تتبنّى اللجنة الدستورية بشأن سورية الرغبة الروسية في صياغة الحل السياسي ذي الأذرع العسكرية، ذات ألوان الثلاثية الدولية الضامنة لاتفاق أستانة. وهذا يعني أننا أمام لجنة دستورية، مهمتها تحقيق المصالح المشتركة بين روسيا وإيران وتركيا.

تضع منطقة حوران في جنوب سورية الأطراف الدولية جميعها أمام مواجهة حقائق اتفاقيات خفض التصعيد، والتي تضمن بها روسيا النظام السوري، في التزام وقف إطلاق النار، والتعاطي مع هذه المناطق ضمن نصوص الاتفاق الموقع على أنها خارج عملياته القتالية. وبينما تقع مسؤولية حماية تنفيذ الاتفاق على الأطراف الضامنة له، فإن ما جرى في الغوطتين والريف الدمشقي سابقاً، وما يجري الآن في حوران، بعد صمود اتفاق خفض التصعيد الذي رعته الولايات المتحدة الأميركية والأردن، جهتين ضامنتين لفصائل المعارضة، بينما روسيا كالعادة ضامنة للنظام، يؤكد حقائق كثيرة منها:
ـ أن الاتفاق تم من جهة النظام وراعيته (روسيا) لكسب وقت، كي يستطيع من خلاله تطويق منطقة حوران من محاور ثلاثة، بعد أن هيأت له روسيا، الضامن في اتفاق المنطقة الجنوبية، وكذلك الغوطتين، استعادة سيطرته على الغوطتين، بعد تدخلها في قصفهما جواً لضمان دخول آمن لقوات النظام، بمساندة قوات إيرانية، وإبعاد الحاضنة الشعبية للثورة، عبر تهجيرها بالاتفاق الضمني مع شركاء محور أستانة إلى الشمال، ما هيأ الوقت المناسب للتلويح بعملية معركة درعا، في هذه الظروف، من خلال خطة المحاور التي تنفذها قواته، عبر:
ـ محور السويداء، بلدة صما، بصرى الحرير. وبذلك يسيطر على المنطقة التي تربط السويداء بطريق دمشق درعا، ويعزل اللجاة كاملة ..ويستطيع التحرك باتجاه بصرى الشام، والتحرّك باتجاه طريق نصيب، مرورا بالطريق الحربي المحاذي للحدود الواصل إلى “سرية عمان” ندى، نصيب. وبهذا، يحقق النظام أكثر من انتصار، فهو يشعل حرباً أهلية بين أهالي حوران وأهالي السويداء، ما يبدد قوة التعايش الشعبي بين السهل والجبل، ويسهل على نفسه خوض
“لم تستطع الدول الضامنة لاتفاقات خفض التصعيد في سورية إلزام النظام بما توافقت عليه عسكرياً”

معركةٍ من خلال مدن كثيفة السكان، ما يجعل أي رد دفاعي من الفصائل هجوما على المدنيين، وهنا تقع خطورة ما يحدث الآن، وضرورة الحذر الشعبي على الجانبين من الوقوع في هذه المصيدة!
ـ محور مثلث الموت، اللواء 15 للوصول إلى تل الحارة، وبذلك يستطيع السيطرة نارياً على أغلب ريف حوران الغربي، ويفصل غرب حوران عن شرقها.
ـ محور درعا البلد المنشية، درعا المحطة الصوامع النعيمة أم المياذن، وهو الأخطر، أي إما الالتفاف على مدينة درعا لتجنب معركة مع درعا البلد والسد والمخيم، واتخاذ طريق الصوامع غرب أم المياذن، وبذلك يلتف يميناً على درعا، ويساراً على بلدة النعيمة، ويصل إلى نصيب، حيث يريد النظام للسيطرة على المعبر الذي يعنيه سياسياً واقتصادياً بعد تدهور واقعه المالي والتجاري.
أما السيناريو الأصعب على النظام، فهو محاولته السيطرة على المنشية (درعا البلد)، وهذا يعني مواجهةً عنيفةً مع الفصائل المرابطة هناك، ولها الأفضلية القتالية بحكم الجغرافيا من ناحية، والتحصينات المدعومة بمشاركين كثيرين في صد هجوم النظام من الثوار والفصائل على حد سواء من ناحية ثانية، وهو ما يجعلها أكثر ثباتاً، إلا أن النظام قد يخوض هذه المعركة إذا حصل على الدعم الكامل من روسيا جوياً، وهو مدعومٌ ميدانياً بقوات إيرانية وطائفية يمثلها حزب الله، على الرغم من تغيير ملابسهم من إيرانية إلى ما يشير إلى أنها قوات سورية، بغرض الوصول إلى “جمرك درعا القديم”، ما يجعله، في حال تحقق له ذلك، في موقع المنتصر استراتيجياً، لحساسية جغرافية هذا الطريق الحربي الذي يصل بين فصائل شرق حوران وغربها المحاذي للأردن، أي طريق المنشية الجمرك القديم – طريق المحطة الصوامع، ما يعني أن الرهانات اليوم على قدرة الأطراف الضامنة، إما بالحفاظ على منطقة خفض التصعيد، أو بإخراج الاتفاقية من الواقع الميداني، والعودة إلى ما قبل عام 2014، حيث لا خفض تصعيد، ولا فريق تسليم المناطق من دول وفصائل في آستانة، ولا تسوية عبر لجان دستورية، تقرّرها دول الصراع على سورية.
يبرّر كل ما تقدم القول إن المشاركة اليوم بتلك التسوية القائمة على تعديلاتٍ دستوريةٍ، تضمن مصالح الأشخاص المشاركة فيها، وليس الأطراف التي تدّعي هذه الشخصيات تمثيلها، من جهتي النظام والمعارضة، على حد سواء، كما يجعل من هذه القوى المحسوبة على المعارضة، كأنها تمارس من خلال مشاركتها في اللجنة الدستورية، وقبلها مسار أستانة، وبعدها القبول بمخرجات مؤتمر روسيا للحوار الوطني السوري في سوتشي، عملية تجميل فاشلة لما يمكن تسميته اتفاق التسوية بين النظام من جهة، وقيادات المعارضة المعينة دولياً من جهة مقابلة، وهو ما يفترق، في مضمونه، عن مفاوضات السلام في جنيف، حسب بيان جنيف1، وقرار مجلس الأمن 2254، وجميع القرارات ذات الصلة، حيث تتبنّى اللجنة الدستورية الرغبة الروسية في صياغة الحل السياسي ذي الأذرع العسكرية، ذات ألوان الثلاثية الدولية الضامنة لاتفاق أستانة. وهذا يعني أننا أمام لجنة دستورية، مهمتها تحقيق المصالح المشتركة بين روسيا وإيران وتركيا، بعيداً عن أي حل سياسي حقيقي، يبدأ وفق أولويات الشارع السوري: من وقف العمليات القتالية، إلى تأمين مناخات الاستقرار في ظل هيئة حاكمة انتقالية، تمارس من خلال مؤسسات وطنية مهمة صياغة الدستور السوري، وفق إرادات المكوّنات السورية، وبما يضمن سلامة الشعب والجغرافيا السورية ووحدتهما، ويصون مطالب السوريين بدولة ديمقراطية تعددية، ذات حكم غير طائفي.
وفي الوقت الذي لم تستطع الدول الضامنة لاتفاقات خفض التصعيد إلزام النظام بما توافقت عليه عسكرياً، بل عملت على تحويل مضامين الاتفاقات الموقعة، في أستانة وغيرها من المدن، من مناطق خفض تصعيد، إلى مناطق منزوعة من “معارضة النظام” وسلاح الفصائل المحسوبة على المعارضة، كما أنها كشفت الغطاء عن حقيقة الفصائل ذات الرايات العديدة،

“لسنا اليوم أمام معركة حوران التي تحسم مسارات التسوية بين الولايات المتحدة وروسيا فحسب، بل أمام معركةٍ قد تحسم أيضاً خيارات السوريين”

تحت غطاء التسميات الإسلامية، بأنها مجرد “أدوات استخدامية ووقتية”، تغير جهة سلاحها، حسب رغبة الداعم ومصالحه، كما تغير لباسها من متطرّفة إلى معتدلة إلى ليبرالية مشوّهة، وهو ما يحدث لدى معظم المسلحين في الشمال اليوم، وهو أيضاً ما اتضح في عمليات قصف الغوطتين وريف دمشق وتهجير سكانهم، وانتهاء أدوار قادة في الفصائل المحسوبة على المعارضة، وفق الوظيفة المكلفة بها من أجهزة النظام الأمنية فيما سمي (عودة الضفادع)، نسبة إلى بسام ضفدع الذي أدى مهمة دقيقة للنظام بين صفوف فصائل المعارضة في الغوطة.
بالنتيجة، لسنا اليوم أمام معركة حوران التي تحسم مسارات التسوية بين الولايات المتحدة وروسيا فحسب، بل أمام معركةٍ قد تحسم أيضاً خيارات السوريين، بين أن تكون الحلول على مقاس سورية الدولة ذات السيادة، لكل مواطنيها، وأن تكون على مقاس دول احتلال، لم تترك لنا أي ملامح لحل سياسي حقيقي، يوقف المجزرة السورية. ومع ذلك، تتسابق إليه وجوه محسوبة على السوريين من نظام ومعارضة، يتشابهون في الولاء والهدف، بينما تشتد خلافاتهم وصراعاتهم على لون العلم، فهل أنت تحب العلم الأحمر، أم تلوذ بالعلم الأخضر الذي أصبح كأنه “مصنع غسيل” لأعمال فصائل موغلة بالعداء له، وبالتطرّف، ثم أصبحت حامية الحمى للعلم وفقط.