الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

عدم التفريق بين القاعدة وتطبيقها جر علينا الكثير من المصائب عبر التاريخ، فهو الذي جعل الدين مرتبطًا بالاحتيال، وهو الذي جعل الوطنية مرتبطةً بالديكتاتورية، وهو الذي جعل الحب مرتبطًا بالجنس والخلاعة، وهو الذي جعل الحرية مرتبطة بالإساءة إلى الآخرين والسخرية منهم، وربما كان هذا أحد أسباب الجدل الكبير حول مفهوم الحرية ومحدداتها، وأكثر ما يعطّل التحرك العلمي البحت في سبيل إيجاد توصيف مناسب لهذا اللفظ، هو الدرع العاطفي الذي يحيط به الأمر، الذي حوّل الحرية من كونها المساحة التي يحتاجها المرء للوصول إلى الغاية المطلقة، إلى أنها هي نفسها الغاية المطلقة.

هذا التحول بطبيعة الحال يشوه كل المفاهيم، وأقصد هنا المحددات العامة التي تلزم الجميع بمختلف أديانهم، وعقائدهم، ويسقط له الميزان العام للصواب والخطأ، ويصبح الاثنان جائزين ولا فرق بينهما، هذا التشوه المتعمد أحيانًا، الواقع من غير تخطيط أحيانًا أخرى، هو الذي أنتج لنا أسماء وأشخاصًا ليست مشكلتهم عدم الوزن العلمي المعتبر فحسب، بل ليس لهم وزن في النقد السليم في أصوله العامة الملزمة للجميع والمطلوبة في كل الحوارات المجتمعية بين مختلف الشرائح، وهذا بالطبع لن يكون مهمًّا طالما أن الحرية تخوّل لهم قول أو فعل ما يشاؤون دون رقيب أو حسيب.

شريف جابر الملحد صاحب حلقات على يوتيوب يتكلم فيها عن الإسلام وغيره من المواضيع، وكما قال حققت مشاهدات عالية، والذي تعرض للاعتقال مؤخرًا بعد أن رفعت دعوة ضده بتهمة «ازدراء الأديان»، طبعًا لن نستطيع في هذه السطور أن نأتي بادعاءات شريف جابر ونفندها، فضلًا عن أن هناك الكثيرين الذين فنّدوا ادعاءاته وردّوا عليها، ولكن الذي لفت نظري في الفيديو الذي ظهر فيه مؤخرًا يتباكى فيه على حريته المسلوبة وحقه المهدر في التعبير أنه قال كلامًا عجيبًا.

قال إنه سيواصل رسالته، ليس لأنه يؤمن بأنها حق، بل لأنه يؤمن بأن الطريقة التي يؤدي بها رسالته «حتى ولو كانت خطأ» حق.

هذا النسف الصريح لكل ما يفعله صاحب رسالة في الدنيا، يعيدنا إلى ما تكلمنا عنه، أن تكون الحرية في «الرأي» هي الغاية النهائية، فليس المهم عند شريف جابر أن يؤمن الشخص بما يدعو إليه، بل يمكن أن يكون هذا الشخص ضد ما يدعو إليه، ولكن يجوز له أن يدعو إلى هذا الشيء الذي هو ضده طالما أنه يفعل ذلك بالطريقة الصحيحة كما وصفها، وسواءً كان شريف يقصد ذلك القول، ومقتنعًا به، أم أنه مجرد كلام ارتجالي نابع عن عقلية مراهق لا يراقب صاحبها ما يخرج من فيه، فنحن أمام إشكالية حقيقية، وهي التعدي على ميزان الصواب والخطأ، وتقديمه للمتلقي على أنه مجرد قيود تعطل حرية الناس في أن يؤمنوا «بما يشاؤون».

غاب عن شريف جابر وأمثاله من الملحدين أمر مهم، يحتاج كل من يريد أداء الممارسة النقدية المنضبطة استحضاره، وهو ضرورة بدء العملية النقدية من القواعد الكلّية أو «الكلّيات» ثم ينطلق منها للجزئيات، فالذهاب المباشر إلى الأمور الجزئية يعزلها عن جذورها التي قامت عليها وتفسر الكثير منها، كما أن الذي يفعل ذلك يقايس هذه الأمور الجزئية إلى معاييره المتناقضة بالكلية مع كليّة الموضوع محل النقد، أما ما يفعله شريف جابر في الحقيقة هو أكثر من ذلك؛ فهو يمارس ذلك الذي يسميه هو «نقدًا» بعشوائية مفرطة، فهو كملحد يريد الطعن في صحيح البخاري، والطعن في مفهوم الروح عند المسلمين، والكلام عن علاقة العلمانية بالإسلام، والطعن في القرآن، وحتى الحديث عن علاقة المسلمين باليهود، وكراهية الاحتلال الصهيوني، في الوقت الذي لا يستقيم فيه أن يقوم أي حوار مثل هذا ما لم يتجاوز شريف جابر كملحد الحلقة الأولى في خلافه مع المسلمين، وهي فكرة «وجود الإله»، الذي يفعله شريف جابر وغيره من الملحدين هو أن ينتظر من محاوره أو خصيمه أن يشرع في سرد أدلته على وجود الإله، ثم يبدأ في تناول هذه الأدلّة بالطعن فيها سعيًا منه لأن ينسفها، ويظن أن ذلك يكفيه لأن يثبت أن «الإله غير موجود»، بينما الأمر يتطلب أكثر من ذلك؛ لأن غياب الشيء أو عدم حضوره لا يثبت مطلق وجوده أو مطلق عدمه، فلا بد لهذا من أدلة، وهذا من أدلة.

إذن شريف جابر يتعمد تجاوز النقطة المختَلَف عليها ابتداءً ليسترسل في حديثه عن أمور أخرى، محاولًا نقضها هي الأخرى، وهذا ضرب مما أسماه الحكماء «المصادرة على المطلوب»، وهو أن تقدّم في خطابك لخصمك بأمر محل خلاف بين الطرفين، وتبني عليه كلامًا آخر وتتوصل منه إلى نتائج، أقول كل هذا ولدي ثقة كبيرة أن شريف جابر غير مهتم أصلًا بكل هذه الأصول، أو أن يكون له أصول ينطلق منها لممارسة النقد، وهذا لأن طرح شريف بالكلية طرح لمجرد السخرية، وهذا ظاهر في تمثيل الشخص المسلم على أنه مجرد درويش بجلباب مهترئ يدخن الشيشة ويتكلم بلغة «المساطيل» كما يُقال عنها، هذه هي نظرة شريف جابر للإنسان الذي يعتنق الدين الذي يؤمن به مليار ونصف مليار شخص حول العالم، وعندما يعترض أحدهم يقول لك هذه حرية الرأي، وهذه هي الطريقة التي يراها صحيحة ويغلّبها على مضمون الفكرة التي من غير المهم أن تكون صحيحة أم لا.

دندنة شريف جابر وأمثاله حول حرية التعبير هي غطاء يدارون به انتقائيتهم في النقد، فشريف جابر لا يهمه سفك الدماء بقدر ما يهمه اتهام الإسلام بالدموية، ولو كان غير ذلك لهاله سقوط 50 مليون نفس في الحرب العالمية الثانية التي لم تفح منها رائحة أي دين في العالم، من قريب أو بعيد، ولهالته جرائم أمريكا في المسلمين في أفغانستان والعراق، وممارساتهم الوحشية في حق المعتقلين في العراق، والاختفاء القسري وطرق الاستجواب غير الإنسانية، ولتحرك قلبه تجاه جرائم روسيا في سوريا منذ سنوات، والضحايا التي سقطت، والبيوت التي هُدِمت وغير ذلك، ولهالته مأساة المسلمين الروهينجا، ومسلمي تركستان، وغيرها من المآسي، ولكن شريفًا يرى أن كل الدموية في العالم سببها هو الدين، وعندما يتكلم عن الدين فهو يقصد في المقام الأول الإسلام الذي أنتج داعش وفكرها المتطرف، الذي هو سبب كل المصائب، وكلي ثقة أن كره شريف جابر للإسلام هو مجرد كره أعمى؛ فهو يقدّم حلقة كاملة يتحدث فيها عن تفوق دولة إسرائيل، وازدرائه للمسلمين الذين يكرهونها؛ لأنهم يحسدونها في تفوقها، ليقفز بذلك على كل الجرائم التي وثّقتها سائر الأمم، فضلًا عن أمتنا، وعلى أحقية الأرض، ليقول إن من يعمر الأرض هو الأحق بها.

شريف جابر ذاق من الكأس نفسها التي ذاق منها الكثير من الأحرار الشرفاء من أهل مصر، وهي كأس بطش النظام الجائر الذي يحكم الدولة التي حوّلها إلى دولة اللاقانون، النظام الذي لا ينظر إلى دين أو إنسانية، أو أي شيء قيمي، بل طوّع الدين وكل فكر في الدولة لصالح سلطانه وخدمته، قرر شريف جابر أن الظلم الذي وقع عليه هو بسبب من يسميهم المتشددين المتعصبين الذين يخالفونه في الرأي، الذي هو نفسه لا يهتم به أكثر مما يهتم بالطريقة التي يوصله بها للناس، والتي ليست طريقة الحكمة والموعظة الحسنة.

عبر التاريخ اصطدم المسلمون بالكثير من أهل الأديان المخالفة، والعقائد المنحرفة، ومن لا دين لهم سوى السلطان والجاه، ودارت بينهم صولات وجولات، ولكن كل هذه الأطراف اتفقت قولًا أو ممارسةً على أن الحرية هي المساحة التي يتم العمل عليها للوصول إلى أمر ما قد يكون حقًا، وقد يكون باطلًا، فهذا أمر آخر، ولكن لو صارت الحرية هي غاية المطلوب لاختلّت كل موازين العقل، والمنطق، والحق، والباطل، ولذلك فهو توجه مخالف للفطرة السوية، فضلًا عن الذي يروج له هؤلاء من وراء كل ذلك.