إنَّ الدولة هي عبارةٌ عن كيانٍ جُغرافيٍّ، يضمُّ مجموعة من المؤسسات التي تسهرُ على تنظيم المجتمع نحو الأفضل، وتحسين ظروفِ عيشه. بدأ مفهوم الدّولة في البداية بأفلاطون في كتابهِ (الجمهوريّة)؛ حيث سعى إلى بناء المدينة الفاضلة، المبنية على الأخلاق والعدالة والخير. وقد تطور هذا المفهوم من أفلاطون إلى أرسطو، ميكيافيلي، توماس هوبز، وخِتامًا بـهيجل الذي نَظَّرَ لهذا المفهوم وبإسهابٍ شديد.

الدولة هي تنظيمٌ اجتماعيٌّ؛ فهي اصطناعية، لا يمكنُ أنْ تتضمّن قيمةً أعلى من قيمةِ الحياة الدنيا كلِّها. فالدولة هي مظهرٌ من مظاهر الاجتماع الفطري تولدت حسبَ قانونٍ طبيعي.

فكَّر هيجل مليًا قبل أن يَكْتُبَ وهو في مرحلة الشيخوخة كتابًا تحتَ عنوان (فلسفةُ القانون)، وقد ناقشَ في هذا الكِتاب المراحل التي عرفتها الدول الأوروبية بعد ثورة 1789، حيث كان معجبًا وشغوفًا بالثورة الفرنسية، في حين أنَّ بلدهُ ألمانيا كان يعيشُ تحت وطأةِ الإصلاحات، سواءٌ السياسيّة أو الاقتصادية، أمّا إنجلترا فقد عرفت الثورة الصناعية وانتعشت كثيرًا حينها.

يُعرِّف هيجل الدولة قائلًا: لا تستحقُّ أنْ تسمى دولة بالمعنى الحرفي. إنَّها مجتمع، مجموعة إنسانيّة، كيانٌ غير مكتمل، وليس دولة عقلية. يُعَقِّبُ عبد الله العروي على هذا التعريف في كتابه (مفهوم الدولة)،  بأنَّ علماء الاجتماع والمؤرِّخين غير راضين أبدًا عن هذا الحكم. السؤال الذي يتبادرُ إلى الذهن: ماذا يقصدُ هيجل بكلمة دولة؟

لا يعني بها شكلًا من أشكال النِّظام  – تنظيمًا بين التنظيمات الاجتماعيّة – بل يعني بها مفهومًا منطقيا شائكًا مُستعصيًا، يركِّبهُ من خلاصة التاريخ. لم تكن الإمبراطورية الجرمانية متوحِّدة من أجل الدفاع عن حدودها ومُمتلكاتِها، لم يكن بالإمكانِ أبدًا مقارنتها مع فرنسا كبلدٍ يانع أنتج لنا التنوير، ولا مع إنجلترا كقوة اقتصادية وصناعية صاعدة آنذاك، ولا حتى مع روسيا كقوة عُظمى. من هذه النُّقطة المحورية والهامّة انطلق تفكيرُ هيجل، حيث اعتبر فرنسا كدولة، لكن ألمانيا لم تصل بعد للاكتمال لتصبح دولة بالمعنى الحقيقي. هذه المقارنة البالغة الأهميّة ستجعلُ هيجل في دوامة تحديد المقارنات.
بعدها سيصل هيجل إلى فكرة مفادها أنَّ الدولة هي الفكرة الأخلاقية أي هي الرُّوح الأخلاقية بصفتها إرادة جوهرية. هذه الفكرة معقَّدة وبالغة التجريد.

إنَّ هيجل يتكلَّم عن الدولة حسبَ مُقتضياتِ مفهومها، لا عن الدولة القائمة. وبذلك سيُعطي تعريفًا بسيطًا للدولة: دولتي هي الدولة – في – ذاتها. كثيرون انطلقوا من هذا التعريف وظنُّوا أن هيجل أراد تحقيقَ نظريته في النظام البروسي، لكن في هذا ادعاءٌ كبير. هيجل رغم إعجابه الشديد بالثورة الفرنسية، وجَّه لمبادئها نقدًا لاذِعًا، أبرزُ هذه المبادئ هي اللِّيبرالية، وهي حركةٌ فكرية تقومُ على الحريَّة والمساواة، ثم الديمقراطية.

لقد خوَّل هيجل للدولة العقلانية حقّ القضاء بالقوة والعنف على النَّزوات الفردية، كلُّ دولةٍ قائمة ومستقلَّة تفعلُ ذلك. تربي الناشئة حسبَ آرائها، فتدعي أنَّها تجسِّدُ الروح القومي أو حقيقة الجنس. مجَّد هيجل نظرية الدولة المُطلقة والمهيمنة. الدولة لا يمكنُ أن تبنى أو تتأسّس إلاَّ على أساسِ الفرد، وبالتالي يجبُ نقد هيجل – ليس هيجل وحده، بل كلُّ من اعتبر الدولة أنها تضمُّ الأخلاق – والذين طالبوا بتوحيد السُّلطتين المدنية والروحية، الذين وضعوا الجنس والمجتمع فوق الفرد.

يؤخذ على الدولة الهيجيلة كونها تتحكَّمُ في العقيدة والوجدان بواسطة القمع، وتتدخل في كلِّ نشاطٍ مادي أو ذهني، وتعادي الفرد وتَعتَبِرُ نفسه شريرة. نَقْدُ هيجل لا يمكنُ أن يكون لائقًا إلا باستبعاد مفهوم الدولة ذاته كما تفعلُ الفوضوية.

كان هيجل هو نقطةُ التقاء بين القديم والجديد، فنظرية الدولة هي نقد أدلوجة الوجدان (الأدلوجة مفهوم ابتكرهُ عبد الله العروي)، أدلوجة  الوجدان تأخذُ شكلين: ديني لاهوتي عند القدّيس أوغسطين، والثاني أخلاقي ونقدي عند كانط. هل يمكن اعتبار نظرية الدولة عند هيجل هي نقدٌ للأخلاق والمُثُلْ؟
للأسف الشديد، هذا لم يثبت عند هيجل بتاتًا. نظرية هيجل مبنية على الواقع، ومع هذه الفكرة ستنبثق لنا النظرية الماركسية والفوضوية.

يؤكدُ فيورباخ على أن العلاقة بين الفكرة والكيان تتحددُ في جملة واحدة: الكائن هو الفاعل والفكرة هي الصفة. ماركس سيعتنقُ هذه الفكرة بلهفة شديدة وسيُطبِّقها في نقده لنظرية الدولة عند هيجل. فإذا كان هيجل قد اعتبرَ أن الدولة تنقسمُ إلى قسمين رئيسين: الأسرة والمُجتمع المدني، ولكلِّ قانونٍ خاص يجسدُ في نفسِ الوقت روح الدولة العامة. أما ماركس، فيرى فعلًا أنَّ الدولة ترتكزُ من جهة على وشائج القرابة ومن جهة أخرى على وسائل الإنتاج. هنا كان ارتدادٌ كبير على نظرية الدولة عند هيجل.