأنهم صموا آذانهم، وكمموا أفواههم، وانشغلوا عن أمر دينهم ودنياهم وولوا أمورهم سفلة قومهم فخربوا الديار وأهلكوا الحرث والنسل بسوء تدبيرهم وحماقة صنيعهم.

ويسر الله لكل قوم نذيرًا ينذرهم مغبة ما فرطوا فيه، فمنهم من يرتدع، وكثيرٌ منهم يعرضون وفيما يلي ذكر بعض مما حدث في تلك الديار وكيف تعامل الناس مع عظم الأزمة هل رفضوا؟ أم رضخوا؟ وقد نزلت بهذه الأمة النوازل من هزائم وانكسارات ومجاعات نخص بحديثنا المجاعات ذلك أنها تمس بطونهم ولأن العادة قد جرت على أن العامة لا ينتفضون إلا لها، فكيف تعامل معها الراعي والرعية؟

يقول أحمد بن علي المقريزي رحمه الله:

(فالمجاعات وأمثالها، ليست شيئًا مفروضًا على الإنسان من عل، ينزل بأمر، ويرتفع بأمر، كما أنها ليست ناجمة عن جهل الطبيعة وعماها، دون أن يكون للإنسان بها دور بل هي ظاهرات مادية اجتماعية، لم تلازم البشر دائمًا، ولكنها تقع آنًا، وتنقطع آنًا آخر، تقع عندما تجتمع أسبابها ودواعيها، وتنقطع عندما تنتهي تلك المسببات والدواعي، إن كل شيء خاضع للتطور، يولد وينمو ويموت).

يرى المقريزي أن أسباب الشدائد يرجع لسوء التدبير من الحكام وشراء المناصب بالمال وهذا الذي سيتم ذكره في العصر سيئ الذِكر أما الملوك العُدل فتمر الشدائد في عصرهم مرور الكرام كما فعل نبي الله يوسف عليه السلام وكما فعل الأمير يوسف بن عمر الثقفي حين وجد درهمًا مغشوشًا فضرب فاعله ألف سوط حتى ارتدع الفسدة، وكما فعل الناصر محمد بن قلاوون حين ضربته المجاعة فجمع الأمراء وقسم عليهم الفقراء ليطعموهم وقال: (يا أمراء شهرٌ عليكم وشهرٌ علي وشهرٌ على الله).

أما العصور سيئة الذكر فهذا واحد منها..

في عام 427 من الهجرة تولى معد المستنصر بالله وهو ابن 7 سنين!! ذلك أن الحكم في تلك الديار كان وراثة حتى للأطفال! كمثل أيامنا تلك حينما تورث الحماقة إلى الحماقة والجهل إلى الجهل، ولإن صادف التوريث قديمًا تولية ملوك عادلين كالرشيد والعادل وغيرهم، فإن هذه الأيام لا مجال لتلك الصدف السعيدة دعنا نعود إلى الشدة وشأنها.

تولت أمه الوصاية عليه واستوزرت أحد اتباعها من أهل الأهواء، كان النذير ينبض في العروق منذرًا بحدوث البلاء. ثم شب الخليفة الطفل وأخذ الحُكم شكلا وليس مضمونًا، حيث ظلت أمه المسيطرة الفعلية على شئون الحكم حتى أشعلت أمه الفتنة بين الأتراك والعبيد من غير دراية من الخليفة، فلما كثر التُرك عليه ودخلوا عليه قصره شاهرين السيوف طالبين الحتوف نهر أمه عن تلك الصنائع واسترضى الترك.

ثم نشبت الحرب بين الخليفة الفاطمي والأمير الحسن بن الحسين الحمداني المعروف بذي المجدين، فجمع عليه الخليفة قوم كُثر فهزمه الخليفة ففر ذي المجدين وشن حرب عصابات فكلما أرسل له المستنصر جيشًا سحقه ذو المجدين حتى شق ذلك على المصريين وطال الحصار وضربت المجاعة شتى النواحي والقفار واستمرت سبع سنين وتزايد الغلاء وانتشرت الأوبئة وأكلت الكلاب والقطط وبيع رغيف الخبز بخمسين دينارًا كما ذكر بن تغري بردي الظاهري.

وذُكر أن امرأة سمينة قد خطفها بعض العبيد وقطعوا منها للأكل فاستطاعت الفكاك ونادت القوم فدخل الناس وقتلوا العبيد ووجدوا عظام أكثر من ألف قتيل تم أكله!

وأُكلت القطط والكلاب حتى اختفت من الشوارع وأكلت الأم وليدها والأب ولده حتى إنه كان يُقبض على الرجل فيجدوا معه كتف ابنه أو قدمه ليأكلها.

هذا وقد هربت أم الخليفة وبناتها قاصدة بغداد هربًا من الموت! تاركه وراءها خراب خلفته هي وأبناؤها. ليس هذا العجيب في الأمر برمته، بل الأعجب أن خلافة المستنصر دامت ستين سنة وهي أطول خلافة عرفها المسلمون في تاريخهم! ولم يفكر أحد من أهل الديار الاعتراض على ما يفعله المستنصر من سوء تدبير وجر البلاد للخراب.

إلا امرأة! قيل إنها أرملة الأمير جعفر بن هشام قد باعت عقدًا لها يساوي ألف دينار لتحصل على حفنة من القمح لصنع قُرصة خبز قال عنها المقريزي: (وتوصلت إلى أحد أبواب القصر، ووقفت على مكان مرتفع، رفعت القرصة على يديها بحيث يراها الناس، ونادت بأعلى صوتها وهي تذم وتشتم الخليفة: يا أهل القاهرة ادعوا لمولانا المستنصر الذي أسعد الله الناس بأيامه، وحل عليهم عهده بالبركات حتى حصلت على هذه القرصة بألف دينار).

ولكن الناس لم يسمعوا لها كمثل قوم اليمامة مع المرأة النجدية التي عرفها التاريخ بزرقاء اليمامة التي حذرت قومها فلم ينتبهوا لها فكان مآل الأمر احتلال ضياعهم وسلب أموالهم.

إن زرقاء اليمامة حالة أكثر من كونها شخصية تاريخية، حتى وإن كانت وهمية كما شكك البعض، فإن الله يعطي البعض بصيرة نافذة تستطيع أن تنفذ ببصيرتها فترى حقائق الأشياء وتنهى الناس عن ما يفعلوه من حماقة في الأمور الجسام واستخفاف بالمخاطر، حتى ينزل الله بهم عقابه، فزرقاء اليمامة باختلاف شخوصها قد طافت العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، تدق ناقوس الخطر وتستجدي الناس فلا يسعهم إلا الصمت والخذلان أو التآمر مع المتآمرين، وكأنهم يستعجلون الخراب ويسعدون به أو أنهم قومٌ يجهلون فطمس الله عليهم (يخربون بيوتهم بأيديهم).

هذا واستيقاظ ضمير الشعوب وليس بطونهم هو أساس استيقاظ نهضتهم ولنا في التاريخ آية وعبرة.