الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.

لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقة أعيت من يداويها.

المقولة أعلاه لا تعبر فقط عن عدم وجود دواء للحماقة، بل على ما يمكن أن يصيب الطبيب من سعي لعلاجها والراجح أن الأمر يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، ويمكن أن نسرد في السطور التالية أمثلة لما قاله الأدباء والشعراء عن الأحمق والحماقة، ولكن برأيي هناك بعض التجليات التي لو سلّطنا الضوء عليها لكفتنا عناء البحث عن المعاني، وربما وجد فيها أهل اللغة ما يستحثهم على صياغة مسميات تكون أكثر ملاءمة للصورة.

إنها أسطورة BEOUTQ القناة الكوبية الكولومبية كما قالوا التي عادت إلى الظهور مجددًا والعالم يعيش هذه الأيام العرس الكروي العالمي في روسيا، والتي انطلقت بُعيد اندلاع الأزمة الخليجية التي كان من تبعاتها حظر بث قنوات beIN Sport في كل من السعودية والإمارات الأمر الذي أدى لحرمان الملايين من مشاهدة أهم البطولات العالمية.

أطلق المستشار بالديوان الملكي سعود القحطاني وعده الشهير بإيجاد البديل للقنوات المحظورة، هذا الوعد لكل من هو ضليع بالشأن الرياضي وحقوق البث دليل على عدم فهم سيادة المستشار للأمر ولا متطلباته وعدم إدراكه لحقيقة ما حرم منه الجمهور السعودي، فالأمر يحتاج لأكثر من حقائب ممتلئة بالملايين يذهب بها الموفد الملكي إلى الفيفا أو الاتحادات الأوروبية يدفعها لهؤلاء فيعطوه حق البث، فـ(beIN) ليست مجرد قناة رياضية، بل هي شبكة تلفزيونية عالمية مستقلة تمتد إلى أمريكا وفرنسا وآسيا وغيرها كما باتت تمتلك شبكة تركية واستديو ميراماكس الأمريكي، وفوق ذلك لا يوجد في المنطقة أي طرف مؤهل لأن ينافس beIN في الحصول على حقوق بث أي بطولة عالمية.

تعاملت الإمارات مع ذلك الواقع واستسلمت له، ولكن المغاوير في السعودية كان لهم رأي آخر؛ إذ قرروا السعي في فانتازيا ذلك الحل البديل الذي وعد به سعود القحطاني فكانت beoutQ، والتي قالوا إن مقرها في كوبا وكولومبيا البعيدتين جدًا بحيث يستكثر المتابع أن يتجشم أحد عناء البحث هناك عن هذا الاسم الذي تفطن البعض لدلالته be-out-Q ، ولأن الزبد يذهب جفاء فسرعان ما عرف الناس أن بث beoutQ ليس سوى عملية قرصنة لبث beIN الرياضية، لم يحتج الأمر إلى كثير ذكاء ليصل المتابع إلى كذب ما يدّعيه هؤلاء فإذا كانت رائحة الجهل بتلك الصنعة قد فاحت من وعد القحطاني والذي تمت ترجمته لقناة كوبية كولومبية جاءت من أقصى الغرب لتوفر لأهل الشرق الأوسط الحل البديل لـbeIN الرياضية تقول في بيان لها بأن القناة تعمل بشكل قانوني وجاءت لتحارب الاحتكار الجائر فاضحة بذلك نفسها أمام الملأ، فلا يوجد ممن شم رائحة العمل الإعلامي من يقول كلمة الاحتكار الجائر، بل ولا من المشاهد الذي تعامل مع واقع حقوق البث منذ عقود، ولنذكر أنفسنا وسعود القحطاني ومن معه من المغاوير بأن أول من تكسّب مما يسمونه الاحتكار الجائر كانت قنوات ART الرياضية المملوكة لرجل الأعمال السعودي صالح كامل، فلو كان هؤلاء يحاربون الاحتكار الجائر لكانوا قد حاربوه حينها.

عمدت جميع اتحادات كرة القدم العالمية إلى بيع حقوق البث الحصرية للقنوات الكبرى منذ مطلع الألفية الثالثة أو قبلها، أي منذ قبل ظهور قناة الجزيرة الرياضية، وسرعان ما استسلم الجميع لهذا الواقع وأصبح الجميع يتعامل وفق مقتضاه، وقناة الجزيرة الرياضية لم تفعل سوى أن تسير في ذات الاتجاه الذي سار فيه الجميع، والآن وبعد أن تفوقت على غيرها وأصبحت هي المنفردة بنقل أكبر المناسبات العالمية عبر شاشتها للمشاهد العربي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا جاء بعض المساكين يتباكون على حرمان المشاهد البسيط من متابعة منتخب بلده ويلقون باللائمة على beIN الرياضية التي لم تفعل سوى أنها اشترت حقوق البث من الاتحاد الدولي لكرة القدم وفق القوانين التي تدّعي beoutQ أنها تلتزم بها.

الذي يحاول أن يجمع بين الالتزام بالقوانين والـ(روبن هود)ية كما تحاول beoutQ أن تفعل فهو ببساطة لا يفهم أيًا منهما، لأن الالتزام بالقوانين هو أن تفعل ما تفعله beIN ومن قبلها ART الرياضية وأبوظبي الرياضية، أما الروبنهودية فهي العمل خارج إطار القانون أي أن تقدم نفسك على أنك محض قرصان تسرق البث من الناقل وتذيعه بالمجان ليصل إلى الفقير الشغوف بكرة القدم والعاشق لمنتخب بلاده ويمني النفس بمشاهدة فريقه في كأس العالم، بالنسبة لـbeoutQ فهي لم تلتزم بذات الروبنهودية، بل أنتجت أجهزتها وباعتها في الأسواق بمقابل مادي.

أبرز الشخصيات والحسابات السعودية على مواقع التواصل الاجتماعي ظنت في beoutQ تحققًا لوعد القحطاني وروجوا للقناة الوليدة وقالوا إنها ستنقل (كل) البطولات العالمية بسعر زهيد، وبعد أن ذاب الثلج وبان المرج وجدنا كل هذه الحسابات قد حذفت كل ما قالته عن القناة وبشرياتها، عن نفسي أحترم ذلك لأن النفس البشرية بطبيعتها تنفر من الفعل القبيح ولا ترضى أن تكون سببًا له ولو كان ذلك بالترويج له.

ما يزعج حقًا هو أن يلزم أحد ما نفسه بالمواصلة على أمر يعلم بطلانه ويعلم أن الجميع قد عرف بطلان ما يفعل، فأكثر الناس جهلًا بطبيعة مثل هذه المسائل قد تبينت الآن له أكذوبة beoutQ ومن وراءها، كما أن ثقافة الكثيرين ممن يتابع الشأن الرياضي وما يحيط بحقوق البث تؤهلهم لإدراك أن القحطاني وعد بما لا يحيط به علمًا ناهيك عن أن يفي به، وأيًا كان الذي دفع أولئك المغاوير في السعودية لمثابرتهم في سلوك هذا الطريق الشائك فهم الآن في صدام مباشر مع الفيفا التي أصدرت بيانها الذي يهدد باتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية حقوق beIN Sport الناقل الحصري لمباريات كأس العالم 2018 في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

أسطورة beoutQ تعطي القارئ فكرة جيدة عن العقلية التي تدار بها الأمور الآن في السعودية، فهذا السلوك غير الإنساني ناهيك عن أن يكون عند صاحبه مسحة عقل يناقض تمامًا سلوك الإمارات التي تسمح ببث قنوات beIN Sport عندها، بل ما زالت حتى الآن تستورد الغاز من قطر، كما أنها وفي الوقت الذي يصعد فيه الإعلام السعودي ضد تركيا ويوجه بعدم السفر إلى هناك، أو الاستثمار، يستمر تعامل الإماراتيين مع تركيا بشكل طبيعي، هذا ليس تزكية للإمارات بل إشارة إلى أنها مستعدة للتعامل مع الشيطان نفسه من أجل تحقيق مصالحها، وتكفلت السعودية بالقيام بالتصعيد على كافة الأوجه السياسية والإعلامية والتجارية والرياضية وحتى الفنية حرصًا منها على إبقاء نار الأزمة حية لا تموت.

حالة العجب بالنفس وقصر النظر عند القيادة هناك جعل ذلك التصعيد مشبعًا بالحماقة والرعونة في كل تجلياته وربما مثيرًا للضحك والسخرية في بعض الحالات، فإقحام السياسة في الرياضة الذي كان عنوان حظر القناة الرياضية القطرية في السعودية والذي لحقه وعد القحطاني المشؤوم المتبوع بقناة beoutQ وما جرته عليه ومن معه من المغاوير من مصائب وسوء السمعة كان هو نفسه عنوان حالة الهياط التي روج لها تركي آل الشيخ وتوعد بأنه سيرفع بسببها شكوى ضد ذات القناة التي ينصب عليها وعلى مشاهديها، وذلك بسبب ما صدر عن أحد ضيوف قناة beIN Sport عن الزج بلاعبي المنتخب السعودي في فندق الريتز بعد خسارتهم الثقيلة أمام روسيا في مباراة الافتتاح.

التصرفات التي تصدر من المستشارَين لا يكاد يجد فيها المتابع أي حرص من الرجلين على إجتناب أي عواقب تؤثر سلبًا على سمعة المملكة أو حرصًا على العلاقات الموجودة سلفًا مع دول أخرى كالمغرب التي صرّح تركي آل الشيخ بدعم بلده لملف أمريكا الشمالية لإستضافة مونديال 26 نكاية في المغرب التي رحبت بدعم قطر لملفها، هذا التصرف وغيره يعزل السعودية حكومة وشعبًا عن محيطه العربي والإسلامي ويكسبها العداوة مع الجميع الأمر الذي هي في غنى عنه، وكلنا رأينا تفاعلات الكثيرين في الشارع العربي مع خسارة السعودية أمام روسيا والتي كان طابعها الشماتة والتشفي، كما رأينا ما نال تركي آل الشيخ من جمهور الرياضة المصري.

دروس الحياة بطبيعة الحال دروس قاسية وقسوتها هي سر فعاليتها لتنبيه الغافلين وتصحيح مسارهم، فإن لم تغيّر شيء فيمن لُقّن الدرس فاعلم أن به داء عضال، إن لم يكن هذا الداء في حالتنا هذه هو الحماقة فلا أعلم ماذا يمكن أن يكون.