في انتخابات مبكرة، أراد بها أن يُثَبت سلطته «المطلقة» بتعديلات دستورية حشد لها قبل عام مستخدما كل خطاب «تعبوي» ممكن (بما فيه خطاب «الحرب على الإرهاب»)، نجح أردوجان «الرئيس» بحكم ديموقراطية الصناديق، «والحاكم الأوحد» بحكم التعديلات الدستورية، أن يستدعي في تلك المرحلة المضطربة من تاريخ المنطقة، كل الأحلام (والهواجس) القديمة؛ تركيٌا، وعربيا، وأوروبيا. بالضبط كما فعلت دولة الخلافة في بزوغها، وأفولها، وبالضبط كما فعل «وارثها» القوي: مصطفى كمال «أتاتورك». 

ـــــــــــــــــــــــــ

خلال زيارته لمصر (سبتمبر ٢٠١١)، وتعليقا على جدل؛ كان عقيما ومنهِكا حول صياغة الدستور المصري الجديد، نصح رجب طيب أردوجان؛ رئيس الوزراء التركي أيامها المصريين بصياغة دستور يقوم على مبادئ «العلمانية». يومها قال لي أحد قيادات الإخوان معلقا «ليس لنا صلة بهذا الكلام.. لهم دينهم ولنا دين» ويومها لم يتردد الدكتور محمود غزلان المتحدث الرسمي باسم الجماعة؛ التي كانت تحرص أيامها على مغازلة السلفيين أن يعتبر تصريحات رئيس الوزراء التركي «تدخلا في الشئون الداخلية للبلاد…»، مؤكدا أن «تجارب الدول الأخرى لا تُستنسخ، وأن ظروف تركيا ربما تفرض عليها التعامل بمفهوم الدولة العلمانية، أما في مصر فالأمر مختلف». 

نصيحة أردوجان بالعلمانية، التي سمعناها يومها في (١٢ سبتمبر ٢٠١١)، كررها في محاضرة بدار الأوبرا المصرية، ثم بعد ذلك على (١٧ فبراير ٢٠١٧)، عندما سأله مديرها تركي الدخيل عن التجربة التركية في الجمع بين الإسلام والعلمانية، في حين «يعجز العرب عن ذلك»؟

قبل ذلك بعامين، وفي فبراير أيضا (٢٠١٥)، وقبل أن يتوقع أحد أن يصل الجيش التركي في سوريا إلى ما وصل إليه اليوم دخلت فرقة تركية من خمسمائة جندي في حراسة ٤٠ دبابة، إلى عمق الأراضي السورية جد مؤسس «الإمبراطورية العثمانية» عثمان الأول ضمن عملية عسكرية أيقظ هدير دباباتها ذكريات تاريخية «إمبراطورية» قديمة. والحاصل أن تلك العملية ذات الدلالة «الرمزية» كانت بعد أشهر فقط من وصول رجب طيب أردوجان إلى كرسي الرئاسة في الجمهورية التركية، التي بدا أنها تستعد لدور إقليمي، وأن الرجل يستعد لما بعد ذلك.

لم تكن تلك الحادثة فقط واضحة الدلالة، فرجل تركيا «القوي» كان واضحا على الدوام، سواء في موقفه من علمانية أتاتورك، أو عثمانية السلاطين. وأنه ليس أكثر من امتداد لكليهما. في فبراير الماضي، وفي الاحتفال بذكرى السلطان عبدالحميد الثاني قال أردوجان نصا: إن الجمهورية التركية، كما كانت دولتنا دائما «امتداد لما سبقها، كما أنها امتداد للعثمانيين … قد تتغير الحدود، وقد يتغير شكل الدولة، ولكن يظل الجوهر كما هو».

***

لولا دعم من الحزب «القومي» اليميني (لا غيره)، لم يكن حزب العدالة والتنمية ليتمكن من تمرير التعديلات الدستورية (يناير ٢٠١٧) التي تجعل من «الرئيس» حاكما مطلقا. ولم يكن فيما بدا مفارقة غير دلالة واضحة على طبيعة الأمور.

بحكم التعريف، ومقتضيات اللغة، كان كل «سلطان» يحرص على أن يحتفظ في يديه بكل مقاليد الحكم والقرار «والسلطة». وككل سلطان فعل «الجنرال» مصطفى علي رضا (أو كمال؛ كما أطلق عليه مدرسوه، أو «أتاتورك» كما أطلق عليه الأتراك) قبل مائة عام، حين أخذ من «السلطة» ما مكنه من تغيير البلاد كليا؛ لغة، ولباسا، وحدودا، وعاصمة، وسياسة خارجية. 

 وكما كل سلطان، كما أتاتورك حرص أردوجان بتعديلاته الدستورية الأخيرة على تكريس «سلطة الرجل الواحد» ذاتها. لا فارق هناك إلا في التفاصيل. تقول منظمات حقوق الإنسان التي تكرهها حكوماتنا، ويتهمها ديماجوجيونا السلطويون بالعمالة لإسرائيل وقطر وتركيا إن أردوجان لم يألُ جهدا في اتخاذ كل إجراء من شأنه تقييد الحريات العامة، التي يتصور أنها قد تسمح لهذا أو ذاك بعرقلة مسيرته نحو بناء تركيا «التي يريد». بالضبط كما فعل سلفه أتاتورك (أو «أبو الأتراك» كما تعني الكلمة) قبل حوالي المائة عام.

يتحدث تقرير حديثٍ وافٍ لمنظمة Human Rights Watch عن آلاف المعتقلين، وآلاف المفصولين من أعمالهم، ومصادرات لجمعيات، ومؤسسات، ومستشفيات خاصة، ومدارس وهيئات تعليمية. كما يعدد التقرير المفصل حالات غلق الصحف والمؤسسات الإعلامية، وحبس الصحفيين، وحجب مواقع الإنترنت، ورفع سيف الاتهام «بالإرهاب»، أو بالانضمام إلى جماعة فتح الله جولن (أو حتى التعاطف معها) في وجه معارضيه. إلى آخر ما تعرفه النظم «السلطوية»، التي نعرف؛ من التاريخ (أو بالخبرة الآنية المباشرة). 

***

 

 

ها هو أردوجان أو «السلطان» كما هتف له البوسنيون في سراييفو عندما زارها قبل شهر من الانتخابات ليخطب في أنصاره (هناك) قد قُيضت له أسباب «السلطة» جميعها.

ورغم حقيقة أن الثقافة الديموقراطية المتراكمة للأتراك (وتجربتهم المريرة) نجحت في إجهاض الانقلاب العسكري (يوليو ٢٠١٦)، كما نجحت أيضا في فرض سياق يسمح لزعيم المعارضة «محرم انجه» بأن يجوب البلاد ويعقد مؤتمرات مفتوحة يحضرها الآلاف (وهو أمر لم نره في سياقات إقليمية أخرى) إلا أن ذلك لا يحول دون حقيقة أن «السلطان» هو ككل السلاطين «يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا»، وبالتالي، فهم، بحكم «ما يحسبون» لا يحبون المعارضة، ولا يرون غير أنها تعوق القاطرة التي يتصورون أنهم «مبعوثون» ليقودونها نحو القمة. 

في طريق قاطرة أردوجان تلك، أو على جانبي طريقها تبقى تركيا، وإقليميا، وإسلاميا، وغربيا ملحوظات ومفارقات:

ــ كما كان حال (لاعني سايكس بيكو) من القوميين العرب، لم يخف أردوجان يوما عدم اعترافه بالحدود «التي رسمها المنتصرون والمستعمرون في أعقاب الحرب العالمية الأولى»، الأمر الذي كان من شأنه أن يوقظ هواجس أوروبية «تاريخية»، وتوجسات محلية «واقعية» مفهومة.

ــ أن الرجل ككل السلاطين (مهما اختلفت الألقاب)، وككثير من جيرانه (مهما اتفقت أو اختلفت الأسباب) لا يحب معارضيه. أو بالأحرى .

ــ أن الرجل كغيره (ممن جربنا ونعرفهم جميعا) يلجأ إلى خطاب شعبوي (تعبوي) يحشد به الجماهير. لا فارق إن كان هذا الخطاب دينيا، أو قوميا … وهو على أي حال يمزج بين الخطابين.

ــ كغيره (ممن جربنا ونعرفهم جميعا) لا يفتأ الرجل يتحدث عن «ما يهدد الأمة» وعن «الإرهاب» الذي يظل وجوده (كما حالة الطوارئ «الدائمة») شرطا لمكافحته. وإلا وقعت البلاد والعباد في «ما لا يحمد عقباه».

ــ وكغيره (ممن جربنا ونعرف) يقايض الزعيم مواطنيه: رخاء اقتصاديا مقابل الحريات السياسية. 

ــ ولعل المفارقة الأكثر دلالة، والتي تعكس حالة الكيل بمكيالين التي صارت وباء مرحلة «الاستقطاب الفكري الصفري»، التى بتنا نعيشها في منطقتنا تلك تتمثل في حقيقة أن ما يتعرض له المنتمون إلى جماعة فتح الله جولن (الموصوفة تركيا «بالإرهابية») أو حتى المتعاطفون أو مجرد المتهمون بالشبهة في عصر أردوجان (المتهم مصريا بالأخونة) قد لا يختلف واقعيا عن ما يتعرض له في مصر إخوانها (الموصوفون رسميا «بالإرهاب») والذين يؤيدونه دون قيد أو شرط (!). 

……………..

……………..

 

يبقى أنه كما ظهر أتاتورك زمن إعادة رسم خرائط المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى أوائل القرن العشرين، جاء أردوجان زمن إعادة رسم الخرائط؛ بقوة الواقع، والانهيارات، والهواجس، والصفقات، أوائل القرن الحادى والعشرين. والحاصل أنه رغم مرور مائة عام لم يهدأ فيها الخلاف الاستقطابي المتطرف حول أتاتورك؛ باني الدولة التركية الحديثة أو العميل الغربي الذي هدم إمبراطوريتها «العثمانية» الإسلامية (صفه بما شئت). فالأغلب أن ذلك سيظل هو الحال مع أردوجان؛ اللاعب الإقليمي «المتسلط والقوي» في آن. أو بالأحرى الوجه الآخر للعملة «الأتاتوركية» وإن اختلفت اللافتات، والمنطلقات الأيديولوجية، وظل علم السلطان الفاتح الأحمر الذي يتوسطه الهلال، يرفرف في أنقرة واسطنبول. 

ربما يكون في بعض مواقف الإعلام الغربي، أو بالأحرى في مقالات الرأي فيه ما يمكن تفهمه من ظلال لهواجس «عثمانية» تاريخية. كما قد يكون عند العرب الذين تحفل ذاكرتهم بذكريات «الولاة المتعجرفين» (هل شاهدتم «) ما قد يبرر ريبتهم. ولكن كل ذلك لن يحول دون حقيقة أن أوروبا (التي أضعفها الزلزال الترامبي، وموجات الهجرة) كما أننا في تلك المنطقة التي لا تكاد خرائطها أن تستقر بصدد لاعب إقليمي لا يمكن تجاهل مكانته «الأتاتوركية»، ولا طموحاته «العثمانية»، اسمه «رجب طيب أردوجان».

***

وبعد..

فأما أن أردوجان قد فاز بثقة أغلبية الأتراك، فهذه حقيقة لا تدحضها أوهام المتوهمين، ولا توجساتهم.

وأما أن «السلطة المطلقة مفسدة مطلقة»، فهذه حقيقة أخرى. مهما حاول هذا أو ذاك (هنا أو هناك) إخفاءها خلف شعارات: «الخليفة المستبد العادل» أو «الزعيم الملهم» أو «الحرب على الإرهاب».

والحقائق، لا ينفي بعضها بعضا بالضرورة، بل تتكامل، كما قلنا مائة مرة، لتصبح الصورة واضحة.. ومنصفة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

لمتابعة الكاتب:

twitter: @a_sayyad

Facebook: AymanAlSayyad.Page

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقالات ذات صلة: 

– عن الخليفة والأمير والرئيس.. «والثقافة الحاكمة»٠

– عن «الثقافة الحاكمة» .. عودة إلى هشام شرابي

– لماذا لا يحبون الدستور؟

– الحريات في ظل رئاسة أردوجان (٢٠١٦ - ٢٠١٨)