d9947c62-1ded-4b3a-a9e8-c89ceeb83069.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

ميسون شقير

يسرق عناصر الجيش الأسدي محتويات البيوت التي هجرها سكانها في درعا، ويبعونها بأثمان زهيدة في شوارع السويداء، ويشتري بعض الشبيحة هذا التعفيش، وبعض الفقراء الذين أعدمتهم الحرب لقمة العيش.

ربما لم تنهض مدينة بالثورات، بما فيه من تحد ودم ووجع وعزة ونخوة، مثلما فعلت مدينتا الجنوب السوري، درعا مدينة سهل حوران، والسويداء التي كان من نصيبها أن تندلع منها شرارة الثورة السورية الكبرى ضد الاستعمار الفرنسي عام 1925، بسبب أخلاق سكانها العربية البدوية، والتي جعلت ثورةً تبدأ، لأن أدهم خنجر استجار بمضافة سلطان باشا الأطرش الذي أصبح بعد معارك طاحنة القائد العام لهذه الثورة في كل أنحاء سورية. وكان نصيب السويداء وفيرا في نسبة عدد شهدائها التي فاق 76% من عدد شهداء الثورة السورية كلها، وكان عقلة القطامي ابن درعا أقرب الناس إلى سلطان الأطرش، وأبرز مساعديه، مثلما كانت درعا المدينة الجارة لها هي التي حمت ظهور ثوار السويداء.
ثورة 1925 هي أهم دعائم هوية سكان السويداء التي تتغنى بها في مناسبات الفرح والأعراس، والتي تسكن صور قائدها وأسماء شهدائها مضافات المدينة وقراها، مثلما تسكن أغانيها وأهازيجها، وهي التي حولت الحس الوطني لديهم إلى مصدر بقائهم الوحيد.
في التاريخ الحديث، كان حمل الثورة السورية النبيلة ثورة الكرامة والحرية من نصيب درعا وأهلها، وهي المدينة الطاعنة في القدم، وفيها الأراضي الزراعية والسواعد العاملة النشيطة والخير الوفير، ففي 18 مارس/ آذار عام 2011، جعلت كلماتٌ كتبتها أصابع صغيرة على جدران مدرسةٍ فيها النظام السوري يفقد صوابه، ويرتعد من هذه الكلمات الصغيرة، ويعتقل الأطفال ويعذّبهم، ثم يرفض طلب أهاليهم الذين يعودون إلى عقلية عربية بدوية عشائرية، هاجسها الكرامة وعزة النفس، ويمتلكون شخصيات حرة تثور لكرامتها، غير مكترثةٍ بالخسارات، كما هم سكان جارتهم السويداء أيضا. جعلتهم هذه الأخلاق يثورون ويكسرون تمثال الرئيس، وجعلتهم يخسرون في اليوم الأول أربعة شباب، وهم أول الشهداء الذين توالوا لاحقا، ومزق رحيلهم أرواح السوريين. وكان صوت الفنان الملتزم، سميح شقير، ابن السويداء، أول صوت يوثق ما جرى من ضيم على أهل درعا، ويطلق أغنية “يا حيف” التي صارت أيقونة الثورة، وحينها كانت النخب من محافظة السويداء تغني الأغنية، وتخرج إلى الشارع، متحدية عناصر الأمن والجيش والشبيحة، وتنادي: “يا درعا.. حنا معاك للموت”.
كثيرة جدا هي القواسم التي تجمع الجارتين، درعا والسويداء، تراها في إيقاعات الأهازيج والأغاني، في المنسف الذي يقدّم لكل قادم غريب، في النخوة والشهامة والكرم، في التاريخ والجغرافيا، في طعم سليقة القمح، ورائحة خبز التنور. وهناك أيضا ما يجعل الجارتين متباعدتين، وهو العامل الطائفي الذي كان ورقة رابحةً، لعب عليها النظام الأسدي طوال فترة حكمه، لكي يوسع الهوة بين الدروز والمسلمين السنة، على الرغم من أن أهالي درعا ليسوا متشددين، ولا متزمتين إسلاميا.
مذ بدأت ثورة الكرامة في درعا، كان متوقعا من السويداء أن تساندها بكل قاعدتها الشعبية، وليس فقط بالنخبة الفكرية التي تمثلت بأول بيان أطلقه محامو السويداء الذين دانوا عنف النظام، ووقفوا مع أهل درعا، مثلما تمثل بالمظاهرات التي خرجت في السويداء، وكانت معظمها من الأطباء والمهندسين وحملة الدكتوراه الجامعية، والذين اعتقلوا وعذبوا، لكن المفاجئ أن القاعدة الاجتماعية في السويداء وقفت موقف المتفرّج. وحاولت أن تنأى بنفسها غير راغبةٍ بالمشاركة في الثورة، ومكتفيةً باستقبالها مئات آلاف من النازحين، لأنها قاعدة مرعوبة من عنف النظام، ومن سلطة الإسلاميين، وهو رعب الأقليات الفطري العفوي غير المدروس، خصوصا أن الرئيس كان ينتمي لأقلية منفتحة، ومجتمعها أقرب إلى المجتمع الدرزي، كما حاول أن يروج دائما، لكن كثيرين من أهالي السويداء رفضوا إرسال أبنائهم إلى الجيش السوري، والتفّ كثيرون منهم حول الشيخ البلعوس الذي اغتاله النظام مع أربعين آخرين في تفجير مدبر.
تدخل العلاقة بين المدينتين في مفترق جديد، فاليوم يدخل الجيش السوري درعا، بعد ضربها هي وقراها بكل أنواع الصواريخ التي تحرق كل حياة، ويسرق عناصر الجيش الأسدي محتويات البيوت التي هجرها سكانها في درعا، ويبعونها بأثمان زهيدة في شوارع السويداء، ويشتري بعض الشبيحة هذا التعفيش، وبعض الفقراء الذين أعدمتهم الحرب لقمة العيش. ولكن في الوقت نفسه هناك من حرق في قرية عرمان في السويداء محلين، لأنهما يبيعان أغراضا مسروقة من سكان جارتهم درعا، وهناك من قطع طريق قافلة محملة بالأغراض المسروقة عند مدخل السويداء، وأحرق الشاحنة والقافلة في رد رافض وجريء وقوي على تعفيش منازل جارتهم درعا.
يقول كثيرون اليوم من أهل درعا: “يا حيف”، ولم يزل كثيرون من أهالي السويداء يقولون: “يا درعا حنا معاك للموت”، على الرغم من أن هناك من شارك في سرقة بيوتها. اليوم وبعد عالم نذل خذل السوريين، لا يدري أبناء السويداء الذين وقفوا مع الثورة أي موتٍ هم فيه مع درعا، خصوصا وقد وصل خبر موت شهيدين من محافظة السويداء، ومن قرية القريا (قرية سلطان الأطرش)، تحت التعذيب في سجون نظام لم تعرف البشرية مثله قط.

إعجاب تحميل...