الدولة التنموية هي محل اهتمام مكونات المجتمع المدني الحديث، والأوساط الشعبية على السواء، نظرًا إلى أهميتها لبناء الاقتصاد الوطني، بما يساعد على مواجهة المصاعب الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، إضافة إلى رسم استراتيجية المستقبل.

يجري في تونس تغييب مناقشة الطبقة السياسية الحاكمة القضايا الجوهرية، وحتى النخب السياسية الموجودة في صفوف المعارضة، لأنّ الجميع يفضل مناقشة ما هو مطروح من إفرازات على صعيد السطح السياسي، مثل الأزمة السياسية التي اندلعت بعد تعليق العمل بوثيقة قرطاج 2، ولا سيما بعد خطاب رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، والذي حمّل فيه نجل رئيس الجمهورية، حافظ قايد السبسي، مسؤولية تدمير حزب نداء تونس، وكذلك تحول النقاش العام من أزمة حكومة تخلّى عنها أغلبية الموقعين على وثيقة قرطاج، لكنها ترفض التخلّي والمغادرة إلى نقاش عام بشأن الإقالة “المثيرة” لوزير الداخلية، لطفي براهم، وما رافقها من تأويلات وتخمينات. بينما تعتبر، في العمق الفكري والسياسي، مسألة خيارات استعادة الدولة التنموية من أهم الموضوعات المطروحة على بساط البحث والنقاش في تونس، فهي محل اهتمام مكونات المجتمع المدني الحديث، والأوساط الشعبية على السواء، نظرًا إلى أهميتها لبناء الاقتصاد الوطني، ليس من باب مواجهة المصاعب الاقتصادية والاجتماعية الراهنة فحسب، وإنما أيضًا من أجل رسم استراتيجية المستقبل.
ومنذ سقوط النظام السابق في بداية سنة 2011، كانت برامج الحكومات المتعاقبة إلى غاية حكومة يوسف الشاهد الراهنة تكاد تجمع على معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وكانت ترفع شعارات الديمقراطية، لكن المسألة ليست في رفع الشعارات، وإنما المسألة في تطبيقها، ما يجعل انطلاق المعالجة هو في البحث عن إعادة بناء الدولة التنموية، وإدارة الدولة وآليات النهوض، والوقوف عند معوقات المعالجة بعد كشفها، ومن ثم تأتي معالجة أسباب التأخر والتعامل مع معوقاته.
غير أنّ المسألة في تونس، البلد الذي يعيش حالة من التخلف الاقتصادي والتكنولوجي، 
“الدولة التنموية دولة مؤسسات تهدف إلى إقامة مجتمع ديمقراطي عادل”

والخاضع للوصفات المعروفة التي تنادي بها الليبرالية الاقتصادية الجديدة، والتي تمثل جوهر الإصلاح الاقتصادي، كما يطرحه اقتصاد حرية السوق، وتطرحه توصيات البنك والصندوق الدوليين، مثل تشجيع برامج الخصخصة، بما في ذلك القطاع المصرفي.. وتقليص الاستثمارات الحكومية، وإلغاء حقوق الاحتكارات الحكومية، قد قادت إلى طريق مسدود في آفاق التنمية، وأدّت إلى نهب المال العام، ومزيد من البطالة، والتراجع في مستويات المعيشة والغلاء، وتدنّي مستوى الخدمة العامة، وإلى غير ذلك، ما يؤكد ضرورة وأهمية الربط ما بين النمو الاقتصادي وبناء الاقتصاد السياسي للتنمية الذي يتطلب خياراتٍ ملموسةً ودقيقةً للإنتاج وطريقته وتوزيع المنتجات، والدخول وتوزيع الثروة، وتحقيق قضية العدالة الاجتماعية ومسألة الديمقراطية، وتحديد دور الدولة في المجالين، الاقتصادي والاجتماعي.
ولا يمكن تحقيق هذه الأهداف تلقائيًا، كما لا يمكن التعويل على قوانين السوق من أجل تحقيقها، وإنما تتطلب فعلا إراديا وسياسيا بالدرجة الأولى، لإنجاز النهوض المجتمعي والتقدمي على طريق بناء مجتمع تونسي تنموي، بالاعتماد على قواه الذاتية، ليس بهدف اللحاق بـِ “النظام الرأسمالي المعولم والليبرالي”، إنما بهدف بناء القدرة الذاتية التنموية، حيث يجب أن تترافق الديمقراطية مع عملية بناء القدرة الذاتية. ويستدعي هذا الأمر من مختلف المكونات السياسية والأطراف الاجتماعية التونسية، ومنظمات المجتمع المدني مزيدا من الحوار بشأن عملية الربط بين الديمقراطية والتنمية، انطلاقاً من حاجات المجتمع التونسي إلى العدالة الاجتماعية، ومن كون الديمقراطية أسلوباً للحياة، لا مجرد أسلوب للحكم فقط.
قد يصبح من العبث العودة إلى وثيقة قرطاج 2، حتى وهي معدّلة، فالسياسات الاقتصادية التي تحتاجها تونس في أزمتها البنيوية الراهنة لا يمكن استعارتها أو نسخها من وصفات المؤسسات الدولية المانحة، فمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بحد ذاتها سياسة، وتتطلب ثقافة اقتصادية جديدة، في إطار ثقافة سياسية وطنية جديدة، والسياسة يجب أن تبنى في إطار استراتيجية وطنية شاملة، قادرة على إعطاء أجوبة عقلانية وواقعية للتحديات المطروحة.
ومن هذه الأجوبة العقلانية والواقعية التأكيد على خيار إعادة بناء الدولة التنموية في تونس، ويتطلب هذا الخيار عددًا من العوامل المساعدة لنجاحه ولعل أهمها:
أولاً: الإيمان العميق من النخب السياسية الحاكمة والمعارضة بضرورة إعادة بناء الدولة الوطنية التي تؤسس شرعيتها على إطلاق عملية تنموية متواصلة، لا تقتصر على معدلات نمو مرتفعة للناتج المحلي في علاقتها بالاقتصاد الدولي المعولم، وربط ذلك بالمشروع الاقتصادي الذي تدير دفته الدولة، بهدف إجراء تحولات جذرية في النظام الاقتصادي والاجتماعي القائم، وعلاقات الإنتاج، والهياكل الاجتماعية المصاحبة لها.
ثانيًا: يعود الإخفاق الذي واجهته الحكومات التونسية المتعاقبة منذ سنة 2011 إلى تمسكها بالليبرالية الاقتصادية الجديدة، التي تعيد الأسباب في إخفاق تونس في عدم تحقيق معدل نمو كبير إلى تدخل الدولة، بينما أنصار الدولة التنموية في تونس يُعِيدُونَ أسباب الإخفاق إلى إغراق الحكومات المتعاقبة تونس بالديون الخارجية التي جعلتها تلجأ إلى المؤسسات الدولية المانحة التي فرضت عليها “الإصلاحات والتكيف الهيكلي” الذي قاد إلى إفقار عموم الطبقات الشعبية والطبقة الوسطى لمصلحة الطبقة الرأسمالية الطفيلية، وأدّى إلى إطلاق ما بات يعرف في تونس “اليد الخفية”، أي مافيات الفساد التي تسير شؤون الاقتصاد، وخروج حكومة الوحدة الوطنية التي يرأسها يوسف الشاهد عن آليات التنمية الحقيقية، وعجزها عن محاربة الفساد وتخلف أجهزة الدولة التونسية، وغياب المساءلة، وانعدام الشفافية، وانحيازها لأصحاب المصالح الخاصة، والوقوع في أسر المؤسسات الدولية المانحة ومصالح الدول الغربية الكبرى، كالاتحاد الأوروبي وأميركا.
ثالثًا: على الدولة التنموية أن تعيد الاعتبار لوظيفة التخطيط، واستخدامها على نحو علمي وعملي، والأخذ بنظر الاعتبار التطوير الحاصل في مجال التكنولوجيا والاتصالات والمعلوماتية، في إطار إقامة مجتمع المعرفة، وتوطين التكنولوجيا وإنتاجها.
رابعًا: الدولة التنموية دولة مؤسسات تهدف إلى إقامة مجتمع ديمقراطي عادل، يضمن أوسع 

“تؤمن الدولة التنموية بضرورة ضخ موازنة كبيرة لتحقيق المشاريع التنموية في المحافظات الفقيرة والمهمشة تاريخيًا”

مشاركة شعبية من خلال العمل المؤسساتي في إدارة شؤون المجتمع المدني، وهي دولة قانون، يحترم فيه حق الناس بالمقاضاة، كما تحترم حقوق الإنسان، وتؤمن بالمساءلة والمحاسبة. وفي هذه الدولة التنموية، دور أساسي لآليات السوق، كما للتخطيط دوره الأساسي أيضا، وينطلق مفهومها لعلاقة التنمية بالعولمة الاقتصادية، من مفهوم التنمية الذي هو بالأساس نقدي للرأسمالية القائمة، وللعلاقات الاقتصادية الدولية الجائرة القائمة، والتي تريد دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، استمرارها، كونها قائمة أصلاً لتحقيق مصالح تلك الدول، والإضرار بمصالح البلدان والشعوب في العالمين الثالث والرابع. وهذا لا يعني بأي حال العزلة عن العالم، بل إخضاع العلاقات مع الخارج لمقتضيات التنمية في الداخل التونسي، لا العكس.
خامسًا: تؤمن الدولة التنموية بضرورة ضخ موازنة كبيرة لتحقيق المشاريع التنموية في المحافظات الفقيرة والمهمشة تاريخيًا، وبالموازنة بين جهود القطاع الخاص وإمكانات القطاع العام والدولة، وهي لا تطرح القطاع العام في مواجهة القطاع الخاص، أو العكس، فلا يستطيع أي منهما أن يحل محل الآخر، كما ترفض طرح السوق مقابل التخطيط، إذ يكمل كل منهما الآخر. وللتوصل إلى ذلك، تصبح المشاركة بين الحكومة ومكونات المجتمع المدني، والأطراف الاجتماعية الوطنية، مسألة ضرورية، لمحاربة طغيان البيروقراطية، والفساد، ما يقود إلى توجيه الاهتمام نحو إقرار حقوق الإنسان، بما فيها حقه في التنمية التي أصبحت أحد حقوق الإنسان الأساسية داخل مجتمع ديمقراطي متطور.