نقول الدكتورة سوسن البياتي في معرض حديثها عن لعبة الزمن في النتاج السردي: إنّ التحديد الزمني للرواية يُتمّ عملية التجنيس الفنّي، حيث تحمل الرواية مواصفاتها وسماتها، إذ يتم التركيز على شخصية واحدة محددة هي شخصية (الراوي/ الشخصية) الذي يقوم بسرد قصته عبر مستويات دلالية وإشارية وسردية أقرب للمنظور الذاتي باستخدام ضمير المتكلم الذي يشكل انتقالة نوعية من الخارج إلى الداخل، إذ يصبح ضميرًا معبرًا عن الذات المتكلمة/ الساردة ومشخصًا لها، كما أننا نجد ذلك الاحتفاء بتقديم لحظات مهمة من حياة الراوي/ الشخصية إذ تمثل الإعادة إلى جوهر الحياة الماضوية – قبل لحظة السرد- وانتقاء لحظات تتصل اتصالًا مباشرًا بالحدث الذي يتم سرده، ومثل هذا الانتقال أدى إلى تداخل فعلي بين الأزمنة. وفي هذا المقال سنحاول تسليط الضوء على نظرية التداخل الزمني في الكتابة بين الأبعاد الزمنية الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل. وقد اشتققنا لها لفظة «الماضربل» أي الدمج بين الماضي والحاضر والمستقبل.

في البداية وكشيء من الإيتيقيا الفنّية لأي عمل أكاديمي، وجب علينا الاتّفاق حول حقيقة علمية لا لبس فيها ألا وهي أنّ الزمن في المنظور الإنساني هو 3 أزمنة لا غير: ماضي ويفيد حدثًا انقضى، وحاضر يفيد حدثًا بصدد الانقضاء، ومستقبل يفيد حدثًا ينتظر الانقضاء.

لكن في الجانب الأدبي وتحديدًا فعل الكتابة تغيب فلسفة المنطق الزمني لتحلّ محلّها أرضية زمنية لا حدود فيها، حيث يمكن للراوي-الكاتب أن يتلاعب بالزمن كيفما يشاء. إذ يحدث أن يتحدّث عن الماضي من بوّابة المستقبل، وأن يتحدّث عن الحاضر من خلال لغة الماضي، وأن يتحدّث عن المستقبل عبر لغة الماضي.

هذه الأسلوبية اللغوية اجترحت مفهوم الرواي العليم الذي يعلم ببروفايل المادّة السردية من شخوص وفواعل وأحداث وأيضًا الزمن والمدى الكرونولوجي… فاللغة في الدائرة الزمنية لفعل الكتابة خلقت مناخها العام، وهو من السهل الممتنع، وبمستوى يكاد يكون واحدًا لجميع الجوانب المحيطة بأي نتاج كتابي وخاصّة في الجانب الزمني، حيث يكون الخطّ الحكائي مستقيمًا ذلك أنّ المحدّث سواء كان مشافهًا أو كاتبًا يعلم ماضي وحاضر ومستقبل الأحداث.

فاللغة خلقت عوالمها من متنها السردي الروائي والزمني، كادت أن تسمي الأشياء والأمكنة والوقائعَ بمسمياتها حدّ تدوين الأماكنِ التي نشأ فيها الروائي، ناهيك عن الأزمنة التي عاشها في الواقع أو يخلقها في الخيال. فنظرية الانسحاب الزمني «الماضربل» قد فسخت حدود الزمن المعلومة ووازت بيت الواقع والخيال داخل نتاج فعل الكتابة حتّى غدا الرواي يرتقي من راو عليم إلى مفهوم الراوي-الإله الذي يعلم كلّ شيء قبل وأثناء وبعد حدوثه، وهنا يستقرّ المفهوم الذي قمنا باصطلاحه على أكمل وجه ونقصد عبارة «الماضربل» أي ماض متماه في الحاضر وفي المستقبل. فلا حدود للحركة الزمنية في الكتابة، حيث يمكن تسجيل نتاج أدبي (رواية، أقصوصة، نص مسرحي، سيناريو …إلخ ) يبدأ بصورة عكسية لمنطق تسلسل الأحداث، فيكون المستقبل سابق للماضي ولنا في رواية الأديب الكبير خوسيه ساراماغو «انقطاعات الموت» خير دليل حيث انفتحت هذه الرواية بالجملة التالية:

«ومن الغد لم يمت أحد».

فالرواية بدأت بلفظة غدًا التي تفيد المستقبل، ثمّ يعيد الكاتب خلط الأزمنة كما يفعل لاعب الورق. فالكتابة عبارة عن نشاط عقلي فحركي معقّد يتطلّب التحكّم في مفهومي الفضاء والزمن. وهذا التحكّم تلاشت بموجبه الحدود الدنيا للمنطق الزمني فكانت نظرية الانسحاب الزمني في الكتابة «الماضربل».

في الختام، لا نفشي سرًّا حين نقول إنّ  العديد من الكتاب  يقدمون لقرائهم في فترة ما كتبًا تكون عبارة عن خلاصة تجاربهم، فيها يطرحون إما أفضل نصوصهم وإما خلاصة أفكارهم عن الكتابة، وإما سيرهم الحياتية في تعالقها وتشابكها مع الأدب. لكن يبقى من الصعب الإمساك بقارئ من خلال حياة الكاتب الأكثر خصوصية من نصه أو الزمن الذي كتب فيه نصّه.