5a75d9ef-4e20-4f6d-9387-1dfaabc2d389.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

أمجد ناصر

هناك كتبٌ للحب، وكتبٌ للخيانة، كتبٌ للوفاء، وكتبٌ للغدر، كتبٌ تقول وكتبٌ تصمت. كتبٌ تكذب فتنفد، وكتبٌ تحترق بصدقها الذي لا يصدّق. هناك كتبٌ يقال إنها تصنع التاريخ، وكتبٌ تنسب إليها الثورات والانقلابات واضطراب البشر على حبال الطاعة والحرية المخاتلة.

هناك، دائماً، كتابٌ جاهز ليكون سبباً مشهراً للتغيير أو قلب الأشياء رأساً على عقب. يحدث ذلك، أحياناً، في الواقع، لكنه يحدث، غالباً، في المخيلة. نعرف بعضاً من الكتب التي صنعت كتباً، وألهمت كتّاباً ألهموا بدورهم كتّاباً آخرين، ولكننا لا نعرف، بالضبط، الكتب التي غيّرت “الواقع”. لا بدَّ أن ذلك حدث. ولكن ليس على النحو الذي تطمح إليه الكتب. ألا نسمع أبناء الثورات يقولون إن “النظرية” صحيحة، لكن الخطأ في “التطبيق”؟ ليس هناك، على ما يبدو، أكثر إغواءً من رائحة الحبر وهسهسة الكلمات لرمي الأمثال والعبر، العلل والأسباب، كأحجار نردٍ مارقة، على طاولة في وسع الكون. هناك كتبٌ للحب، وكتبٌ للخيانة، كتبٌ للوفاء، وكتبٌ للغدر، كتبٌ تقول وكتبٌ تصمت. كتبٌ تكذب فتنفد، وكتبٌ تحترق بصدقها الذي لا يصدّق. هناك كتبٌ يقال إنها تصنع التاريخ، وكتبٌ تنسب إليها الثورات والانقلابات واضطراب البشر على حبال الطاعة والقهر والحرية المخاتلة. هناك إله جنوبي يسمى “كُتْبَة”، كان يطوف في مدينةٍ منحوتةٍ في الصخر تُدعى “بترا”. لا أستغرب أن تكون الكتابة، عندنا، منسوبةً إليه. ثمّة كتبٌ كثيرة. كتبٌ لا تنتهي. كتبٌ نقشت على جدران الكهوف، على رُقمٍ طينية، على رقاعٍ من الجلد، على ورقٍ من البردي، على مناديل الوداع، على أذرع العاشقين والقراصنة، على ظهور الأسرى. كتابٌ يراه الحرس فتمرّ، وكتابٌ يقرأه السلطان فتهلك.
قابلت، مرة، رجلاً مأخوذاً بالكتب المخطوطة باليد. أراني مقتنيات متحفه الشخصي من الكتب والمخطوطات. بين كتبه، التي خُطت في بلاد لا يربط بينها رابط، وعكف عليها رجالٌ عاشوا في أزمنةٍ مختلفة، كتابٌ مقدس كُتب على حبة قمح وبجانبه عدسة مكبرة. فكَّرتُ، والرجل المأخوذ بالكتب يريني عجيبته، بذلك الشخص الذي خطَّ، بصبرٍ ودقةٍ مذهلين، كلاماً مقدساً بإبرة لا تُرى على حبة قمح، وخطر لي، لحظتها، أن لا شيء مثل الكلمات أرَّق حياة الإنسان وأوهمه بالخلود المستحيل. الرجل جامع الكتب العجيبة يقرأ، لكنه لا يكتب. فبعد أن رأى كل تلك الكتب، وجمعها تحت سقف واحد عرف، ربما، أن كل شيء كُتِبَ من قبل، ولا حاجة لسفح مزيد من الحبر، لكني فكَّرت، أيضاً، بالذين يكتبون، فلو أنهم عرفوا عدد الأشجار التي تحولت كتباً ربما ما كتبوا. ولكن كلا.. فالكائن الذي قبل “الأمانة” التي رفضتها الجبال محظوظ، لأنه قادر على الذكرى والنسيان معاً.
الكتب تفكِّر، أيضاً، بكتب أخرى وتضمرها. هناك “كتاب الرمل” الذي يتحدث عن كتابٍ لا بداية لصفحاته، ولا نهاية لها، والرجل الاسكتلندي الذي يقول لبورخيس أو شبحه: “لا جدوى من معرفة الصفحة الأولى أو الأخيرة، لأنه لا وجود لشيء كهذا، أما ترقيم الكتاب، فليس سوى أمر اعتباطي (ربما للقول إن حدود السلسلة اللامتناهية تقبل أيَّ عدد).
هناك أيضاً كتابٌ يتم إخفاؤه، لأنه يثني على فضائل الضحك، ويموت كل من يصل إليه في مكتبة مصمّمة على شكل مصيدة يضمها دير ناءٍ. يقول سادن الكتاب الأعمى للمحقق الذي يصل إلى مركز اللغز: ها هو الكتاب خذه، اقرأه. هيا هيا، لكن المحقق الداهية يعرف أن صفحات الكتاب منقوعة بالسم.
هذا مثل كتاب الحكيم “روبان” في الليلة الخامسة من ليالي شهرزاد، حيث يكافئ السلطان “يونان” الحكيم الذي أشفاه من البرص بالقتل، فيدبر له الحكيم المغدور كتاباً منقوعاً بالسم ويقول له اقرأه بعد موتي. الكتاب المسموم تنقّل بين ثقافات عديدة، وعبر حدود الزمان والمكان. ففي فيلم “لا رين مارغو” يقلب الملك، بين صليل السيوف وهفهفة ثياب عشيقات الخلسة، كتاباً ملتصق الصفحات وضعته أمه ذات الفم المزموم عند سرير غريمه على عرش مرصّع بعظام التراقي. الكتاب أخضر. فمن يشك في كتاب أخضر؟ أما الغريم المزعوم فليس سوى صديقه الذي أنقذه من ناب الخنزير البري، عندما كانت سيوف المكيدة مطمئنةً إلى شفرتها القاطعة. لكن في ليل الخيانة المحبوكة جيداً بخيوط رفيعة من الحرير والزرنيخ، لا تكفي حرارة اليد التي تربت على كتفك، كي تعرف من معك ومن عليك.
بإبهام مبلل بطرف اللسان، وأنفاس تدفع عقارب الساعة إلى الرّنة الأخيرة يتذوق الملك مصيراً طبخته عاطفة عمياء في أبرد قدورها، فيتلوى من ضحكٍ لا يشبه ضحكاً آخر، متسائلاً عن سر التصاق الصفحات. الجواب يأتيه، سريعاً، من فم كلبه الطافح بالزبد. الكتاب في مكانه الصحيح. السم كامل الدسم، لكن الذي راح ينتزع الصفحات الملصوقة بذرق الشيطان كان الشخص الخطأ.
الكتاب المفقود يُغري بالسرقة الأدبية. هذا ما فعله كاتب سوري اقتفى أثر كاتب إيطالي فدبج كتاباً يروي مغامرات شاب عربي، بحثاً عن مخطوطةٍ مفقودة لابن رشد في دير إيطالي ناء، فنكون، والحال، أمام كتابٍ عن كتابٍ عن كتاب.
نسمع، دائماً، من يقول قرأت كتابا فغيَّر حياتي! قال هذا الكاتب البرازيلي كويلو، فرددها بعده شبان في أماكن مختلفة. قابلت يوماً شاباً قال لي إنه قرأ “الخيميائي” فاكتشف أن “الكنز” الذي يبحث عنه في الخارج موجود في داخله. لم أقل للشاب إن هذا الكتاب مسروقٌ من كتاب آخر يحلم فيه تاجر مصري بكنز في مدينة فارسية، فيقابل قاضياً فارسياً يقول له إنه، هو أيضاً، يحلم بكنز موجودٍ تحت شجرة في المنزل الفلاني، في الشارع كذا في القاهرة. كان المنزل، لدهشة التاجر المصري، منزله الذي غادره بحثاً عن كنز في مدينة بعيدة.
كنت، أيضاً، شاباً صغيراً مثل الذي قال لي إنه قرأ كتاباً فتغيرت حياته. قرأت كتاباً ابتعته من مكتبةٍ في حلب. كنت على وشك عبور “باب الهوى” إلى حرية تراءت لي على أرصفة بعيدة. قرأت الكتاب الذي يتحدث عن العمال وفائض الإنتاج واستغلال الإنسان أخاه الإنسان في قرية حدودية. عندما عدت إلى مدينتي، شعرت أنني صرت عرضةً لرياح لا تتوقف عن الهبوب. كان عليّ أن أرى شخصاً صبغ التبغ شاربيه بشقرة فلاحية. كان هو أيضاً يتأبط كتاباً. تغيرت. لكني لا أعرف من الذي غيّرني: الكتاب الذي قرأته في قرية حدودية، أم الرجل الذي كان ينتظرني، كمصادفةٍ مدبَّرةٍ، في مقهى يضجُّ بأصواتٍ لم يعد لها وجود إلا في ذاكرتي، وهذا بدوره كتاب آخر يترك بيت العائلة، ويبحث عن باب الهوى.

إعجاب تحميل...