bc4abb4c-f122-4600-8aa3-136fcb128514.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

عبدالله جنوف

صار “عاديا” في تونس أن يسمع الناس خبر تلميذ ضرب أستاذه، أو ولد قتل أحد والديه، أو أب قتل ولده، أو زوجة طعنت زوجها، أو جار اعتدى على جاره، أو شاب سلب فتاة مالها في الشارع، والمارّة ينظرون ويسكتون.

ارتفعت نسبة الجرائم في تونس بعد عام 2011، فزاد عددها، واتسع مجالها، وعظمت بشاعتها. وصار أمرا “عاديا” أن يسمع الناس خبر تلميذ ضرب أستاذه، أو ولد قتل أحد والديه، أو أب اغتصب ابنته أو قتل ولده، أو زوجة طعنت زوجها، أو جار اعتدى على جاره، أو شاب سلب فتاة مالها في الشارع، والمارة ينظرون ويسكتون.
وقد أنجزت دراسات للبحث عن أسباب الظاهرة، وبينت أن الجريمة أصناف، فمنها جرائم يقترفها مرضى نفسيون لم تُحسن الدولة رعايتهم، وتركتهم مشردين في الشوارع، أو يعيشون في بيوت أسرهم التي لا يعرف أكثرها كيفية معاملتهم. ومنها جرائم ناتجة عن استهلاك الخمور والمخدرات. ومنها جرائم دافعها حقد الفقير المعدم على الغني المترف، وشعوره بالحرمان والقهر، وعجزه عن تغيير وضعه. ومنها جرائم ساهم الإعلام في صناعة أسبابها، من خلال مشاهد العنف والقتل الكثيرة التي تعرض على وسائل الإعلام؛ وبسبب وجود برامج تصور المجرمين أبطالا وطنيين، وشهاما كراما، يحسبهم الطفل والمراهق قدوة حسنة؛ وبرامج تصور حياة الأغنياء تصويرا يشعر الفقراء بأنهم طبقة من المنبوذين، وبأن في وطنهم مباهج كثيرة لا نصيب لهم فيها. والجريمة في الإعلام المكتوب قصة درامية، ينتظرها القارئ المنغمس في اليومي، المحدود الأفق بأخبار الرياضة وزخارف التنجيم والحظ وقضايا القتل والسرقة والطلاق. وقد ساهمت هذه القصص في صناعة ألفة بين القارئ العادي والجريمة، فما عاد يستغربها ويستبشعها، ولان موقفه منها، وربما عدها من ضرورات الاجتماع وتحولاته المتتابعة، أو حسبها تعبيرا عن البطولة والشجاعة، أو هوى إلى مسرحها، والتحق بمحترفيها.
“من العلامات المخيفة أن جرائم قطع الطريق والضرب والسلب والقتل تجري في الشارع العام أمام الناس”

وثمّة جرائم تترجم اختلال الأسرة التونسية، فللطلاق (أصبح ظاهرة خطرة) أثر كبير في تفكك الأسرة، وقد يكون أحد الوالدين قاسيا عنيفا، فيرتد عنفه على أولاده، وقد ينهمك الوالدان في العمل خارج البيت، ويلقيان بأولادهما في رياض الأطفال، فيحرمون الرعاية النفسية ويكون ذلك سببا في انحرافهم. ولتبدل الأدوار في الأسرة أثر أيضا، فما عاد الأب رئيسا مُطاعا وعائلا يكسب المال، وينفق على أولاده، ويوجه سلوكهم، بل نافسته في تربيتهم التلفزة والإنترنت، وصار مساويا زوجته في العمل والدخل والاعتبار، أو نزل عن رتبتها تكوينا ودخلا ومنزلة، ففقد بعض سلطته واحترامه. ولم تنجز الأم والمؤسسات الاجتماعية مثل وظيفته في ضبط سلوك الأطفال، وحمايتهم من الانحراف.
ومن العلامات المخيفة أن جرائم قطع الطريق والضرب والسلب والقتل تجري في الشارع العام أمام الناس، ولا يكاد يجرؤ أحد على الدفاع عن الضحية وحمايتها من بطش المجرم. وأضر ما في هذا السلوك السلبي أن الجريمة تحولت شيئا فشيئا إلى عمل عادي، فلا يخجل المجرم من اقترافه، ولا يخاف أحدا، ولا يجد الناس صعوبة في قبوله، والتسليم بوجوده. وكلما تكرّرت مشاهد البطش، استسلموا لشعورهم بالعجز عن إيقاف المجرم أو إنقاذ الضحية، حتى يصبح الموقف الغالب لامبالاة جماعية. وتعني اللامبالاة بالاعتبار الاجتماعي التفريط في حماية السلم والأمن والمساهمة بالاستقالة الجماعية في استشراء الفتك والجريمة؛ وتعني بالاعتبار الأخلاقي ارتكاس المواطن في أنانيته الضيقة، وتعطيل قيم الشهامة والمروءة والنجدة؛ وبالاعتبار الديني تعطيل أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وتترتب على الاستقالة الجماعية، وتعطيل القيم، نتيجة شديدة الضرر، وهي أنه لا مساهمة للمواطن في محاصرة الجريمة، وأن القيم والأخلاق والأعراف والتربية لا تقدم حلولا لمعالجتها. فلا تبقى إلا سلطة الدولة والمقاربة الأمنية، وسلطة الدولة قد تضعف أحيانا كما جرى بعيد الثورة، فهاجت الجريمة، ولم يمنع المجرمين رادع من قيم أو أخلاق أو ثقافة. وأما المقاربة الأمنية فمعقدة الإجراءات، ضيقة الأفق، مكلفة للدولة، عاجزة عن معالجة المشكلة، فقد تمنع وقوع جريمة، لكنها لا تمنع صناعة المجرم.
ويستفاد من هذا أن أسباب الجريمة العميقة ليست الكثافة السكانية، ولا التفكك الأسري، ولا الفقر والحرمان، ولا ضعف دور المدرسة في المجتمع، .. إلخ، فكل سبب من هذه يمكن أن يفسر نوعا معينا من الجرائم، لكنه لا يستطيع تفسير الظاهرة كلها. والسبب العميق هو تصور الإنسان والوطن في منوال الحكم الغالب منذ الاستقلال، فالمواطن التونسي في هذا المنوال لسان يهتف، وقوة تنتج، وشهوة تستهلك، ورأس يدفع الضرائب، وذات تتطور على قدر تقليدها للحداثة (في التجربة الفرنسية خصوصا) وتنكّرها لموروث العقائد والتشريع والقيم. والوطن مناطق محظوظة تجمع فيها الثروة والسلطة، وتسوق صورة لتونس في الخارج، ومناطق محرومة تنتج الفقر والفقراء، وتمثل مجال استثمار للأغنياء والمتسلقين إلى المناصب

“أسباب الجريمة العميقة ليست الكثافة السكانية، ولا التفكك الأسري، ولا الفقر والحرمان، ولا ضعف دور المدرسة في المجتمع”

والجمعيات “الخيرية” و”أهل البر والإحسان”، فلذلك لم تنقطع سياسة تبجيل المحظوظين، وطقوس الاهتمام بما تعرف ب”مناطق الظل والطبقات الضعيفة”. ولم يكف الحكومات المتعاقبة 62 عاما بعد الاستقلال لإصلاح الخلل، فليس من برامج التيار السياسي الثقافي العام في الحكم بناء وطن متطور، يكون فيه المواطن إنسانا متوازنا سائرا إلى كمالاته النفسية والأخلاقية والاجتماعية، وليس في رؤيته أن تكون التجربة التونسية مستقلة، تستفيد من الحداثة الغربية من غير تقليد، وتستفيد من التراث العربي الإسلامي من غير تشبث بما استهلك منه وانقضى نفعه. ولقد كان منوال الحكم، باستبداده وتبعيته وتقليده وجهويته، مولدا لأسباب الجريمة، ولم تكن مقاربته الأمنية إلا شكلا من ممارسة القمع، فهي لا تؤسس على سياسة إنسانية، ولا تحقق عدالة اجتماعية، ولا تعالج أسباب الجريمة، بل تقمع المجرم قمعا يحفظ هيبة الحزب، ويحقق الضروري من الضبط الاجتماعي. ولذلك، كان بعض المجرمين في حكم بن علي مخبرين. وسيظل محدود الأثر حديث “الخبراء” عن مواجهة الجريمة بتربية الطفل على احترام الآخر وقبول الرأي المخالف، ونصحهم الأولياء بتنشئة أولادهم على محبة أسرهم ومواطنيهم، وتحذيرهم إياهم من معاملتهم بالعنف اللفظي والمادي في البيت وخارجه، ودعوتهم المسؤولين إلى الصرامة في تطبيق القانون.. فهذا كله لا يؤتي نتائجه إلا في دولة ديمقراطية، يتحرر فيها الإنسان والوطن.

إعجاب تحميل...