تعتبر كلمة الحرية من بين الكلمات الأكثر استعمالاً اليوم، في واقعنا خصوصًا العربي، والتي تكون ملتصقة في غالب الأحيان مع الديمقراطية والتعددية  والاستقلالية، سنركز على مفهوم الحرية بكونه شعارًا يرفعه الفرد في فضاءات متعدة: الأسرة، العمل، الدولة، وبالتالي فشعار الحرية يخفي أهدافـًا متباينة.

سنتوقف عند مفهوم الحرية كمادة للتحليل الفلسفي والاجتماعي، كمطلب ضروري موجود في الدولة ومفقود في الواقع، إن الانطلاق من هذا المفهوم يستدعي منا استيعاب الآليات التي تجعله يغيب وحضر في الواقع السياسي والاجتماعي، لذلك فالمطالبة بالحرية هناك ما يبرره، فالحرية يمكن أن تكون وسيلة لتحقيق هدف معين: حرية التعبير حرية الاحتجاج، حرية المعتقد، الحريات الفردية، يوجد إذن دافع كمبرر للمطالبة بالحرية، فإشكال الحرية يكمن في مدى  إمكانية تحقيق الصورة التي تشغلها الحرية في ذهن من يطالب بها، فسؤال ما الحرية؟ غير مجد وغير نافع، فالأحرى بنا القول، كيف تتصور الحرية الآن؟ بحيث سيكون الجواب حريتي الآن هي أن أفعل وأعبر عما أريده في إطار القانون دون أن اشعر بقيد أو أحس بأن هناك من يضايقني أو يسلب مني حريتي، ذلك هو المبرر الفعلي لرفع شعار “الحرية هنا والآن”.

لتأطير هذا البحث من الضروري أن ننطلق من السؤال الفلسفي الكلاسيكي، ما الحرية ؟ لننتهي إلى السؤال المعاصر الذي فرض نفسه، ماذا تعني لك الحرية؟ أو كيف يمكن أن تكون حرًا؟ ما الحرية بالنسبة للإنسان كإنسان؟ وهل الحرية مجرد موقف وجودي أم أنها قيد إلزامي قانوني؟

إن الحرية لم تعد ذاك المطلب المجرد المثالي الفضفاض، بل أصبحت ثقافة وسلوكًا يوميًا يؤطر كل مواقفنا  الوجودية؛ فالتأمل الفلسفي في مفهوم الحرية يبين لنا كيف يمكن أن نتمثل الحرية على مستوى الذهن، وبعدها نبحث عن طرق إبداعية من أجل إسقاط التمثل الفلسفي للحرية في الواقع، إن التوضيح الفلسفي  يثبت مدى قدرتنا على تمثل الحرية، حينما نعي حق الوعي أن تحليل المفاهيم هو تنوير وتقويم المنطق نكون قد قطعنا شوطا بعيدا نحو التقريب بين الفكر و العمل .أو نحو الرفع من مردودية نشاطنا اليومي، حيث إن الكلمات تجسم مجالات مفهومية تشير إلى تجارب والتجارب لا تترجم إلى الواقع الاجتماعي إلا إذا تم التعبير عنها بطرق مستساغة لدى الجميع.”([1])

فالمواطن يعيش الحرية إما كتحرر وإما كعبودية، فالأنظمة السياسية في العالم العربي والمغرب الكبير، تحاول أن تقيد حرية المواطنين في المجالات العامة والخاصة، مثال حرية المعتقد التي تبقى نقطة سوداء أو خط أحمر داخل دساتير هذه الدول، فالقيد الذي يطال الحرية  داخل هذه المجتمعات، يستمد قوته من الدين، فمن خلال الدين وُضِعت الحدود ورسمت المحرمات، لذلك هناك من يقارن الحرية بمجموع الحقوق المخولة له، ويتمثل التحرر في إشكالية رفع الدولة لحضرها على الممنوعات وهي حريات بالأصل والتي قننتها الدولة بتشريعات دينية وقانونية، لذا فنضال المواطن داخل هذه الدولة يتجسد في تحرير حرياته من الحضر والمنع، وهنا يتقاطع ما هو ديني مع ما هو مدني، كما قال ديوستفسكي “إذا لم يكن الله فكل شيء مباح”([2]) أي إذا لم يحضر الدين ومعه الأخلاق في حياة الناس فكل شيء سيصبح مباحًا وستنتهي الحدود التي كانت تقيد حرية الإنسان.

نجد الأنظمة السياسية تستغل الدين كمنبع للتشريع والمنع، ومن ثمة تسعى إلى ضبط سلوك الفرد في المجتمع وتراقبه وتضايق عليه بتشريعاتها عندما تمنعه في التصرف بحرية في جسده أو محيطه أو عمله، فمثلاً في المغرب المشرع يمنع احتجاج العامل على رب عمله وقيد فعل الاحتجاج بفصل 288 من القانون الجنائي، وهنا تكمن خطورة  المس بحريات المواطن العامل في الاحتجاج، مما يجعل النظام السياسي يبرر الاستغلال والاضطهاد الذي يفرضه رب العمل على العامل، وبسبب هذا المنع يصبح العامل كائنًا خاضعًا وخائفـًا يستبطن المنع كفعل مشروع ومقبول، مثال آخر داخل الدولة المغربية نجد المشرع منع العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج وجرمها بجنحة فساد ووضع لها عقوبة حبسية وغرامة مالية، هذا المنع وهذا الإكراه البدني هو وصاية على جسد الإنسان هو حِجر على عقله، إنه اعتداء على حرية المواطن الذي يرغب في التصرف في جسده وحياته الخاصة بحرية، وهذا المنع لا يستمد مشروعيته إلا من خلال مفاهيم الحلال والحرام والتي تعتبر تطبيقـًا للتشريع الإسلامي.

فالأصل أن الإنسان كائن عاقل ومسؤول له الحق في التصرف في جسده كما يشاء إذا كان ذلك التصرف لا يمس حريات الآخرين، من خلال هذين المثالين نستنتج أن الحرية ليست شعارًا مجردًا أو شعارًا مثاليًا غير واقعي، بل هي شعار ومفهوم وتجربة وموقف وجودي يعبر عنه الفرد بالطريقة التي ترضيه، وما يبرر قولنا إن القيود التي تلحق بالحرية داخل الأنظمة الاستبدادية بالعالم العربي والمغرب الكبير، تعود إلى الدين أو إلى تمثل الحرية داخل الدين كمنظومة أخلاقية وتشريعية، هو ما قاله المؤرخ المغربي الشهير أحمد الناصري “واعلم أن هذه الحرية التي أحدثها الفرنج في هذه السنين هي من وضع الزنادقة  قطعًا لأنها تستلزم إسقاط حقوق لله وحقوق الوالدين وحقوق الإنسانية رأسًا، واعلم أن الحرية الشرعية هي التي ذكرها الله في كتابه وبينها رسول الله لأمته وحررها الفقهاء في باب الحِجْر من كتبهم.”([3])

من خلال هذا النص يتبين لنا أن مفهوم الحرية لم يكن واضحًا إلا داخل الثقافة الغربية الأوربية، ولا وجود له في الثقافة العربية الإسلامية التقليدية، فالمجتمعات الإسلامية لم تكن تستوعب مفهوم الحرية لأنه أصلاً غائب كمفهوم وكمعنى، كل ما هو موجود داخل هذه الثقافة التقليدية هو مفاهيم من قبل: الحِجر، الوصاية، الحدود، الحرام، الحلال، معناه ربط الوجود الإنساني بالوجود الإلهي، أي أن الله هو من يحدد أفق التصرف في الجسد داخل حيز المجال الأرضي.

فإشكال الحرية يدور حول الفرد وعلاقته بغيره سواء أكان هذا الغير فردًا آخر يتحكم فيه من الخارج أو قوة خارجية كنظام سياسي أو جماعة دينية، هكذا سنجد أن حرية الفرد حبيسة مجالين: مجال خارجي يحاول أن ينظم حرية الأفراد كما هو الحال مع الأنظمة السياسية، ومجال داخلي يتعلق بالفرد ذاته وما يحمله من حمولة فكرية وإيديولوجية وأخلاقية  ونفسية ودينية، إذ يمكن أن نجد الفرد داخل مجتمعاتنا التقليدية مسلوب الحرية من تلقاء ذاته بفعل موروثه الثقافي الذي ترسخ له في بنياته الذهنية والعقلية، بحيث  انتقل الموروث من ثقافة عابرة إلى اعتقاد راسخ.

لذلك فالمواطن في حاجة إلى تحريره من قمع الأنظمة السياسية وتحريره أيضًا، من واقع ذهني يتعايش معه ويرسم له حدود وهمية، فكل القيود التي يوجد فيها الأفراد الآن في واقع مجتمعاتنا التقليدية تتلخص في مجال القيود النفسية والميتافيزيقية التي يبررها الفكر الديني، في حين أن مطالب الأفراد – المواطنين – تسعى إلى الحرية في مجالها السياسي والاجتماعي، كما عمقها الفكر الليبيرالي منذ عصر الأنوار إلى اليوم.

لذا نجد الأطروحات الليبرالية تربط  الحرية بميدان الدولة أي بالنظام السياسي بثقافة القانون وليس بالسلطة الدينية، ويعد دفاع اسبنوزا عن الحرية الدينية أو على الأصح عن الحرية الفكرية ضد السلطة الدينية، جزءًا من دفاعه عن حرية الرأي بوجه عام.([4]) “هكذا وضع اسبنوزا مبدأ عامًا يكون من واجب الدولة بمقتضاه أن تتعهد عقول رعاياها وتحكمهم بالإقناع لا بالإكراه، يتضح لنا أن اسبنوزا نجح في نصر الاتجاه المتحرر على الاتجاه المتعصب، وأثبت أن المصالح الحقيقية للدولة لا تتأثر بتلك الحرية على الإطلاق  بل على العكس من ذلك تصان بالحرية، يقول اسبنوزا “وأكرر القول إن الغاية من تأسيس الدولة ليس تحويل الموجودات العاقلة إلى حيوانات أو آلات صماء، بل إن المقصود منها هو إتاحة الفرصة لأبدانهم كي تقوم بوظائفها كاملة في أمان تام، بحيث يتسنى لهم أن يستخدموا عقولهم استخدامًا حرًّا دون إشهار لأسلحة الحقد أو الغضب أو الخداع، بحيث يتعاملون معًا دون ظلم أو إجحاف، فالحرية إذن هي الغاية الحقيقية من قيام الدولة.”([5])

يبين اسبنوزا أن مجال التفكير ومجال القول – طالما كان صادرًا عن العقل لا الانفعال – ينبغي أن تسوده الحرية التامة شريطة ألا تتنافى مع القانون، أما قمع حرية الفكر وكبتها فلن ينتج لنا إلا النفاق والغش، يضيف فؤاد زكريا “كان سعي اسبنوزا، إلى كفالة الحريات للجميع، في واقع الأمر تعبيرًا عن رغبة في  إتاحة كل الفرص أمام المواهب الحقيقة للظهور، وهذا الهدف في رأيه هو الغاية الحقيقية للتنظيم الاجتماعي الذي يتخذ شكل الدولة.”([6])

لقد أصبحت مسالة الحرية هنا والآن ضرورية ، لأن الصراع حولها جعلها تواجه جبهتين: جبهة الذات التي انغلقت على نفسها وأصبحت تعيد إنتاج نفسها عبر سلسلة من الذوات الأخرى التي تنتجها الثقافة، أي إعادة إنتاج الكائنات المسلوبة والمقهورة نفسها، وجبهة ثانية هي الحصن المنيع الذي يستولي عليه الحاكم في المجتمعات العربية التقليدية  وهو الدين الذي  به يقمع ويتسلط على الشعب باسم الشعب نفسه، وقد بين عبد الكبير الخطيبي ذلك في قوله “في واقع الأمر نجد أن الطبقات العربية الحاكمة علمانية وتستعمل الدين كسلاح إيديولوجي، لأن الشعب مؤمن، وهذا يقلق العقلانيين واليساريين العرب؛ فكيف يمكن النضال ضد هذا الاستغلال دون أن يكون الشعب ضدهم، حينئذ يصمتون في انتظار أن تغير البنية التحتية البنية الفوقية.”([7])

لذا نجد معركة الحرية محصورة بين المفكرين والحقوقيين الذين يدافعون عن ربط الحرية بالدولة المدنية، يبين عبد الله العروي أنه “غالبًا ما قيل لنا بأن الحرية الفردية مفهوم غربي على وجه الخصوص، وأن اللاغربي  يبدأ برفضه ببساطة لأن لديه صعوبة في فهمه، لأن الحرية المدنية  تقتضي إصلاحات اجتماعية عميقة تغير مظهر المؤسسات الوطنية فإن اللاغربي سيكون مدفوعًا بطبيعة إلى أن يقاوم الحداثة..”([8]) لقد بزغت حريات فردية اصطدمت بالحريات العامة داخل الدول العربية في حين ذهب الغرب إلى تجاوز هذا الصدام بوضع تشريعات تسير مع أهواء المواطنين، هنا في العالم العربي نتوقف عند التقاطع  الحاصل بين ما هو قانوني بما هو أخلاقي والحق الفردي في الاختلاف بالحق في الوحدة المجتمعية، التي تسعى إلى تكريس نسق أخلاقي واحد عام، هنا يكمن المشكل الذي تحدث عنه الخطيبي والموجود بين اللاهوت وفكر الاختلاف.

يسعى التصور اللاهوتي إلى فرض نسق الواحد، كلنا مؤمنون ومسلمون، ومفهوم الاختلاف يشير إلى التعددية والاختلاف والتنوع، فنحن في حاجة إلى قانون ينطلق من مبدأ الاختلاف والتعدد وليس من الوحدة التي تكرسها الأنظمة اللاهوتية، لأنه لا ينبغي لهذه التقيدات الموجودة في اللاهوت العربي وفي قانونه وثقافته أن تكون ذريعة للتضييق على الممارسة  الديمقراطية وإلغاء الفرد في الاختلاف والاختيار والانتماء إلى أكثر من هوية واحدة، “إن القدرة على ضمان استيعاب خصوصيات الأفراد والجماعات الثقافية والدينية، وفتح المجال لتطورها الخاص في إطار التطور العام والمشترك للدولة هي معيار نجاح الممارسة الديمقراطية الحرة.”([9])

إن الحرية “هنا والآن” حلم شباب اليوم الذي خَفت لديه وطأة الاعتقاد بقداسة الانتماء الواحدة والهوية الواحدة في عالمنا العربي وبالمغرب الكبير، كما تقلصت ذهنية القبول بوصاية الجماعة والأمة والدولة على حرية الفرد والمواطن، فمن الضروري البحث عن صيغ التوافق والتواصل وتنزيل فلسفة العيش معًا، التي ستعيد أهمية الفرد في معركة الحرية والتحرر.

نعتقد أن من لا يخجل من هجائه للحرية، وإعلائه من شأن العبودية هو إنسان يفتقد إلى العقل لأن كل إنسان عاقل فهو حر بالفطرة، لذلك لابد أن نتشبث أكثر برهان الحرية الآن، لأننا نتوسم فيه ربحًا كبيرًا لذواتنا ومستقبلنا. فبالقدر الذي يجب أن نناضل من أجل الحرية بالقدر نفسه ننتبه إلى خطورة تسخير الحرية وتحويل شعارها إلى غطاء لممارسات مضادة للحرية والمساواة والعدالة، كما وقع في بعض البلدان العربية إبان ثورات الربيع الديمقراطي، حيث انتفض الشعب ورفع شعار الحرية والعدالة وانتهى  به المطاف إلى العسكرة والاستبداد أو التطرف.

إن كل الاحتجاجات والثورات التي بدأت منذ سنة 2011 إلى حدود اليوم لم تنتج لنا ثمار الحرية مع العلم أنها رفعت شعار الحرية والديمقراطية، لأن المشكلة الأساسية هي كيفية تفعيل الحرية بطريقة تجعلها تؤثر في واقع المواطنين، مادامت الدولة هي المجال السياسي المناسب التي تثمر فيه الحرية أو تذبل، فلا بد أن تكون هناك مؤشرات واقعية تبين للمواطن أنه حر في جسده وفي فكره، وفي انتقاد أساليب حكم الأنظمة السياسية التي تحكمه دون أي يتعرض للقمع أو الإساءة.

ما نزال نجد الدولة تمثل الخصام والخصم والحَكَم، فهي التي تحدد قواعد اللعبة وتمسك بكل أوراقها، فتحدد الرابح من الخاسر أي هي من يجسد إرادة الشعب والممثل للحرية العامة، أو كما قال عبد الله العروي “كلما اتسع مفهوم الدولة ضاق مجال الحرية”([10]) كما نجد حنا أرندت تتفق معه في قولها “متى ظهرت السياسة اختفت الحرية، أو كلما ازداد مقدار السياسة قل مقدار الحرية والعكس.”([11])

فأزمة الحرية لا يمكن تصورها إلا داخل الدولة وحلها لا يمكن تصوره كذلك إلا داخل الدولة “فالسياسة هي الإطار المناسب والأداة الفعالة لتوسيع الحريات العامة وتعزيزها من خلال المؤسسات والقوانين والدساتير والآليات التي تفعلها وتضمنها وتصونها وتطورها كالبرلمان والأحزاب والسلطة القضائية.”([12]) كما نجد العروي يذكرنا أن التساؤل حول الحرية هو في العمق تساؤل حول الدولة والمجتمع بشرط ألا ننسى أن الحرية تتعلق أساسًا وفي آخر المطاف بالفرد”([13]) إن الحرية اليوم لم تعد مطلبًا سياسيًا بل أصبحت مطلبًا دستوريًا واجتماعيًا واقتصاديًا، إنها روح الإنسان وكرامته ووجوده، لذلك فلابد أن تكون هنا والآن.

هكذا ستنتصر الحرية الفردية كقيمة عليا في مجتمعاتنا، ستنتصر بالشعور بالفردانية بما تقتضيه من تعدد في الآراء واختلاف في المواقف والأهواء والإيديولوجيات، وما تتطلبه من قلق وتفكيك وتساؤل بصدد أصنام ومسلمات الثقافة التقليدية والمنطلقات والمعتقدات وتنافس وتقدم في مجال الخلق والإبداع المرتبط بالمسؤولية.

إن مطلب الحرية هنا والآن لم يعد يستوعب فكرة الذات الجماعية الصلبة التي لا تحتمل سوى هوية واحدة بوصفها أفضل هوية أخرجت للناس، بل إن هذا المطلب الآني يحمل في جوفه تصورات متعددة، مبدؤها الاختلاف المتعدد وليس الاختلاف المتوحش بتعبير الخطيبي، ذات منفلتة تنتقل من جديد إلى جديد عبر تحويل الخطوط الحمراء التي رسمها اللاهوت إلى معايير مشتركة متسامحة خلاقة تنبع من ذات عاقلة تحمل شعار “أيها الإنسان أنت ما تريد”. فالحرية بدون أفق جديد هي خوف من الحرية نفسها وخوف من خلخلة القيم بتعبير نيتشه، خوف من الزمن الجديد الذي سيضيء الوجود بشعلة الحرية  ويجعل من الذات أو “الأنا” سيد نفسه: “و الحال أن الحرية إبداع ولا يمكنها أن تُبدع إلا في جو من التوتر والصراع والمواجهة  والتجاوز لما هو حاصل ومكتسب، من أجل تطويره حتى تحصل متعة خلق الوجود، ألم يقل نيتشه بأن الإنسان الحر هو إنسان محارب؟”([14])

تركيب:

تتحقق الحرية في فضاء وحيد هو السياسة أي داخل الدولة، والسياسة لا تختزل في أنظمة أو أحكام ولكن في السلوكيات اليومية التي ينسجها الأفراد بأقوالهم وأفعالهم وجوهر هذه العملية يكمن في عفوية الأفعال، تلك التي تفتح عالمًا جديدًا باستمرار خاضعًا لمبدأ الصيرورة.

إن الحرية ليست هي اللامبالاة، بل هي التي تجعل المرء يحقق ذاته ويجسد القيمة في الفعل وفي التجربة، و بالتالي يكون مساهمًا في تغيير عالمه الشخصي أولاً، والعالم المحيط به ثانيًا. إنها الحرية قدر وجودي وشأن ذاتي داخلي، وليس أمرًا غيريًا خارجيًا، إنها أمر يعنينا كما قال سارتر علينا واجب معين هو أن نفعل كل ما نشاء وفق قواعد العيش المشترك داخل فضاء مقنن ومعقلن.

_________________________________________________________________________________________________

[1] –  عبد الله العروي، مفهوم الحرية، المركز الثقافي العربي، دار التنوير للطباعة والنشر ط 3 سنة 1984 ص7.  

[2] –  عبد الله العروي، أوراق، المركز الثقافي العربي  ط 2 سنة 1996 ص35.  

[3] –  أحمد الناصري  ، الإستقصاء ، الدار البيضاء  ، سنة 1945 ، جزء 9 ص 114- 115  

[4] –  فؤاد زكرياء  ، اسبنوزا ، دار التنوع لطبيعة و النشر  ، سنة 2008 ، ص 224

[5] –  باروخ اسبينوزا رسالة في اللاهوت والسياسية، ترجمة حسن حنفي، دار الطليعة بيروت، الطبعة 4 ، سنة 1997، ص446.

[6] – فؤاد زكريا، اسبنوزا، ص 226

[7] – عبد الكبير الخطيبي، النقد المزدوج، دار العودة بيروت، طبعة 1، 1981 ص 33- 34

[8] – Laroui  Abdelah, Islamisme, Modernisme, Libéralisme, Casablanca,Center Culturele arabe 1997 p 41

[9] – محمد المصباحي، رهانات الحرية في العالم العربي مجلة رهانات الفلسفة العربية المعاصرة مطبعة الأمنية، طبعة 2010، ص113

[10] – عبد الله العروي، مفهوم الحرية، ص23.

[11] – محمد المصباحي، المرجع نفسه، ص112.

[12] – محمد المصباحي، المرجع نفسه، ص112.

[13] – عبد الله العروي، مفهوم الحرية، المرجع نفسه، ص107.

[14] – محمد المصباحي، المرجع نفسه، ص117.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست