36e2e1e4-e732-4e90-81b7-1578b8289859.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

سعدية مفرح

بقدر ما سهّل الإنترنت الحصول على المعلومة، واختصر الوقت في سبيل الوصول إليها، ساهم أيضا في تشتيت هذه المعلومة غالبا، وفي عدم تمحيصها والتدقيق في صدقيتها.

سألني صحافي زميلٌ سؤالا ثلاثيا مركبا، أجتهد في صياغته على هذا النحو الذي يعالج علاقة المثقف بوسائل المعرفة والإعلام الجديدة: “في السابق، كان مصطلح مثقف يطلق على النخبة فقط، والذين برزوا من خلال مؤلفاتهم أو الصحافة أو من خلال الندوات الثقافيه وخلافه، وكانت الأسماء في الخليج محدودة جداً. واليوم، وبعد الانفتاح الثقافي أصبح مجال الثقافة متاحا للجميع، وخرج لنا جيل مثقف جديد. … من وجهة نظرك، ما هو تعريف المثقف والمثقف الجديد؟ وما هو دور كل من الإنترنت والفضائيات ومعارض الكتاب والاحتكاك المباشر بين النخبة والشباب في إبراز جيل المثقفين الشباب؟ وما هو دور معارض الكتب الخليجية في نقل الثقافه الشبابية وتبادل الخبرات؟”.
أجبت الزميل بواحدةٍ من إجاباتي المكرّرة، والتي أحب أن أتشارك فيها مع القرّاء هنا: دعني، من البداية، أختلف معك في فرضية السؤال، وأيضا في توصيف المثقف بأنه جديد، وهو وصفٌ يحيل إلى أنه يوجد آخر قديم. ثم أنه يحيل إلى أن يقنعنا بثقافةٍ جديدةٍ وأخرى قديمة. وهذا كله ما لا أستسيغه، حتى وإن وافقت على قدم وسائل هذا المثقف وجدّتها، ليس في تحصيل ثقافته وحسب، وإنما أيضا في توصيلها إلى الآخر، أو الاستفادة منها، بشكل مباشر أو غير مباشر.
عموما، لا أستسيغ التصنيف، وأرى أن كل تصنيفٍ في غير محله الدقيق إنما هو تقليلٌ من شأن المصنف أيا كان. فعندما نصف المثقف بأنه مثقف جديد، نسلب منه، أو على الأقل، من تعريفه، خصائص أخرى كثيرة، لنقل الموروثة أو المتراكمة في تجربته الثقافية مثلا.
المثقف مثقفٌ وهذا يكفي، ومهما تباينّا في تعريفنا مصطلح الثقافة، فإنها تظل تشير إلى نوعٍ من المعرفة النوعية، وطريقة تعاطينا لها، وتمثلنا إياها. وعلى هذا الصعيد، نجد أن الانفتاح المشار إليه، لجهة وسائل تحصيل المعلومات وانتشارها والتواصل الثقافي والاجتماعي بين الناس عموما وبين من يتعاطى الثقافة خصوصا، ساعد كثيرا في توسيع الرقعة التي يحتلها المثقفون في الجغرافيات الاجتماعية الراهنة.
لقد أصبح للإنترنت الدور الكبير في التواصل المعرفي بين البشر، وأصبحنا لا نتخيّل حياتنا كيف يمكن أن تمضي بنا نحو الغد بدون وجود الإنترنت مثلا، لكن الخطورة هنا أن الإنترنت، بقدر ما سهّل الحصول على المعلومة، واختصر الوقت في سبيل الوصول إليها، ساهم أيضا في تشتيت هذه المعلومة غالبا، وفي عدم تمحيصها والتدقيق في صدقيتها. صحيحٌ أن طريقة التعاطي مع الأخبار ظلت كما هي، منذ وجد الإعلام بمعناه الإخباري الحديث، إلا أن السرعة الرهيبة التي صرنا نتعامل فيها مع هذا الإعلام الإخباري بفضل الإنترنت سلبت من كثيرين منا قدرتنا على التواصل مع مصادر الأخبار بشكل أدق، وأكثر ثقةً كما في السابق. لم يعد العالم الغارق في خضم المواقع الإخبارية ينتظرنا، ولم يعد يعترف بأي انتظار.
مثلا، أخبار كثيرة الآن يتم نفيها لاحقا. ولكن بعد ماذا؟ ولنا أن نتخيّل حجم الخلل هنا، عندما نقارن بين جاذبية الخبر الجديد لأي متلق للأخبار، قبل أي مصدر أو موصلٍ له، وجاذبية نفي هذا الخبر. طبعا هذا بالنسبة للأخبار الصحافية أو ما شابهها من أخبارٍ يمكن أن تعيد صياغة مفاهيم يومية كثيرة سريعة.
لكن كثيرين يرون أن المثقفين غير ملزمين بالاعتماد على هذا النوع من المعلومات أو الأخبار، وأن مصادرهم المعرفية تظل في منأىً عن كل هذه “الثورة” بكل معطياتها ومنتجاتها. وأنا لا أوافق على هذا الرأي، لأنني أعتقد أنه رأيٌ مبنيٌّ على نظرةٍ كلاسيكيةٍ للمثقف، ترى أنه ذلك الشخص القابع في صومعته، ينتج النظريات، ويكتب الكتب، وينشرها ليقرأها القراء، ثم قد يتأثروا بها، على أقل من مهلهم، ما قد ينشئ من بينهم من ينفذ تلك النظريات لاحقا، على أرض الواقع الحياتي للبشر، في سبيل التغيير المطلوب.

إعجاب تحميل...