تميل مجتمعاتنا العربية إلى الصبغة الشرقية فيما يخص الأعراف الأسرية والروابط الاجتماعية، وربما تتعارض أحيانًا هذه الأعراف مع تعاليم الشرع الإسلامي، وقد تحيد عنها أو تميل وتبتعد عن روح التشريع الإسلامي والمقاصد الشرعية النبيلة، فتضيع حقوق كثيرة وتكتم غصات عديدة.

ومن القضايا الشائكة في مجتمعنا والتي بجهلنا بأحكامها صيّرناها سلاحًا بيد الأعداء والطغاة، وخاصة في سوريا.

قضية الاعتداء على النساء واغتصابهن من أكثر ما تتهدد به المعتقلات في سجون الأسد؛ داخل وخارج السجن، فلربما ذاقت ألم الاغتصاب مرة في سجنها وذاقته من مجتمعها شرقي الطبع والحكم ألف ألف مرة، بل كم من جريمة اغتصاب طوتها نفوس الحرائر مخافة الفضيحة، إن الأذى المجتمعي للمرأة المغتصبة والفضيحة والنظرة الساقطة كما لو أنها شريكة في هذه الجريمة، بل قد يربط البعض بين هذه القضية وجرائم الشرف، ويُعامل الحرة المكلومة كما يعامل بائعة هوى سلمت جسدها رغبة منها وطواعية، كل ذلك مثّل طوق نجاة للأسد وزبانيته للخروج من تهم التعذيب الجسدي والجنسي للمعتقلين والمعتقلات – كما يُقال – كما تخرج الشعرة من العجين.

ومن آخر جرائم عناصر الأسد وحزب الشيطان ما تم نشره مؤخرًا لعملية اعتداء وضرب وإهانة جسدية وحرق لطفلة مع أمها، في منظر لم يرد حتى في محاكم التفتيش في عصور أوروبا الوسطى.

استطاع الأسد أن يوصل بهذا الفيديو تحذيرًا شديد اللهجة قوي التأثير لكل حر سيقف في وجهه، لاسيما بعد اتفاقيات التسليم ومساعدة العالم كله له ليعيد تأهيل بقايا الهيكل العظمي من جسد نظامه المتهالك.

يريد الأسد أن يدخل إلى المجتمع السوري من هذه الثغرة ليخبرهم أنه باقٍ في السلطة على جثث أعراضهم، ومن لا يهتف له بالروح وبالدم سيسمع صراخ نسائه وهن يغتصبن أمام ناظريه.

هنا سنقف ونسأل.. ما الذي جعل الأسد وسائر الطغاة يمتهنون هذا الأسلوب القذر في تهديد الحرائر؟

الجواب واضح: لأنه سيجد أمامه مجتمعًا يشاركه في جريمته، فيعتبر عائلة الفتاة أو المرأة المغتصبة عائلة مذنبة قد تلطخ عرضها بالعار!

تصوروا لو أن مجتمع المدينة المنورة كان ينظر للاغتصاب بعيوننا الناقصة هذه، لضاع حق المرأة المسلمة التي رفع ثوبها اليهودي، وآثرت الصمت مخافة الفضيحة!

هل حدث ذلك؟

أم أنّ الذي حدث أنها صرخت بوجه من اعتدى عليها، واستنهضت المسلمين فقاموا إلى اليهود وحاصروهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ثم نفوهم إلى خارج المدينة، هذا المشهد المهيب الذي جُعلت فيه صرخة حرة من حرائر الصحابيات عنوانًا لأكبر مجزرة تأديبية في حق المتحرش – ولم يصل بعد للاغتصاب – ومن آواه ونصره.

وكذلك لو كان الفكر العفن الذي نفكر فيه سائدًا في زمن المعتصم لما صرخت الحرة من عمورية خلف قضبان السجون الرومية، فهز صوتها جدران قصر الخليفة في بغداد، لأجلها تجيّشت الجيوش وعلم القاصي والداني أن السيف أصدق إنباءً من الكتبِ.

ولو قلبنا أوراق تاريخنا حتى الأمس القريب كانت المرأة لا تُعاقب ولا تؤذى مرتين، مرة ممن تحرش بها أو اغتصبها وآذاها ومرة من مجتمعها ومحيطها.

ولو ناقشنا هذا الأمر من وجهة شرعية فلنعلم أن الفقهاء ذكروا قضية الاغتصاب الجنسي في موضعين، للأمر تفصيلات أكثر يسع المهتم أن يبحث عنها:

  1. الموضع الأول، إن كان الاغتصاب بدون التهديد بالسلاح؛ فهنا يقام على المغتصب حد الزنا (إن كان أعزبَ يُجلد، وإن كان محصنًا يُرجم)، وفرض بعض الفقهاء على المعتدي أن يدفع للمعتدى عليها مبلغًا من المال يساوي صداق مثيلاتها(المهر)، وذلك من باب القياس على السارق الذي يقام عليه الحد ويطلب منه رد الحق إلى أهله.
  2. أما الموضع الثاني، فهو الاغتصاب بتهديد السلاح وهذا حكمه حكم المفسد في الأرض، إما أن يُقتل أو يُصلب أو يُنفى حسب ما تقتضيه المصلحة.

وفي كلتا الحالتين ليس على المغتصبة شيء ولا يلحقها العار أو الأذى.

وفي الحقيقة أنني أرى أن الموضع الأول غير موجود ولا يمكن قياس عقوبة المغتصب على الزاني، فعقوبة الزنا جاءت في نص القرآن ثنائية وليس فردية، هذه الملاحظة الأولى، أما الثانية فهل هناك اغتصاب دون تهديد؟

فعدم حمل المغتصب للسلاح لا يعني عدم قدرته على القتل والأذى بالخنق أو رطم رأس ضحيته أو نحو ذلك مما يحقق الأذى وحتى القتل دون سلاح، فهل يسلم جسد امرأة تغتصب من الضرب والإيذاء؟!

فلذلك لا أجد أن الاغتصاب يتجزّأ فهو واحد وحدّه حد الحرابة لا غير ذلك من حدود مخففة، ويجب أن يُفعل به ما يتحقق به الردع والعبرة، ومن يحميه شريك له ومن يتستر عليه يعامل معاملة من آوى مُحدثًا ويتشاطر معه العقوبة.

بعد هذا التأصيل الشرعي، نعود إلى قضيتنا الأولى لأسأل سؤالي الأخير.. لماذا لم تعد مجتمعاتنا تميّز بين جريمة الشرف (التي يشترك فيها الطرفان بالرغبة والشهوة والتخطيط والتنفيذ والتستر عن عيون الناس) وبين جريمة الاغتصاب (التي لا تخلو من ضرب لجسد المرأة وأذى وإكراهًا، ناهيك عن صرخات الألم والقهر والغصة)؟

الجواب بوضوح وبلا لف ولا دوران؛ لأننا عاجزون عن الدفاع عنهن فن ميل إلى أهون الأمور وأسهلها، ولربما وجدت في بعض الحالات من يحل مسألة الاغتصاب بتزويج الضحية من جلادها!

أبقي بعد ذلك انتكاس للفطرة أو ضياع للحقوق أو تبرير للجريمة وتهاون في معاقبة المجرمين؟!

فوالله ما دامت مجتمعاتنا لا تنظر لجريمة الاغتصاب نظرتها الحقيقية، ونضعها موضعها الشرعي الصحيح فستبقى هذه الورقة ورقة ضغط بيد عدونا يلوّح بها لإعادة تدجيننا وضمان سكوتنا.

ولله ثم للتاريخ لم أسمع عن قضية اغتصاب في عصور من سبقونا إلا سالت فيها دماء المئات والآلاف من طرف المعتدي، إلا في زماننا فإن الضحية من تبلع السكين على حديها، وتعضّ على جرحها مخافة أن يفضحها بنو جلدتها.