هل كان مستشار الرئيس أنور السادات، وصهر الرئيس جمال عبد الناصر، ورجل الأعمال، أشرف مروان، جاسوساً لإسرائيل أم عميلاً مزدوجاً؟ وفي حال كان عميلاً مزدوجاً فلمن منح ولاءَه؟ لبلاده أم لإسرائيل؟ تاليا إطلالة تحاول الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها.

أذهلت التقارير الاستخبارية التي تحدثت عن تجنيد المخابرات الاسرائيلية (الموساد) مستشار الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، وزوج ابنه الرئيس جمال عبد الناصر، ورجل الأعمال لاحقا، أشرف مروان، عقول باحثين وكُتّاب عرب كثيرين، علاوة على سياسيين ومراقبين. وإذا كان ذلك صحيحاً، فإن تجنيد مروان يُعتبر أحد النجاحات الكبرى للاستخبارات الاسرائيلية على غرار اختطاف المسؤول النازي الرفيع، أدولف آيخمان، من الأرجنتين في عام 1960، ثم محاكمته وإعدامه في عام 1961، وكذلك تجنيد الطيار العراقي منير روفا الذي فرّ بطائرته الميغ 21 إلى إسرائيل في 15/8/1966، في عملية منسقةٍ شاركت فيها الاستخبارات الأميركية (CIA) والأكراد وسلاح الطيران التركي، واغتيال القيادي الفلسطيني علي حسن سلامة في عام 1979، واختطاف العالم النووي الإسرائيلي، مردخاي فعنونو، في عام 1986 من عرض البحر الأبيض المتوسط، واغتيال عالم القذائف الكندي جيرالد بول في بروكسيل عام 1990 الذي كان يساعد العراق في صنع “المدفع العملاق”، والمناضل الفلسطيني عاطف بسيسو في عام 1992، ثم اغتيال الأمين العام لحركة الجهاد الاسلامي، فتحي الشقاقي، في مالطا عام 1955، علاوة على اغتيال القيادي الميداني في حزب الله عماد مغنية في دمشق عام 2008.

وفي المقابل، كانت إخفاقات جهاز الموساد كثيرة أيضاً، مثل فضيحة بنحاس لافون في القاهرة سنة 1954، وإسقاط الطائرة المدنية الليبية فوق سيناء في 21/2/1973، واغتيال النادل المغربي، أحمد بوشيخي، في مدينة ليلهايمر في النرويج في عام 1973 لتوهم “الموساد” أنه علي حسن سلامة، واختطاف طائرة مدنية من المجال الجوي اللبناني في 10/8/1973 اعتقاداً أن جورج حبش على متنها، ثم اختطاف طائرة مدنية ليبية في سنة 1987 ظناً أن قائدي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة، أحمد جبريل، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، جورج حبش، على متنها أيضاً. وفوق ذلك، فإن قصة الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين وإرساله إلى دمشق تعتبر مثالاً للفشل الاستخباري، على الرغم من الأسطورة التي حيكت عنه، والهالة الكبرى التي نُسجت حول اسمه، والأكاذيب والشائعات التي فبركت غداة اعتقاله وإعدامه، والحقيقة أنه جاسوسٌ عادي، كُشف سريعاً في دمشق، وكان يستقي معلوماته من ضباطٍ صغار، ومن موظف في وزارة الاعلام يدعى جورج سيف، ولم يتسنَ له أن يرسّخ حضوره في دمشق، وأن يوسع دوائر اتصالاته في سورية.

“تبارى كُتّاب الإثارة في صوغ روايات بوليسية سقيمة عن قصة أشرف مروان المثيرة حقاً، الأمر الذي ساهم في تضليل الرأي العام”

وعلى هذا المنوال، كانت أحوال الجاسوسة أمينة المفتي التي لم تتمكّن من الإقامة في لبنان إلا أقل من سنتين (1973-1975)، وهي مدة غير كافية بتاتاً لزرع نفسها في المجتمع الفلسطيني، والتسلل إلى مكاتب القادة المهمين. وفي الإمكان إيراد اسم المغني المصري، سمير الإسكندراني، الذي عمل “الموساد” على تجنيده في إيطاليا سنة 1958، إلا أن الإسكندراني تمكّن من تضليل “الموساد”، والاتصال بمخابرات بلاده التي درّبته على الخداع بطريقة فاعلة. واللافت أن أكبر عدد من الجواسيس ظهر في لبنان، ثم في مصر، أمثال عماد اسماعيل الذي أسقطته العميلة زهرة جريس، ونهاد حشاد التي فرت من القاهرة إلى إسرائيل في سنة 2011، فضلاً عن هبة سليم التي صاغ قصتها صالح مرسي، وتحولت إلى فيلم “الصعود إلى  الهاوية” (1979)، وكذلك شريف الفيلالي الذي توفي في السجن عام 2007. أما في لبنان، فالقائمة طويلة جداً جداً، بينهم حسن هاشم (رئيس الهيئة التنفيذية في حركة أمل) والعقيد منصور دياب والعقيد فايز كرم وأديب العلم وأمين عباس الحاج (رومينيغيه) ومحمود رافع وزياد الجراح وزياد الحمصي وجودت الخوجة وروبير كفوري. ومن بين الفلسطينيين برز مصعب حسن يوسف في الضفة الغربية،  وحسين خطاب في لبنان، وعدنان ياسين في تونس، ووليد راضي حمدية في غزة الذي كان مسؤولاً عن جهاز الدعوة في حركة حماس.

الإخفاق الأكبر

أكبر إخفاقات “الموساد”، وشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، كان الفشل في توقع اندلاع حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، فدفعت إسرائيل ثمناً باهظاً لتلك الحرب التي، وإن لم تشكل انتصاراً حاسماً على إسرائيل، قضت على فكرة التوسع الجغرافي لدى صُنّاع القرارات الاستراتيجية، وغيّرت مفاهيم الأمن القومي، وأوقعت خسائر فادحة بالجيش الإسرائيلي، وأرغمت الدولة الصهيونية على الانسحاب لاحقاً من سيناء، ومن مدينة القنيطرة السورية. وفي غمار انكشاف أسرار تلك الحرب، برز اسم أشرف مروان الذي كان اتخذ قراراً مفاجئاً وغريباً هو الاتصال بالسفارة الاسرائيلية في لندن في يونيو/ حزيران 1970 وتقديم معلومات استخبارية لهم. وقد عُقد اللقاء الأول بينه وبين “الموساد” في ديسمبر/ كانون الأول 1970، بعد وقف حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية مباشرة. ويكشف كتاب “الملاك” (بيروت: الدار العربية للعلوم، 2017) أن ضابط الحالة، أي الضابط الإسرائيلي الذي كان يدير العلاقة بمروان، ويتلقى منه المعلومات، يدعى “دوبي”، وأن أشرف مروان لم يلتقِ به حتى حرب 1973، غير أن “دوبي” هذا، وكذلك تسفي زامير، والتقى مرة واحدة يتسحاق حوفي، والأخيران توليا قيادة “الموساد” في فترات مختلفة، فيما كان آخر اجتماع لأشرف مروان مع “الموساد” قد جرى  في 1998. وفي هذا السياق، كان الإسم السري لأشرف مروان في تقارير “الموساد” هو “بابل” أحياناً أو “الملاك” (هملاخ) في أحيان أخرى، أو “الصهر” في بعض التقارير. والسؤال المحيِّر هو: هل كان أشرف مروان جاسوساً لإسرائيل أم عميلاً مزدوجاً؟ وفي حال كان عميلاً مزدوجاً فلمن منح ولاءَه؟ لبلاده أم لإسرائيل؟

a2121204-f377-466a-80dc-a97ade40acf8
جنازة أشرف مروان في القاهرة (1/7/2007/فرانس برس)

يكتب يوري بار يوسف، مؤلف كتاب “الملاك: الجاسوس المصري الذي أنقذ اسرائيل” إن أشرف مروان كان يعبر عن وطنية صادقة وقوية (ضد الوجود السوفياتي في مصر). لكن، إذا أُخذ في الاعتبار أن السوفيات كانوا يساعدون مصر بفاعلية في الدفاع عن نفسها، وأن مروان كان يبيع أدق أسرار بلده إلى ألدّ أعدائه (الكلام ليوري بار يوسف)، فلا يسع المرء إلا الشعور بالرثاء لهذه الوطنية (ص 84). وكالعادة، تبارى كُتّاب الإثارة في صوغ روايات بوليسية سقيمة عن قصة أشرف مروان المثيرة حقاً، الأمر الذي ساهم في تضليل الرأي العام، وإهالة ركامٍ من الأكاذيب على الحقائق. وهذا ما جرى في حكاية الجاسوس إيلي كوهين الذي أُعدم في دمشق في سنة 1965، وفي قصة الجاسوسة الأردنية أمينة المفتي التي اعتقلها جهاز الأمن في حركة فتح في 1975، وفي غيرها من القصص التي افتقرت لا إلى الحقائق فحسب، بل حتى إلى الخيال أيضاً. وعلى سبيل المثال، أصدر “الكاتب” المصري عمرو الليثي كتابه “العميل بابل” (القاهرة: دار الشروق، 2008)، وضع فيه خرافات وشائعات وأغاليط أثقلت صفحات الكتاب أيما أثقال، فهو لا يفرّق الصهر عن النسيب، وظل مصرّاً، منذ الصفحة 13 فصاعداً، على أن جمال عبد الناصر هو صهر أشرف مروان، بينما المعروف، حتى لدى فتى أهبل، أن أشرف مروان هو صهر جمال عبد الناصر لا العكس. وجعل هذا الكتاب مروان قائداً للحرس الجمهوري في عهد عبد الناصر (ص 32)، وغيّر إسم المحامي الفلسطيني، أمجد السلفيتي، إلى أمجد السلوفاكي (ص47 و48 و52 و54 و56 و58 و60 و66 و69).

كتاب “الملاك” للكاتب يوري باريوسف (ورد في الترجمة العربية بار جوزف) طراز من البحث الدؤوب لباحثٍ مجتهدٍ يتقصّى المعلومات بتفصيلاتها المتشعبة”

والفكاهة هنا أن الليثي لا يدرك الفارق بين كارتر وكارتييه (ص21)، ويكتب إن أشرف مروان قُتل، ولا دليل لديه إلا فقدان فردة حذائه وضياع مذكراته التي لم يعرف أحد شيئاً عنها أو قرأ صفحة منها. وباختصار، فإن كتاب عمرو الليثي تحقيق صحافي من الدرجة العاشرة لصحافي من الدرجة العشرين، وهو شهادات سطحية وساذجة ومتنافرة، لا يمكن استخلاص أي احتمال منها أو ترجيح؛ فلا نعرف هل انتحر حقاً أم قُتل، ولا أسباب انتحاره إذا كان انتحر بالفعل، ومن يقف وراء قتله إذا كان اغتيل، وهل هو عميل لإسرائيل أو عميل مزدوج. وعلى هذا النحو، كان فريد الفالوجي قد أصدر كتاباً عن الجاسوسة أمينة المفتي (القاهرة: مكتبة دبولي، 2001) حَفِل بثلاثية الجنس والمال والتجسس  على طريقة الأفلام البوليسية المصرية المبتذلة، ومليء بالاختراع والابتداع والتزوير، وكل ما في الأمر لدى الفالوجي أن أمينة المفتي أحبت رجلاً فلسطينياً، هجرها في ما بعد فحقدت على الفلسطينيين، ثم سافرت إلى فيينا، وهناك تعرفت إلى طالبة جنوب افريقية فساحقتها، ثم تعرفت على اليهودية سارة بيراد فساحقتها ثم تزوجت شقيقها الطيار الاسرائيلي الذي أسقطته الدفاعات الجوية السورية في 1973، فحقدت على العرب، وجاءت إلى بيروت في أواخر السنة نفسها لتتجسس على الفلسطينيين لمصلحة إسرائيل.

شهوتان: المال والسلطة وكمال أدهم

كتاب “الملاك” للكاتب يوري باريوسف (ورد في الترجمة العربية بار جوزف) طراز من البحث الدؤوب لباحثٍ مجتهدٍ يتقصّى المعلومات بتفصيلاتها المتشعبة، ويصوغ منها نموذجاً تفسيرياً شديد الإقناع. والكتاب سيرة شائقة لأشرف مروان، تتضمن مراحل الطفولة والفتوة والشباب، وسرداً لتواريخ عائلته ودراسته، وقصة زواجه من منى جمال عبد الناصر، ثم صعوده السياسي وسقوطه المدوّي، وحكاية التربية المكتومة التي ظلت تحوم في رأس عبد الناصر في شأنه، حتى أنه أصرّ على طلاق ابنته منه (ص34 و39). وتبدو قصة حياة مروان في الكتاب دراما حقيقية، فهو اشتهر بشهوته للمال وانصرافه إلى المكائد (ص150). وفي هذا الميدان، يعيد يوري بار يوسف السبب في سقوط أشرف مروان إلى شغفه بالمال وتوقه العارم إلى الحياة المترفة، بعدما عاشها إلى جانب الشيخ عبد الله المبارك الصباح وزوجته الشاعرة سعاد. ويقدم الكاتب تحليلاً نفسياً لشخصية أشرف مروان الذي، بحسب رأيه، انتقم بسلوكه النهم من عبد الناصر المتقشف والزاهد، والذي كان لا يطيق وجود الأموال في أيدي أفراد عائلته. وقد بلغت ثروة أشرف مروان، بحسب باريوسف، 400 مليون جنيه استرليني في سنة 1981، وكانت البداية في أوائل سبعينيات القرن المنصرم، عندما اشترى 23 فداناً بالقرب من الأهرام، واستغل موقعه السياسي لتحسين أحوال المكان، ورفع سعر الأرض التي لم يلبث أن باعها بأرباح عالية، ليشتري أرضاً أكبر، ثم يبيعها من كمال أدهم (ص 154 و155)، شقيق الأميرة عفت، إحدى زوجات الملك فيصل، وهو الذي أصبح مديراً للمخابرات السعودية في 1964، وجند أنور السادات لمصلحة الاستخبارات الاميركية في سنة 1962 بعد انفكاك الوحدة المصرية – السورية (ذكرت ذلك صحيفة واشنطن بوست في أحد أعداد فبراير/ شباط 1977). والمعروف أن وسيط أدهم لدى “الموساد” كان عدنان خاشقجي. أما السادات فكان عبد الناصر يردّد دائماً: إعطهِ سيارة وقسائم بنزين وسيكون سعيداً (ص 93). والمشهور أن كمال أدهم هو مَن ضغط على السادات لتعيين أشرف مروان، بدلاً من سامي شرف، مديرا لمكتبه ومستشارا سياسيا وأمنيا له، في مايو/ أيار 1971 (ص 153).

a2121204-f377-466a-80dc-a97ade40acf8
أشرف مروان وعروسه  منى عبد الناصر يوم زفافهما في يوليو 1966 (فرانس برس)


افتضاح الاسرار

بعد أن وضعت حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973 أوزارها، نشبت في إسرائيل حرب الجنرالات، واندلع التراشق بالاتهامات في شأن التقصيريْن، الاستخباري والميداني معاً. وحمّلت لجنة أغرانات التي تولت التحقيق في مجريات الحرب رئيس شعبة الاستخبارات في الحرب، إيلي زعيرا، فأُقصي من منصبه، ثم طُلب منه أن يستقيل من الجيش. وقد أُهين زعيرا إلى حد الإذلال بعد حرب 1973، هو وجميع أعضاء لجنة البحوث والتحليل في شعبة الاستخبارات العسكرية. وأراد أن يزيح عنه العبء الذي جثم طويلاً على صدره وكاهله، أي التقصير الاستخباري، فأفشى سر “العميل المزدوج”  الذي ضلل إسرائيل، بحسب اعتقاده. وكان زعيرا يرى أن أشرف مروان يجسّد النجاح الأكبر للمخابرات المصرية التي تمكّنت من زرعه لدى “الموساد”، وضللت الموساد به.

كان رئيس شعبة الاستخبارات في حرب أكتوبر 1973، إيلي زعيرا، مشككاً دوماً في أشرف مروان، ويعتقد أنه عميل مزدوج، وولاءه لمصر. لذلك فإن إلقاء اللوم على مروان كان ذريعة مهمة للدفاع عن نفسه

كان إيلي زعيرا مشككاً دوماً في أشرف مروان، ويعتقد أنه عميل مزدوج، وولاءه لمصر. لذلك فإن إلقاء اللوم على مروان كان ذريعة مهمة للدفاع عن نفسه، ومخرجاً معقولاً من الإهانة التي التصقت به. وكانت البداية عندما نشر كتابه “حرب يوم الغفران: أخطاء وعبر” (دار يديعوت أحرونوت، 1993). ثم صدر الكتاب منقحاً في سنة 2004. وطوّر زعيرا فيه نظرية العميل المزدوج. وعلى خطا زعيرا، كشف يوسي ميلمان ودان رفيف، وكذلك بيني موريس وإيان بلايك، ومعهم شموئيل كاتز، أن مصدراً رفيعاً جداً لجهاز الموساد في القاهرة هو الذي حذّر تسفي زامير من إمكان اندلاع الحرب في سنة 1973 (ص317). وكتب رونين بيرغمان في صحيفة هآرتس (17/9/1999) مقالة أشار فيها إلى أشرف مروان على أنه المصدر. وكان إيلي زعيرا هو مَن زوّد هؤلاء جميعاً بهذه المعلومة الخطيرة (ص 319). وفي سنة 2005 أصدر رونين بيرغمان وغيل ملتسار كتابهما “حرب يوم الغفران: زمن الحقيقة”، كرّرا فيه الكلام على دور أشرف مروان، في تحذير اسرائيل من احتمال شن سورية ومصر حرباً عليها. وفي هذا الحقل الشائق والشائك من انكشاف الأسرار، كتب أفرايم كهانا مقالة في مجلة الاستخبارات والأمن القومي (صيف 2002)، أراد فيها أن يكشف اسم أشرف مروان، لكن سلطات الرقابة العسكرية حذفت الاسم، واكتفت بفقرة تقول إن مصدر الإنذار باندلاع حرب 1973 جاء من شاب مصري،  كان الذراع اليمنى للرئيس عبد الناصر، استمر في منصبه في عهد السادات… وكان إيلي زعيرا هو مَن سرّب تلك المعلومة لأفرايم كهانا (ص 320).

وعلى هذا المنوال، ذكر المحاضر في كينغز كولدج في جامعة لندن، أهرون بيرغمان، في كتابه “تاريخ اسرائيل” (لندن، 2002) أن أشرف مروان كان عميلاً مزدوجاً، وقد استقى هذا الكلام من إيلي زعيرا نفسه. وفي 21/12/2002 نشرت صحيفة الأهرام حواراً مع بيرغمان، سألته فيه عن “الصهر” الذي كتب عنه كتاباً، والذي كان اسمه الحركي “بابل”، هل هو أشرف مروان، فرد بالايجاب. والمؤكد أن زعيرا هو الذي كشف لبيرغمان أن “بابل” الذي يرد في تقارير “الموساد” هو نفسه مروان. وكان هاجس زعيرا الدائم أن يبرهن أن فشله الاستخباري في توقع حرب 1973 إنما يعود إلى خداع أشرف مروان.

عودة إلى الوقائع

عقد الرئيس أنور السادات، في 24/10/1972، اجتماعاً مهماً جداً لبعض أركانه ومستشاريه. وعرض فيه رؤيته للحرب المقبلة، ولم يكن أشرف مروان موجوداً، بل كتب أحد مساعديه محضر الاجتماع. وبعد نحو اسبوعين، التقى أشرف مروان تسفي زامير مدير الموساد بين 1968 و1974 وضابط حالته دوبي، وأبلغ إليهما قرار السادات السير نحو الحرب (ص 175) لكن الاستخبارات العسكرية وجدت هوة هائلة بين الرغبة في شن الحرب وجاهزية الجيش المصري لتلك الحرب (ص 176). وقد وضع إيلي زعيرا في 1/12/1972 تقديراً للموقف، جاء فيه إن إحتمال أن يشن الجيش المصري حرباً بعبور قناة السويس يقارب الصفر. وجوهر هذا الغلط في تقدير الموقف أن زعيرا فهم من قرار السادات في 18/7/1972 ترحيل الخبراء العسكريين السوفيات من مصر دليلا على تراجع القدرة العسكرية المصرية. وعزّز ذلك التقدير أن السادات طرد قادة عسكريين كبارا، أمثال وزير الحربية، الفريق الأول محمد أحمد صادق، في أكتوبر/ تشرين الأول 1972 (ص 176و178). وفي 23/4/1973، وصل إلى الإسكندرية الرئيس حافظ الأسد، وعقد اجتماعات سرية دامت يومين مع الرئيس السادات وأركانه. وعرض السادات أمامه خطة “غرانيت 2” المعدّلة التي تضمنت عبور قناة السويس، والتقدم حتى ممري متلا والجدي. وطلب الأسد إرجاء الحرب من مايو/ أيار 1973 إلى أواخر سبتمبر/ أيلول أو أوائل أكتوبر/ تشرين الأول 1973، لأن سورية مازالت تنتظر وصول صواريخ أرض – جو سوفياتية، لحماية قواتها البرية في أثناء الحرب. وكان أشرف مروان أبلغ “الموساد” أن موعد الحرب سيكون في مايو/ أيار 1973، ولم يعلم أن الرئيس الأسد طلب تعديل الموعد. ولما لم تشن مصر وسورية الحرب في مايو/ أيار، فقد تضاءل الحذر الإسرائيلي من احتمال شن الحرب حتى في 1973. وكان ملك الأردن حسين التقى رئيسة الحكومة الإسرائيلية، غولدا مائير، في 25/9/1973 وأخبرها أن القادة العسكريين السوريين أصبحوا في غرف العمليات، وسيشنون الحرب على الأرجح مع مصر (ص 210). وهنا طلبت غولدا مئير من إيلي زعيرا أن يقدّم لها تقريراً استخبارياً للموقف، فأصرَّ زعيرا على أن السوريين لن يشنوا أي حرب من دون مصر، وأنه ليس لدى مصر النية في شن الحرب في تلك الفترة. لكن، في 6/10/1973 نفذت مصر خطة الحرب التي كان أشرف مروان نقلها، بجميع تفصيلاتها، إلى الإسرائيليين في 11/4/1973.

يقول رونين بيرغمان إن أشرف مروان كان التقى زامير في 5/10/1973 في لندن، أي قبل يوم من اندلاع المعارك، وأبلغ إليه أن مصر وسورية ستشنان الحرب في 6/10/1973، الساعة 5,20 مساءً. وأبرق زامير إلى القادة الإسرائيليين بهذا الإنذار. لكن القادة الإسرائيليين كانوا خارج مكاتبهم عشية عيد كيبور (الغفران). ووصل الإنذار إلى إيلي زعيرا في صباح 6/10/1973، وتأخر في نقله إلى غولدا مائير ووزير الدفاع موشي دايان، لتشككه في صحة الإنذار، بعد انذارين فاشلين بالحرب في 1973 ومايو/ أيار 1973، كان مروان نفسه قد أبلغ “الموساد” بهما. والحقيقة أن الأخير، في إنذاره الثالث، لم يكن يدري الموعد الحقيقي لبدء الحرب، ولم يكن يعرف أن موعد الساعدة الخامسة وعشرين دقيقة قد تغير بناء على طلب الرئيس حافظ الأسد، وصار في الثانية بعد الظهر. كما أن أشرف مروان لم يعرف تاريخ بدء المعارك في 6/10/1973، لكنه عرف ذلك في منتصف يوم 5/10/1973 بمحض المصادفة، فبادر فوراً إلى إبلاغ الموساد. أما المصادفة فهي أن وزير الطيران المدني المصري أصدر أمراً للخطوط الجوية المصرية في باريس ولندن بضرورة نقل الطائرات المدنية إلى بلدانٍ صديقة (ليبيا). وحين يصل خبر ذلك الأمر إلى القيادة المصرية في المركز رقم 10، أُصيب وزير الدفاع ورئيس الأركان بالذهول، وطلبا من المعنيين العودة الفورية إلى جدول الرحلات المقررة في 5/10/1973. وهنا اتصل مدير مكتب الخطوط الجوية المصرية في لندن بشخص يدعى محمد نصير، كان متزوجاً ابنة عبد اللطيف البغدادي، يسأله إن كان يعرف سبب الأوامر المفاجئة ثم إلغائها. ولما لم يكن نصير يعرف الجواب، التقى أشرف مروان الذي كان وصل في ذلك الصباح إلى فندق تشرشل، وسأله عن الموضوع. وهنا قفز أشرف مروان عن الأريكة، وهو يردد:”سوف تندلع الحرب”. (ص 222 و223)، وأبلغ الإسرائيليين بذلك.

أتاح الإنذار الذي قدمه مروان للمخابرات الإسرائيلية (الموساد) أتاح لرئاسة الأركان الإسرائيلية 24 ساعة، لإعلان النفير العام والتعبئة العامة (تتطلب العادة 72 ساعة)، ثم تحريك الألوية الرئيسة، والشروع في استدعاء الاحتياط. وفي هذا السياق، يظهر أشرف مروان جاسوساً، وليس عميلاً مزدوجاً.

لم يعرف أشرف مروان تاريخ بدء المعارك في 6/10/1973، لكنه عرف ذلك في منتصف يوم 5/10/1973 بمحض المصادفة، فبادر فوراً إلى إبلاغ الموساد”

خداع السادات

لمزيد من المعلومات عن حرب 1973 ومكر السادات وخداعه، حتى لشريكه حافظ الأسد، يمكن الكلام على خطة “غرانيت 2” التي كانت تهدف، في البداية، إلى تحرير سيناء كلها. لكن السادات، بعد تعيين سعد الدين الشاذلي رئيساً لأركان الجيس المصري في 1971، وضع معه خطة أخرى (العملية 41) التي كان في مقدمة أهدافها الوصول إلى ممري متلا والجدي اللذين يبعدان عن قناة السويس شرقاً بين 40 و 70 كلم فقط. ولأن “العملية 41” كانت تتطلب أسلحة متطورة للدفاع الجوي، لمجابهة الطيران الاسرائيلي، فقد جرى تقليص الأهداف مرة ثانية، وصوغ خطة “المآذن العالية” التي أُنجزت في يناير/ كانون الثاني 1973، واقتصرت في أهدافها على عبور قناة السويس، وتحطيم خط بارليف، والإمساك بالضفة الشرقية فقط. وتم التستر على تلك الخطة من خلف ظهر الجيش والقيادة السوريين. وأراد السادات أن يُرغم الإسرائيليين على القتال في جبهتين. وبهذا المعنى، خدع السوريين، حين وضع معهم خطة للحرب، ثم نفذ خطة أخرى، واستخدم الجيش السوري، لتشتيت القوة العسكرية الإسرائيلية لضمان نجاح خطة العبور، وأوقف العمليات العسكرية في 22/10/1973، بينما كان الجيش السوري يتلقى الهجوم المضاد الإسرائيلي، ويستعد لشن هجومه المعاكس، ما جعله وحده في المعركة، واضطر إلى قبول وقف النار. وهكذا وضع السادات مع السوريين خطة “غرانيت 2” المعدّلة في إبريل/ نيسان 1973، لكن سعد الدين الشاذلي نفذ خطة “المآذن العالية”.

a2121204-f377-466a-80dc-a97ade40acf8
 السادات  خدع السوريين في حرب أكتوبر.. وضع خطة ونفذ أخرى (26/12/1977/Getty)

وكان الطيران الحربي الإسرائيلي قد أسقط أسقط في 21/2/1973 طائرة بوينغ ليبية فوق سيناء، وقتل فيها 105 أشخاص، بينهم وزير الخارجية الليبية صالح مسعود أبو يصير صاحب كتاب “جهاد شعب فلسطين” (بيروت: دار الفتح، 1968). وأراد الرئيس الليبي، معمر القذافي، الانتقام، وخطط رجاله لقصف طائرة إسرائيلية مدنية فور إقلاعها من مطار فيوميتشينو في روما بصواريخ ستريلا التي كان الجيش المصري تسلمها للتو من الاتحاد السوفياتي. وثم الاتفاق على أن تنقل المخابرات المصرية صاروخي ستريلا إلى روما، وهناك يتسلمها فلسطينيون من منظمة أيلول الأسود. وفي 29/8/1973 وصل أمين الهندي (نائب صلاح خلف) إلى روما، ومعه آخرون، لتنفيذ العملية. وأصدر أشرف مروان أمراً بنقل صاروخي ستريلا اللذين يطلقان من الكتف من مستودعات الجيش المصري إلى مقر رئيس الجمهورية. وهناك وُضع الصاروخان في حقيبة دبلوماسية، تحمل اسم منى أشرف مروان التي لم تعلم شيئاً عن العملية. ونُقلت الحقيبة من المطار إلى أكاديمية الفن المصري في روما. ووصل مروان في اليوم التالي إلى روما، فوضع الحقيبة في سيارته، وانطلق بها إلى مكان محدّد، كان أمين الهندي ينتظره  فيه حيث تسلم منه الصاروخين. وكان “الموساد” يعرف تفصيلات العملية كلها. ومصدر المعلومات كان أشرف مروان (ص 204). وقد اعتقلت الشرطة الإيطالية أمين الهندي ورفاقه الأربعة في 6/9/1973.

ويمكن القول، في تفسير متأخر لهذه العملية، إن السادات لم يكنِ مقتنعاً بهذه العملية، لأنه لا يريد أي تطورات جانبية، من شأنها أن تعيق استعداده للحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 1973، وكان مضطراً، في الوقت نفسه، لمسايرة القذافي الذي دفع أموالاً طائلة لتسليح الجيش المصري. لذلك سار في العملية ظاهرياً، وأوعز إلى أشرف مروان بإفشالها، فجرى توفير صاروخي ستريلا من مستودعات الجيش المصري إلى الاستخبارات الليبية في روما التي سلمتها إلى أمين الهندي، وفي الوقت نفسه، جرى إبلاغ الموساد بالتفصيلات كلها، ثم إبلاغ الاستخبارات الايطالية. وهكذا اعتُقل أمين الهندي وخلية التنفيذ. وبهذا الخداع، خدم أشرف مروان مصالح مصر وإسرائيل وايطاليا معاً، فقدم إلى “الموساد” إنذاراً عن العملية، وإلى الايطاليين معلومات مكّنتهم من إحباط العملية، وإلى السادات إفشالاً لتلك العملية التي لم يكن يريدها.

ذكر جمال أشرف مروان أن والده كان يكتب مذكراته، وأن تلك المُذكرات فقدت، وكان يجب أن تصدر في أكتوبر 2007، .. أي أن والده قُتل

مَن قتل أشرف مروان؟

سقط أشرف مروان من شرفة شقته في لندن في 27/6/2007. وفي ما بعد نُقل جثمانه إلى القاهرة، وكان في استقباله على أرض المطار وزير الطيران المدني، الفريق أحمد شفيق، ورئيس ديوان رئيس الجمهورية، زكريا عزمي. وسار في الجنازة يوم 1/7/2007 كل من جمال مبارك (نجل الرئيس حسني مبارك) وفتحي سرور (رئيس مجلس الشعب) وصفوت الشريف (رئيس مجلس الشورى)، وأمَّ المصلين شيخ الأزهر سيد طنطاوي. أما حسني مبارك فقد تحدث إلى الصحافيين الذين رافقوه إلى مدينة أكرا عاصمة السنغال، لحضور قمة الإتحاد الأفريقي في 2/7/2007، فقال إن أشرف كان وطنياً مخلصاً (…)، وإنه قام بأعمال وطنية لم يحن الوقت بعد للكشف عنها. ونفى مبارك أن يكون مروان قد كشف للإسرائيليين موعد حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973.

مات أشرف مروان تماماً مثلما ماتت سعاد حسني، حين سقطت في 21/6/2001 من شرفة منزل صديقتها نادية شكري في برج ستيوارت في لندن، ومثل علي شفيق، مدير مكتب المشير عبد الحكيم عامر وزوج الفنانة مهى صبري (1977)، ومثل الليثي ناصف قائد الحرس الجمهوري في عهد السادات، وقد سقط من إحدى شقق برج ستيوارات في 15/8/1973. ودارت شبهات كثيرة عن تورط العقيد محمد نور الدين في قتله، ونور الدين هو الذي أسس منظمة ثورة مصر التي كان خالد جمال عبد الناصر أحد أعضائها السريين. وتلك المنظمة قصيرة العمر، انتدبت نفسها لتنفيذ عملية مسلحة ضد الإسرائيليين في مصر بعد توقيع السادات معاهدة السلام مع إسرائيل في سنة 1979. وقد مات نور الدين في أحد سجون مصر.

مهما يكن الأمر، ثمّة من قال إن اشرف مروان انتحر، بعد إصابته بالاكتئاب الحاد جرّاء نشر اسمه عميلا لإسرائيل. وقد ورد في كتاب “الملاك”، نقلاً عن عزام الشوبكي، زوج عزة ابنة فوزي عبد الحافظ الذي كان سكرتيراً خاصاً للرئيس السادات، والتي عملت مساعدة لأشرف مروان، إنه شاهد مروان يرمي نفسه من الشرفة. أما جمال أشرف مروان، فذكر أن والده كان يكتب مذكراته، وأن تلك المُذكرات فقدت، وكان يجب أن تصدر في أكتوبر/ تشرين الأول 2007، أي أنه قُتل (صحيفة الرأي الكويتية، 14/8/2007). وتشبه هذه الرواية حكاية سعاد حسني ومذكراتها “المفقودة”، غير أن المحكمة البريطانية الخاصة بالحادثة (محكمة وستمنستر) قالت إن أشرف مروان لم يمت منتحراً، وإنها لم تجد أدلةً كافيةً لترجيح احتمال قتله على يدي فاعلٍ ما (القدس العربي، 15/7/2010).

السؤال اللجوج: كيف مات أشرف مروان حقاً؟ يعرض كتاب يوري بار يوسف الذي يزعم أنه يكشف الحقيقة، ثلاثة احتمالات: قُتل لأسباب تتعلق بالأعمال المتشعبة التي كان يعمل في إطارها؛ أو قتله الإسرائيليون لخداعه إياهم في حرب 1973؛ أو قتله المصريون لإنهاء الإحراج الذي سبّبه لهم في شأن عمالته للإسرائيليين (ص334). ومع ذلك، يجزم الكاتب، ولا يزعم، أن الذي أمر بتصفية أشرف مروان هو حسني مبارك نفسه (ص 14)، وأن الأمر الذي يرجح القول إنه كان جاسوساً لإسرائيل. وقد اتُهمت الاستخبارات الاسرائيلية مراراً بالفشل في حماية عملائها، ما أدى إلى مقتل بعضهم أمثال أشرف مروان.

* * *

لم يكن لأشرف مروان من اسمه نصيب، فمروان مشتق من صخر المرو، مثل صفوان المشتق من صخرة الصفا. والصفا والمروة صخرتان في مكة، كان يسعى بينهما إبراهيم تحت عيني والدته هاجر المصرية، بحسب الرواية الاسلامية. وبهذا المعنى، لم يمتلك أشرف مروان، طَوَال حياته، أي صلابةٍ وطنيةٍ كصلابة صخر المرو، ولا أدري كم امتلك من الشرف حين سارع في سنة 1970 إلى عرض خدماته، غير مُكرهٍ، على الإسرائيليين.