خسر منتخب الأرجنتين في مبارتيه التي لعبهما لحد الآن في مونديال روسيا 2018، إذ تعادل في الجولة الأولى أمام منتخب أيسلندا بهدف في كل شبكة، وخسر بثلاثية نظيفة ومذلّة أمام منتخب كرواتيا في جولته الثانية، وأصبحت الأرجنتين قريبة جدًّا من الإقصاء بعد أن رشّحها الكثيرون قبل بداية المونديال للوصول إلى النهائي، وبدأت جميع الأطراف في تحميل المسؤولية للاعب الأفضل في العالم، وقائد المنتخب الحالي ليونيل ميسي. فحتى أبناء جلدته صاروا يعيرّونه بنجمهم التاريخي سابقًا دييغو أرماندو مارادونا في كل محطّة يمّر عليها ميسي.

ولكن المتتبّع لمباريات التانغو الأرجنتيني في المونديال، وحتى مبارياته التحضيرية وقبلها مباريات التصفيات المؤهلة يدرك جيّدًا أن ميسي هو شجرة كبيرة، ولكنّها لا يمكن أن تغطّي كل الغابة.

فمن ينتقد ميسي ويبدأ في اتهامه باللاعب الفاشل، عليه ألا ينسى أن هذا اللاعب حاصل على جائزة الكرة الذهبية في العالم خمس مرّات، وعلى الحذاء الذهبي الأوروبي أربع مرّات، وعلى الكرة الذهبية في كأس العالم دورة البرازيل 2014، كما أنّه الهدّاف التاريخي لمنتخب بلاده، والهدّاف التاريخي للبطولة الإسبانية، ولناديه برشلونة الإسباني، والهدّاف التاريخي للكلاسيكو (مبارايات برشلونة ضد غريمه ريال مدريد) وكذاك للداربي الكاتالوني (مباريات برشلونة ضد جاره إسبانيول) في الليغا الإسبانية.

ومن يقارن إنجازاته بالإنجازات الأولّية لغريمه البرتغالي كريستيانو رونالدو في هذا المونديال، لا يجب أن ينسى أيضًا أنّ الفتى الذهبي حائز على بطولة الدوري الإسباني رفقة ناديه برشلونة تسع مرّات، وكأس ملك إسبانيا ست مرّات، ودوري أبطال أروربا أربع مرّات، وكأس السوبر الإسباني سبع مرّات، وكأس السوبر الأوروبي أربع مرّات، وكأس العالم للأندية ثلاث مرات، والميدالية الذهبية لأولمبياد 2008.

إنّ تحميل مسؤولية إخفاقات منتخب الأرجنتين لميسي من طرف منتقديه هو اعتراف في حدّ ذاته بقوته ومهاراته، فهم يرونه الأفضل، وعليه أن يقود منتخب بلاده لمنصّات التتويج في كافة المنافسات القارية والعالمية، ويتعاملون معه على أنّه من كوكب آخر وليس من كوكب الأرض، وينتظرون منه المعجزات، رغم أن كرة القدم لعبة جماعية وليست فردية، وأنّ ميسي من طينة البشر.

ومن يقول إن ميسي الأرجنتين ليس هو ميسي برشلونة يجب عليه أيضًا المقارنة بين تعداد منتخب الأرجنتين، وتعداد نادي برشلونة، فالأول لا يضّم في صفوفه سوى بعض اللاعبين المميّزين في الهجوم فقط مع عقم في باقي الخطوط (الدفاع والوسط)، أمّا الثاني فيضّم في صفوفه خيرة اللاعبين من العالم في مختلف المناصب، بدءًا بحراسة المرمى والدفاع، مرورًا بوسط الميدان، وصولًا إلى الهجوم.

ومن يقول إن ميسي المونديال ليس ميسي الذي أهّل بلاده لهذا المحفل أمام الإكوادور، يجب ألا ينسى الفرق الكبير بين التصفيات القارية ومنافسة كأس العالم من جميع النواحي.

كما أن البولغا لا يمكنه تحمّل فشل مدرّبه خورخي سامباولي في اختياره الأسماء القادرة على تمثيل المنتخب في المحفل العالمي الحالي، فهذا الأخير لم يستدع هدّاف الكالتشيو الإيطالي لهذا الموسم وهدّاف نادي الإنتير ماورو إيكاردي، ولم يشرك صانع ألعاب جوفنتوس الإيطالي باولو ديبالا أساسيًّا في المواجهتين لحد الأن، والحال نفسها مع لاعب ريال مدريد سابقًا وباريس سان جيرمان حاليًا أنخيل دي ماريا، وهو الذي استدعى لاعبين غير قادرين على تمثيل المنتخب أحسن تمثيل وذوي مستوى محدود، ككريستيان بافون وماكسيميليانو ميزا وغابريال ميركادو… إلخ.

كما أن ليونيل لا يمكنه تغطية العقم التكتيكي لمدرّبه الذي ظهر في المباراة الأخيرة أمام كرواتيا، وكما قال العديد من النجوم على غرار نجم إسبانيا والبارسا سابقًا سيسك فابريغاس حينما قال بأن لاعبي الأرجنتين لعبوا بخطة 5-0-5 ولعبوا ضد بعضهم البعض وليس مع بعضهم البعض.

والأكثر من هذا، فالمدرّب الذي كان مرفوضًا من النجم السابق للتانغو بيلاردو والكثيرين قام بتقزّيم جميع لاعبيه بتصريحاته المتتالية قبل المونديال وأثناءه، إذ أكّد أن الجميع سيعمل على مساعدة ميسي على الفوز، وبهكذا تصريح فإنّه يقزّم كلّ لاعبيه ويزيد الضغط على ميسي أكثر من اللازم، وهو الذي ظهر جليًا أيضًا في هذه المباراة عندما اقتصر دورهم في إيصال الكرة لميسي، ثم ينتظرون منه المستحيل، وكأنّ هذا الدور هو فقط ما كان مطلوبًا منهم، بل وحتى في تصريحه الأخير عقب الخسارة المذلّة على كرواتيا زاد الطينة بلّة حينما حمّل مسؤولية التعثر لجميع اللاعبين إلاّ لنجم البارسا، وقال بأنّ ميسي هو قلبنا وروحنا لكنّنا لم نتمكن من إيصال الكرة له.

صحيح أن البرغوث لم يقم بدوره الكامل قائدًا ومحفّزًا لزملائه بأرضية الميدان بمشيه أحيانًا وتوزيعه لإيماءات الاستسلام واليأس أحيانًا أخرى ما زرع في نفوسهم الفشل، وبدا مجهدًا، لكن مع هذا فإنّ جماهير الأرجنتين تعرف جيّدًا أن فريق سامباولي تنطبق عليه العبارة التي ترددّها دومًا «المنتخب هو ميسي وعشر خشبات» صحيحة إلى أبعد الحدود.

فالأرجنتين راحت ضحيّة الخطط العقيمة التي يلعب بها المدرب خورخي سامباولي، وضحيّة خياراته الغريبة، ولا ننسى أيضًا أنّها ضحيّة لتراجع مستوى البطولة المحلية في الأرجنتين –بريميرا–، وتراجع بعض الأندية التي كانت مميّزة في السابق كنادي بوكا جونيورز وريفر بلايت.