بعد ثورة 1920 اضطر الاحتلال البريطاني إلى التنازل بتنفيذ مطالب العراقيين، بتأسيس حكومة وطنية، وتعيين ملك عربي على العراق، ووقع الاختيار على الملك فيصل بن الشريف حسين، وتم الاتفاق على تعيين لجنة ضمت خبراء عراقيين وبريطانيين لصياغة أول دستور للبلاد، وصادقت عليه اللجنة التأسيسية المنتخبة على الطريقة العثمانية، ولم يعرض للاستفتاء العام «والذي عرّض وسيعرّض البلاد لخلافات حادة» على حد تعبير الوزير السابق عبد الغني الدلي[1]. وبدأ العمل بالدستور في 1925 وسمي بالقانون الأساسي. ورغم الدستور المتقدم نسبيًّا، إلا أن الاحتلال البريطاني كان قد كرس وجوده بنص الدستور «جميع البيانات، والنظامات، والقوانين التي أصدرها القائد العام للقوات البريطانية في العراق، والحاكم الملكي العام، والمندوب السامي، التي أصدرتها حكومة جلالة الملك فيصل … تعتبر صحيحة من تاريخ تنفيذها» (الباب الثامن المادة 114).

دستور على عجالة وانقلاب البعثيين

ودام الدستور الملكي الدستوري حتى ما سمي بثورة 14 يوليو (تموز) 1958، الذي أسس لجمهورية اشتراكية بعد انقلاب عسكري، أطاح الملك فيصل الثاني وحكومة نوري السعيد المتعاونة مع الاحتلال البريطاني. ردًا على إعدام الضباط الوطنيين بعد ثورة رشيد عالي الكيلاني 1941، كما أسقطت معها سطوة الشركات الأجنبية التي ربطت بين الاقتصاد العراقي والعملة الإسترلينية، والتي كانت قد تسببت بتضخم العملة العراقية، وتفشي الغلاء والبطالة في البلاد إبان العهد الملكي.

 وأنجز أول دستور اشتراكي مؤقت للبلاد خلال أسبوعين فقط بثلاثين مادة فقط. واستمر الدستور حتى انقلاب حزب البعث 1963 بالتحالف مع الحزب الديمقراطي الكردستاني. وأعدم على إثره الرئيس العراقي عبد الكريم قاسم، بالإضافة إلى مجازر بحق الحزب الشيوعي العراقي. ونصب البعثي عبد السلام عارف مكانه ولم تعرف تلك الفترة دستورًا بل وثيقة دستورية أو ما عرف بـ(قانون المجلس الوطني لقيادة الثوة)[2] أعقبه دستور عام 1964 المؤقت حتى انقلب حزب البعث العراقي على نفسه مرة أخرى وفرض دستور 1968 الذي لم يأت بجديد سوى الشعارات البراقة لكسب التأييد الشعبي والذي لم يأت أيضًا.

دستور الاحتلال الأمريكي

حتى الغزو الأمريكي للعراق 2003، الذي خرج العراق منه منهكًا تمامًا، فقد نالت الحرب من البنى التحتية، ناهيك عن البنى الاجتماعية، التي خلت من أي نقابات أو أحزاب سياسية فاعلة، بينما استطاعت الأحزاب الإسلامية استقطاب الشارع العراقي إلى فريقين طائفيين. بينما انفرد الشارع الكردي بحزبين سياسيين الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي) بزعامة مسعود البرزاني، وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني، الأول في أربيل ودهوك والثاني في السليمانية. إلا أن الحالة الكردية أخذت طابعًا خاصًا، ولا سيما بعد نيلهم الحكم الذاتي والسنوات العشر الأخيرة من حكم صدام حسين.

أما على الصعيد العربي، فالكتلة التاريخية للحزب الشيوعي العراقي تعرضت لضربات قاسمة عبر حياته السياسية ولا سيما ما نوه إليه آنفا بعد انقلاب البعثيين. أما حزب البعث العربي الاشتراكي، فقد تعرض لتصفيات داخلية عديدة كان آخرها سياسة حكومات ما بعد الغزو، التي انتهجت سياسة ما اسمته (اجتثاث البعث) الذي حظر أي نشاط للحزب، بل ونص عليه الدستور، وهو أول مشكلة فرضها الدستور العراقي، الذي كتب بمبادرة من الحاكم الأمريكي على العراق منذ 2003. الزمن الذي غابت عنه الأحزاب السياسية ذات البرامج الوضحة. وطرح الخلاف السياسي بشكل طائفي، الذي سيدمر مستقبل العراق، ويغير وجهه التاريخي.

تفخيخ الدستور الجديد

رغم الشكل المتقدم للدستور العراقي، إلا أنه تضمن ثغرات ستفتح أبواب جهنم على العراقيين، وتغرق الجميع في مستنقع الحروب الدينية. فمن الناحية العملية، أدى استعجال إدارة بوش لصياغة الدستور، بل ووضع القضية الدستورية شرطًا مسبقًا لإنهاء الاحتلال، أدى إلى دخول العراقيين بوجههم الطائفي في العملية السياسية، فبينما استطاعت الأحزاب الإسلامية في الجنوب التواجد بقوة نظرًا لحجمهم السكاني، وكذلك الأكراد نظرًا لقربهم من الإدارة الأمريكية ووضوح رؤيتهم السياسية. غابت المدن الوسطى عن عملية صياغة الدستور، الأمر الذي ولد ضغينة سياسية، تحولت فيما بعد إلى حراك سياسي، استثمرته الدول الإقليمية لمصلحتها، بما في ذلك سورية التي تعاونت مع التنظيمات الجهادية، وأطلقت عليها (المقاومة الوطنية) في خطابها السياسي، فكيف بالسعودية، وعموم الخليج العربي، الذي وجد في العراق ساحة مثالية لفض خلافاتها مع إيران. وعليه لم تكترث لجنة صياغة الدستور بصياغة مبادئ ما فوق دستورية. بمعنى أنها لم تحدد الإجراءات القانونية التي تخولها بصياغته، ولم ننتخب عن هيئة عامة تمنحها الشرعية القانونية. وهذا لا يعني عدم شرعية دستور العراق، بل نقطة ضعف قاتلة في مشروعيته، لكونه عرض على الاستفتاء العام 2005 وشارك 58% من الناخبين المسجلين وسجلت المدن الوسطى نسبة مشاركة منخفضة للغاية والتي بلغت أقل من 19%. وعليه ستجد في دستور 2005 أثار أصابع أمريكية هنا وإيرانية هناك.

في المادة الثانية نص الدستور العراقي أن الإسلام دين الدولة الرسمي، ولحقها تفصيلين (أ) و (ب)، بأن لا يجوز تشريع ما يخالف الشريعة، ولا يخالف مبادئ الديمقراطية! فمن حيث المبدأ يبدو أن أحد البندين يلغي الآخر أو يجعل مخرجات العملية السياسية (المبادئ الديمقراطية)، تتوافق مع الشريعة. أي ما يتوافق مع آراء مرجع التقليد حسب الاعتقاد عند الإمامية الاثنا عشرية. وهي نقطة حاسمة لإيران التي استطاعت فرض سطوتها دستوريًا. كما أن المادة الثالثة عدت العراق جزءًا من العالم الإسلامي. وجزءًا من منظومة جامعة الدول العربية. أي إزاحة العراق عن هويته العربية دستوريًا. كما أن المادة السابعة، نصت على حظر حزب البعث وهو ما عرف فيما بـ(اجتثاث البعث) وهذا يعني تحييد أبناء المدن الوسطى عن المشهد السياسي، إذ يحظى حزب البعث بشعبية كبيرة في أوساط المدن الوسطى. مما اضطرهم إلى دخول العملية السياسية بصفتهم الطائفية وأفسح الفراغ الحزبي المكان الرحب لنشاط التيارات الجهادية. كما نصت المادة 59 البند (ثانيًا) أن قرارات مجلس الشعب تتخذ على الأغلبية البسيطة الأمر الذي يجعل من أي تيار يتمتع بقدرة على جمع أعضائه تحت قبة البرلمان، أن يجعله قادرًا على أن يفرض قوانينه، بتحقيق قبول نصف الحاضرين بالإضافة إلى واحد، ويتحقق نصاب الجلسة بالأغلبية المطلقة أي نصف العدد للأعضاء بالإضافة إلى واحد. ومن مصاديق الأغلبية البسيطة أيضًا فيما لو انقسم البرلمان بين عدة آراء يكون القرار من نصيب الكتلة الأكبر ولو بصوت واحد. وهذ يعني أن كتلة سياسية لا تتجاوز الـ30% تكون قادرة على إدارة البلاد بمفرها بمعنى آخر، فإن أي ضغمة مالية (أوليغارشية) ستقود الشعب بكافة طبقاته وفئاته.

كما أن الدستور العراقي، نص في المادة التاسعة الفقرة (ب)، على حظر تشكيل الميليشيات العسكرية، خارج إطار القوات المسلحة، إلا أنه وحين سن النص الدستوري كانت ميلشيا (بدر) الذراع العسكري للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي تأسس في طهران. وميليشيا (البيشمركا) الذراع العسكري للحزب الديمقراطي الكردستاني، كانت فاعلة آنذاك ولم تحل ولم يشر الدستور إلى وجوب حلها، مما قد يعني شرعتنها، كما فتح الباب لتشكيل ميلشيات أخرى كجيش المهدي الذي يقوده مقتدى الصدر منذ 2003، وعصائب أهل الحق المنشق عنه بقيادة رجل الدين قيس الخزعلى، وجيش المختار وهو فرع لحزب الله اللبناني ويقوده رجل الدين واثق البطاط، ولواء أبو الفضل العباس الذي يقاتل في سورية، بالإضافة إلى ميلشيات ما سمي بالصحوة التي أسست برعاية أمريكية/عراقية لمواجهة تنظيم القاعدة من أبناء عشائر مدن الوسط العراقي، بالإضافة إلى ميلشيات الطرق الصوفية كالنقشبندية أو ما يعرف برجال الطريقة النقشبندية، وكتائب ثورة العشرين بقيادة رجل الدين البعثي السابق حارث الضاري رئيس هيئة علماء المسلمين والذي توفي في إسطنبول سنة 2015، بالإضافة إلى جيش المجاهدين، وجيش الراشدين، وثوار العشائر. والميلشيات الأخيرة (رجال الطريقة النقشبندية وما بعدها) شكلت القاعدة العسكرية التي تأسست عليها ما سمي بـ (الدولة الإسلامية في العراق والشام).

ومن جهة مقابلة دعا المرجع الديني العراقي السيد علي السستاني، إلى تشكيل حشد شعبي لمواجهة تنظيم الدولة الاسلامية، وعليه تأسس ما يعرف اليوم بالحشد الشعبي، ونال مشروعيته بعد إقرار البرلمان العراقي في السادس والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 القانون المقدم من قبل حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي المتضمن تشريع عمل مليشيات الحشد الشعبي في العراق واعتبارها قوات رسمية مستقلة لا ترتبط بوزارتي الدفاع والداخلية، إنما بمكتب رئيس الوزراء بشكل مباشر.

ورغم أن الدستور لا ينص على المحاصصة الطائفية، أو أي شكل من أشكال توزيع المناصب الحكومية طائفيًا أو عرقيًا، إلا أن الدستور احتوى ثغرة في المادة 49 في البند الأول الذي نص على «مراعاة تمثيل سائر مكونات الشعب العراقي» ورغم ان الفقرة مبهمة من حيث الطريقة، كما أن الدستور العراقي لم ينص على أي خلفية دينية أو عرقية في شروط ترشح رئيس الجمهورية أو الحكومة أو البرلمان. إلا أن الحاكم الأمريكي استطاع توزيع المناصب الكبرى على أسس طائفية وعرقية وتحولت إلى عرف سياسي في الحكومات العراقية المتلاحقة، والذي نعرفه اليوم. كما كان من الواضح أن العراقيين لم يكونوا يملكون أي خيار في صياغة مستقبلهم العراقي.


[1] عبد الغني الدلي، نظرة مقارنة في دستور العراق 1925 ودستور 2005، الحوار المتمدن، (الحوار المتمدن-العدد: 1379 -2005 / 11 / 15) ahewar

[2] نبراس المعموري، محنة الدستور وإشكاليات التعديل، (القاهرة، دار العربي، 2015) ص 43.