صدر في النسخة الأخيرة من الرائد الرسمي للجمهورية التونسية أمر حكومي، يقضي بإحداث «دبلوم وطني للرقص» في اختصاص الرقص الكلاسيكي، والرقص المعاصر، والرقص التقليدي، باقتراح من وزير الشؤون الثقافية، ويأتي هذا الأمر الحكومي الجديد توازيًا مع مرور البلاد في الفترة الأخيرة بمشاكل انقطاع المياه في مناطق كثيرة بالبلاد، تهدد المواطنين بالعطش في موسم الحرّ. قرار سارت فيه أهواء الحكومة بما لا تشتهي تطلّعات المواطن التونسي، وكشف عن تباين قائمة الأولويات بالنسبة لكلّ من الشعب والحكومة، كما وضع الحكومة أمام واقع ضعف إدارة سياسية وخطأ اتّصالي كبيرين.

نتيجة للإصلاحات عانت مدن كثيرة من «ولاية صفاقس» منذ أواخر شهر يونيو (جوان) حالات انقطاع المياه، وصلت بعضها إلى حدود الأسبوعين، وواجه خلالها المتساكنون صعوبات كبيرة في تأمين حاجياتهم من الماء. من ذلك أيضًا زحفت لعنة المياه إلى العاصمة تحديدًا «حيّ الزهروني» ليغرق أهلها ويهلك متاعهم بالماء الموحل المتسرّب على أثر حادثة سقوط آلة إشغال على قناة جلب المياه أدت إلى انفجارها، وسحبت على إثرها مناطق أخرى من «ولاية تونس» و«بن عروس» و«نابل» إلى تجرّع كأس العطش بعد أن حال هذا الحادث دون حصول هذه المناطق على الماء؛ بسبب تعطّب الشبكة الرئيسية للتوزيع.

وفي انتظار التّدخل السريع لحلّ مشاكل الماء التي تزامنت مع ذروة الاستهلاك أثناء موجة الحرّ، نأت قرارات الحكومة عن معالجة هذا الوضع العاجل موجّهة اهتماماتها نحو ملفّ التعليم. فما أبعد هذا عن ذلك! وما أقرب قرارات الحكومة إلى الاستفزاز! وما أغرب ما يقوم به رجالات الدولة من حين للآخر خاصّة حين تعتي وتشتدّ الأمور! ولسائل أن يسأل ماذا سيستفيد شعب أنهكته الأزمات ونال منه الفقر واجتاحه اليأس ونكث به زعماؤه من إعلان قرار اعتماد شهادة حكومية للرقص في الجامعات التونسيّة؟ وإلى أيّ حدّ ستطمئن بهذا القرار شعبًا أصبحت أكبر آماله في الآونة الأخيرة كأس ماء يُذهب عطشه بعد أن كان يفتح الحنفيّة فلا تعطيه شيئًا؟

أما واقع منظومة التعليم العالي في تونس فلا تحصد هي الأخرى باعًا ولا ذراعًا من هذا الأمر الحكومي الجديد الذي أخذ مكانًا له في النّسخة الأخيرة من الرائد الرسميّ التونسيّ بتاريخ 12 يونيو (جوان) 2018، ألا وهي التي تعاني أزمة خانقة بسبب السياسات الفاشلة على مستوى القوانين والإدارة، وعلى مستوى البرامج والمناهج. ففي حين كان هناك إلحاح كبير على الخروج بمقترحات عمليّة ترتقي بجودة التعليم العالي، والتوجّه إلى الاستثمار في البحوث العلميّة، وتطوير مجالات المعرفة، وإيجاد حلول لأزمة البطالة في صفوف خرّيجي الجامعات التونسيّة التي تصل إلى نسبة 31% خلال السنوات الخمس الأخيرة، نجد رئيس الحكومة يوسف الشاهد ووزراءه بدل تثمين الأدمغة والثروات الموجودة بالبلاد، يُثمّن الرّقص ويجعل من أمره أولوية لدى العباد.

ولا مهرب في هذه المناسبة من الحديث عن الاقتصاد، إذ لم تنج تونس من الإصابة بالعجز التجاريّ الذي أدى إلى غلاء الأسعار، كما أثقل كاهلها تراجع القطاع السياحي الذي يعدّ أهمّ ركائز الاقتصاد. أما عن الدين الخارجي فهو كذلك وصل حدّه الأقصى من الارتفاع، فيما تعاني الدولة التونسية في ذات الوقت تراجعًا في قيمة الدينار التي تصل إلى نسب كارثيّة بحسب خبراء بنحو 60% مقارنة بالعملات الأجنبية، وأضف تضخّم معدّل البطالة إلى قائمة الأزمات التي تدقّ جدران البلاد؛ إنذارًا بالخطر الوشيك. وعلى هذه المشاهد رقصت الحكومة رقصة الطير المذبوح على ذقون هذا الشعب المسكين، وتمايلت قراراتها بحركات رشيقة هنا وهناك دون الوقوف على موضع الألم الأساسي، ودون خلق حلول جديّة وفعالة لمعالجة الاقتصاد المنكوب.

تتواصل سلسلة الإخفاقات الاتصالية التي تعانيها الحكومة التونسيّة، رغم محاولات يوسف الشاهد المتجدّدة في خلق سلك اتصالي شعبيّ قويم، لكنها تؤول عمومًا إلى الفشل، على قياس الخطابات التلفزيونية الماضية، والفوضى الاتصالية التي عاشها التونسيون في الانتخابات البلدية الأخيرة، ومن ذلك تتأكد في مرّة جديدة هشاشة المنظومة الاتصالية التي تنفق على سير أشغالها الحكومة مع غياب جدواها. فالإعلان عن هذا التشريع الجديد في هذا الوقت بالذات الذي يعاني زخمًا من المشاكل والأزمات هو خطوة تفتقر إلى استراتيجية بحث ومراقبة للبيئة الداخلية للمجتمع، وضعف الإلمام بأولوياته، كان الماء «ترياق الحياة» ما يتربّع قمّتها في الآونة الأخيرة. كذلك غاب عنه مراعاة الوضع الحالي للجمهور المتلقّي الذي يعاني عللاً لا يحصى لها رقم ولا يعد في صميم الاجتماعي والاقتصادي منها، أكثر ممّا هو يخصّ المجال الثقافي.

أخيرًا لا شكّ في أنّ الشعب التونسي فنّان بالفطرة، فهو ذلك الذي تربي أبناؤه على قيم الإبداع واستسقى شبابه أجناس الفنون رقصًا كان أم طربًا، موسيقى أم تمثيلًا حتى سطع نجم خيرة متقنيه عاليًا في سماء العالميّة، وهو ذاته ذلك الشعب الذي بذائقته الفنية الكبيرة وبحسّه الإنساني المرهف يرفض الاستخفاف بعقول الشعب المغلوب على أمره، ويرفض اعتماد الطريقة البوليوودية في حلّ الأزمات.