مقاطعة منتجات الشركات المغربية التي تَمّ الإعلان عنها باستعمال أدوات الوسائط الاجتماعية، تحولت اليوم إلى شكلٍ جديدٍ ومتطوّر من أشكال الاحتجاج السياسي، وهو شكل لا يمكن فصله عن صور الاحتجاج الجارية منذ أشهر في كل من شمال شرق المغرب.

تدفعنا أحداث عديدة كل يوم إلى الاعتراف بالأدوار التي أصبحت تقوم بها الوسائط الاجتماعية في مختلف مجالات الحياة. وقد نتمكّن قريباً من فك نمط الموازاة الذي نفترض أنه يعبر عن العلاقة القائمة بين عوالم  الواقع وعوالم هذه الفضاءات، ومعرفة جوانب من الأدوار التي أصبحت تمارسها في حياتنا، خصوصاً ونحن نتصوَّر أن مقاربتنا جدليات العلاقة المترتِّبة عن طبيعة المشترك بين العالمين تستبعد صفة الموازاة، وترى أن عوالم الفضاءات الافتراضية بمثابة امتداد لعوالم الواقع في جريانه، أي أنها صنوٌ لها وصنيعةٌ من صنائعها، ولعلهما اليوم يرتبان معاً أبرز ملامح الجدليات الجديدة الناشئة في المجتمع وفي التاريخ.
حركة المقاطعة التي تَمّ الإعلان عنها، ثم إطلاقها باستعمال أدوات الوسائط الاجتماعية، تحولت اليوم في فضاءات الواقع في صورتيه، إلى شكلٍ جديدٍ ومتطوّر من أشكال الاحتجاج السياسي في المجتمع، وهو شكل لا يمكن فصله عن صور الاحتجاج الجارية منذ أشهر في كل من شمال شرق المغرب، أي في مدينتي الحسيمة وجرادة، حيث أصبحنا أمام نمط احتجاجي يؤشر، بالواضح، إلى صعوبات الوضع الاقتصادي والاجتماعي.
جاء حدث المقاطعة مفاجئاً، والصدى الواسع الذي نتج عنه في الواقع، وقبل ذلك في الفضاء 
“اتسع فعل المقاطعة وشمل تيارات عديدة من مكونات المشهد السياسي في المغرب”

الأزرق، حيث اتسعت مظاهره، واتخذ تعبيرات ومظاهر شتى، فقد أبدع الفيسبوكيون إعلاناتٍ برسوم ساخرة، وأغانٍ وفيديوهات بهدف ترسيخ حملتهم، ومواجهة خصومهم. وإذا كانت الحملة المتواصلة تقترب اليوم من إتمام شهرين، وأن شعاراتها قد تجسّدت في مظاهرات وسط بعض المدن، فإنها أنتجت، في موازاة كل ما سبق، جدلاً سياسياً بين أغلب مكوّنات المشهد السياسي في الحكومة والمعارضة، وداخل قبة البرلمان، إضافة إلى سجالاتها المتواصلة وسط جمهور الفضاء الأزرق، الأمر الذي يكشف دور شبكات التواصل الاجتماعي، في عملية صناعة بعض أوجه الرأي العام المغربي، كما يَكشف نوعاً من التغير الحاصل في الوعي السياسي وآلياته، حيث أصبحنا أمام شعاراتٍ وأدبياتٍ ومواقف في المقاطعة غير مألوفة، تتبارى فيها الآراء والخيارات وتُعَمَّم، مستخدمةً، كما أشير، آليات متنوعة في الاقتراب من القضايا السياسية والاجتماعية.
وجدت المقاطعة في التحولات الجارية في المجتمع المغربي جملة من العناصر التي ساهمت وتساهم في تأجيج فعلها، ومنحتها سمات ومواصفات خاصة.. حيث أصبحنا نقف أمام جمهور يتسع، ثم يزداد اتساعاً، يعلن المقاطعة، يتجاوز المؤسسات الحزبية، ولا ينخرط فيها، معتبراً أنها لا تتحدث باسمه، إنه جمهور يتداول المعلومات، ويشارك في أنشطة المقاطعة بصورة جديدة.. يتكلم خارج المواقع المؤسسية المعتادة، أي الأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني. ولكن لا أحد يستطيع أن ينفي اليوم، بعد اتساع حجم شرارة المقاطعة ولهيبها، غياب المؤسسات المذكورة عن كل ما جرى ويجري.. وتدفعنا المقاطعة الجارية، والمتصاعدة، إلى طرح أسئلة جديدة بشأن أنماط الفعل الناتج عنها، في محيط مجتمعنا السياسي، أسئلة تتعلق بمجالات تحول الوعي والعمل السياسي، في عالم لا حدود لإيقاع تغيره.
لا يمكن فصل فعل المقاطعة عن لعبة الصراع السياسي القائم في المجتمع المغربي، وفي 

“لا يمكن فصل فعل المقاطعة عن لعبة الصراع السياسي القائم في المجتمع المغربي”

المشهد السياسي بالذات، حتى عندما ينكر الجميع ذلك، ففي المقاطعة، وما تلاها من تفاعلات ومواقف، ما يبرز صلاتها الفعلية بجوانب من الصراع المرتبط بالأغلبية الحكومية في المشهد السياسي في المغرب، وكذا بنمط الحراك الاحتجاجي المتواصل، كما في الحسيمة وجرادة..
يدفع ما حصل إلى التساؤل عن آفاق المقاطعة، وآفاق الاحتجاج الذي يرافقها، كما يدفع إلى التفكير في الدور التنفيسي الذي تقوم به مواقفها، وخصوصاً عندما يفترض بعضهم انقطاع فعل المقاطعة عن العمل السياسي المُؤَسِّسي المؤطر، في سياق موازين قوى مرتبة بضبط وعناية. يُطرح هذا السؤال، ونحن نعاين، في الآونة الأخيرة، صور الاشتباك المتطورة في الوسائط الاجتماعية، حيث تتقاطع المواقف من المقاطعة، وتُحَكِّم بعض الأطراف المساهمة والمنخرطة في سجالاتها جِهاتٍ معينةـ للقيام بفصل القول فيها، الأمر الذي يؤشر إلى تفاعلات جديدة، تعبر، في بعض أوجهها، عن الأبواب المسدودة لأفعال احتجاجٍ أخطأت الطريق في موضوع تسمية منتوجاتٍ بعينها بحسابات ظرفية عارضة، فالتناقضات السياسية والطبقية في المغرب أكبر مما تعكسه احتجاجات فيسبوكية مطبوخة بسرعة، بحسابات لم تعد تخفى على أحد.
اتسع فعل المقاطعة، وشمل تيارات عديدة من مكوّنات المشهد السياسي في المغرب، وفئات واسعة من الجماهير، وبحسابات غير مضبوطة. وقد تحول اليوم إلى فعلٍ لا أحد يجادل في الأدوار المنتظرة منه، في سياق الشروط السياسية والاجتماعية المؤطرة لحركة مجتمعنا ومشهدنا السياسي. ونتصوَّر أن بعض مظاهر اليوم اتخذت أبعاداً تتجاوز الشعارات التي رفعت في أيامه الأولى.. وقد يُفرز في المستقبل معطيات جديدة، إذا لم تُرسَم خيارات سياسية محددة في موضوع الاحتكار والأسعار والأجور ومحاربة الفساد. وبناء على ما أوضحته الفقرات السابقة، يحق أن نتساءل: هل تساهم المقاطعة فعلاً، في التأسيس لميلاد رأي عام مغربي؟