تعرضت الشعوب العربية خلال المئة سنة الأخيرة لعدد من الهجمات، بدءا بالاستعمار القديم إلى الاستعمار الجديد فالاستبداد فالحرب المعلنة اليوم باسم الإرهاب وغيره، الأمر الذي يضعنا بمواجهة سؤال: كيف يمكن مقاومة هذه الهجمات وغيرها؟

تعرّضت الشعوب العربية على امتداد المائة عام الماضية إلى سلسلة من الهجمات الخبيثة التي قادتها قوى الاستعمار القديم، المتمثلة في الإمبراطوريات الأوروبية السابقة، إبان الحربين العالميتين، الأولى والثانية، وتبعتها قوى الاستعمار الجديد، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، في عصر الحرب الباردة، وما بعدها، ولا تزال مستمرةً فى دوراتٍ لا تتوقف، ولعلنا نشهد حلقة من أخطر حلقات تلك الهجمات في أيامنا هذه.
ميز تلك الهجمات، وما زال يميزها، سمتان رئيسيتان، الأولى أنها وجودية، ليس بمعنى إنهاء وجود تلك الشعوب أو إبادتها، ولكن ضرب المقومات التي تجعل من تلك الشعوب، بحكم عوامل ثقافية، وحضارية، من لغة ودين وتاريخ، بالإضافة إلى التواصل الجغرافي، على الرغم من وقوعها فى قارتين، هما آسيا وأفريقيا، وهو ما أوجد مجموعة من الروابط، والثقافات المجتمعية التي تجعل من تلك الشعوب “أمة عربية واحدة”، وهذا مكمن الخطر الذي استشعرته قوى الاستعمار الغربي مبكرا. ومن هنا، كانت الهجمات “وجودية”، أي تستهدف ضرب فكرة وجود “الأمة الواحدة”، وإنهاء تلك الفكرة.
تلك هي السمة الأولى للهجمات التي تعرضت، وتتعرّض لها الشعوب العربية. أما السمة الثانية فهي تركيز الهجمات على مقومات الشعوب، بالتعاون مع طبقة الحكام، سواء كانوا حكاماً
“سلاح الشعب الوحيد هو العلم الذي يقيها من الوقوع في الوهم”

 وزعماء قائمين بالفعل، أو حكاماً تم تنصيبهم، وفرضهم على الشعوب بشكل أو بآخر؟ ولعل بداية تلك الهجمات الخبيثة أو العميقة، كانت إبّان الحرب العالمية الأولى، والتي استهدفت، في ذلك الوقت، فصل الكيان العربي عن جسد دولة الخلافة الإسلامية العثمانية، والتي كانت في أيامها الأخيرة، من خلال اختيار الشريف حسين بن علي والي الحجاز وشريف مكة، بما يمثله من قيمةٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ بفضل أصوله الهاشمية، وإقناعه بالتحالف مع بريطانيا العظمى، وقيادة ثورة عربية كبرى ضد دولة الخلافة العثمانية، على وعد بأن تُعيد بريطانيا الخلافة إلى البيت العربي الهاشمي. وبالفعل أطلق الشريف حسين شرارة ثورته العربية، وانطلقت قواته بقيادة ولديه، عبدالله وفيصل، لتحارب إلى جوار قوات المستعمر “البريطانى والفرنسي”. وانتهى الأمر، كما هو معروف، بسقوط دولة الخلافة العثمانية، وتجاهل بريطانيا وعودها بإقامة الخلافة العربية. وبدلا من ذلك، تم تقسيم العالم العربي طبقا لخطة سايكس – بيكو الشهيرة، وأنهوا حكم الشريف حسين في الحجاز، ومكّنوا لحكم عبد العزيز آل سعود الذي شمل كل شبه الجزيرة العربية، تحت مسمى المملكة العربية السعودية، وتمت إقامة نُظم حكم تابعة في كل من العراق وشرق الأردن لابني الشريف حسين، فيصل وعبد الله، وتم وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني. وبقيت باقي الأقطار العربية رهينة للاستعمار والنفوذ البريطاني والفرنسي. المهم أن تلك الهجمة الكبرى انتهت بأن لا تكون هناك وحدة عربية، ولا أمة عربية.
كانت الهجمة الكبرى الثانية التي استهدفت الشعوب العربية إبّان الحرب العالمية الثانية، وفي أعقابها، حيث كانت نُظم الحكم في البلاد العربية الرئيسية التي نالت الاستقلال الشكلي قد أخذت شكلاً مستقرا إلى حد ما. ولم تكن قد تجاوزت سبع دول، مصر والسعودية والعراق والأردن واليمن، وهي دول ملكية، بالإضافة إلى سورية ولبنان، وظهرت دعوات إلى إحياء فكرة القومية العربية، خرجت من بلاد الشام وامتدت إلى العراق، وبادرت بريطانيا إلى احتواء ذلك التيار، بالإيعاز إلى مصر بالدعوة إلى إنشاء جامعة للدول العربية، وهو ما تم، وضمت الدول السبع المستقلة المشار إليها. عند ذلك الحد، جاءت الضربة الرئيسية للشعوب العربية، بإعلان قيام دولة الكيان الصهيوني “إسرائيل” على الأرض الفلسطينية، لتقسم العالم العربي إلى قسمين، وتبقى عازلا بينهما، وشوكة في ظهر كل الشعوب العربية. وما جرى بعد ذلك أيضا معروف، قضية فلسطينية مستدامة، وصراع عربي – فلسطيني، جرت في إطاره سلسلة من الحروب التي انتهت بهزيمة عربية مدوية، عدا الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 1973، والتي على الرغم من الأداء العسكري العربي المتميز فيها، إلا أنها انتهت إلى ما تعرف بعملية السلام والمعاهدات والاعتراف بدولة العدو الإسرائيلى من أهم ثلاثة أطراف فى الصراع، مصر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية.
لم تتوقف الهجمات على الشعوب العربية عند ذلك الحد، لكنها استمرت بإغراق النظم العربية في صراعات وهمية وعبثية، وخلق محاور، وتقسيمات، وكيانات شبه إقليمية، حتى تتوارى فكرة “الأمة العربية” تماماً، والنُظم والحكام، منساقون تماماً، بوعي أو بدونه، وراء تلك المخططات.
وجاءت مع بداية الألفية الثالثة، وصعود اليمين الأميركي، والمحافظين الجدد في أميركا، مرحلة الهجمات الانتقائية على الشعوب، والتي بدأت بحملة غزو العراق في مارس/ آذار 2003، حيث تم إسقاط نظام صدام حسين بكل أركانه، واختفى كأنه لم يكن موجودا، ثم وعلى مدى خمسة عِشر عاما، تم تدمير النسق السياسي والإقتصادي والثقافي، وحتى الاجتماعي للشعب العراقي الذي قدم ملايين الضحايا، قتلى ومصابين ونازحين ومشرّدين ومهاجرين، وما زال الشعب العراقي يعاني، والقوات الأجنبية من جنسيات مختلفة تستبيح سيادته على أرضه.
وتغيرت استراتيجية الهجمات على الشعوب العربية، من الهجمات الشاملة إلى استراتيجية القضمة قضمة. وجاءت موجة ثورات الربيع العربي، ليبدأ تنفيذ الاستراتيجية الجديدة، بتدبير الثورات المضادة ودعمها، كل حالة على حدة، طبقا لظروف كل بلد وطبيعته، وكل شعب، وغرق العالم العربي في حالة من الاقتتال، والصراعات، والأزمات، ولم يعد هناك مجال 

“تغيرت استراتيجية الهجمات على الشعوب العربية، من الهجمات الشاملة إلى استراتيجية القضمة قضمة”

لمجرد الحديث عن أمة عربية، أو وحدة عربية، أو حتى عن دور شكلي لجامعة الدول العربية.
أخيراً، الهجمة الكبرى التي يتم الإعداد لها بعناية شديدة، وتخطيط، لعله الأشد خبثاً، ومهارة من كل ما سبقها من هجمات، والتي بدأت بإلقاء مجموعة من بالونات الاختبار، والخطوات المحسوبة بدقة. وكان مصطلح “صفقة القرن” هو البداية، حيث تم إطلاق المصطلح من دون أي توضيح لمضمونه، ومن دون أي تصريح رسمي من الدولة المعنية به، وهي أميركا، ورئيسها دونالد ترامب، وترك الأمر للتسريبات الإعلامية، والتحليلات والتقديرات والاجتهادات، من غير المسؤولين. وأعقب ذلك مجموعة من الخطوات المريبة، أبرزها قرار ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل، ونقل السفارة الأميركية إليها في احتفالية رسمية، وموجة من التسريبات عن اتصالات وحوارات إسرائيلية – عربية مع دولٍ تلعب أدواراً نافذة على الساحة العربية حاليا، أبرزها السعودية والإمارات، وإطلاق بالونات اختبار جديدة، تتضمن أُطرا للتسوية في المنطقة، تركز على تصفية القضية الفلسطينية أولاً، ولعل آخر تلك البالونات مشروع إقامة ميناء بحري، ومطار، ومحطة توليد كهرباء رئيسية لخدمة قطاع غزة، ليس فى غزة، ولكن على سواحل العريش في سيناء المصرية. وفي الوقت نفسه، تمارس ضغوط هائلة على كل من الملك عبدالله بن الحسين ملك الأردن، وعلى سلطة الرئيس محمود عباس فى رام الله، للقبول بحل يربط الضفة الغربية بالأردن.
تم إطلاق تلك البالونات قبيل وصول البعثة الأميركية رفيعة المستوى إلى المنطقة، والتي تضم كبير مستشارى ترامب وصهره، جاريد كوشنير، والمبعوث الأميركى إلى الشرق الأوسط، في جولة تشمل أساسا مصر والأردن وإسرائيل، وأطرافا أخرى.
يبقى السؤال الوجودي: كيف تدافع الشعوب العربية عن نفسها، ومقدراتها، في مواجهة تلك الهجمة العاتية؟ قبل الإجابة على السؤال، لابد من استرجاع كل التجارب التاريخية التي مرت بها الشعوب. وعليها أن تُحدد بدقة من هو العدو الرئيسي الذي عليها أن تواجهه، سواء كان ذلك العدو من الخارج أو من الداخل. ويبقى سلاح الشعب الوحيد هو العلم، والمعرفة، والوعي، الذي يقيها من الوقوع في الوهم الذي تسوقه نُظم الحكم. والأهم أن تكون مستعدة لدفع ثمن حريتها.